'سنواصل أعمالنا وفق نهج ناكيهان أكارسال وفلسفتها'

تؤكد الدكتورة شيرين حسين أن زميلتها ناكيهان أكارسال لم تترك خلفها مجرد أفكار، بل مشروعاً يتجسد اليوم في مركز للنساء، وفي جهود توثيق الذاكرة النسائية واستعادة الأصوات التي ظلت مهمشة أو حبيسة الروايات الشفوية.

هيفي صلاح

السليمانية ـ بعد أربعة أعوام على استشهادها في السليمانية بإقليم جنوب كردستان، لا تزال أفكار الصحفية والباحثة الكردية ناكيهان أكارسال حاضرة في المشاريع التي أسست لها، وفي مقدمتها العمل على استعادة تاريخ النساء بأصواتهن وكتابة ذاكرتهن بعيداً عن الروايات التي همشتهن.

في الرابع من تشرين الأول/أكتوبر 2022، تم استهداف ناكيهان أكارسال في مدينة السليمانية، بعد سنوات كرستها للصحافة والبحث في قضايا المرأة وتاريخها. ولم تكن ترى المرأة مجرد موضوع للبحث، بل كانت تؤمن بأن عليها أن تستعيد موقعها كصاحبة للتاريخ وكاتبة له، وأن تستعيد كذلك الأصوات النسائية التي بقيت مهمشة أو حبيسة الذاكرة الشفوية.

كانت ناكيهان أكارسال التي شاركت في تأسيس أكاديمية الجنولوجيا وعملت في هيئة تحرير مجلة "جنولوجي"، قد أجرت على مدى سنوات أبحاثاً حول تاريخ النساء في شمال كردستان وجنوبه وروج آفا، مركزة بصورة خاصة على التاريخ الشفهي للنساء، وجمع الروايات التي تناقلتها الأجيال وحفظها من الضياع.

وتستعيد شيرين حسين، مسيرة زميلتها ناكيهان أكارسال ومشروعها، مؤكدة أن رحيلها لم يضع حداً للأفكار التي حملتها، بل جعلت مواصلة مشروعها مسؤولية تقع على عاتق النساء اللواتي آمنّ بما كانت تناضل من أجله.

وتقول "لم تكن مجرد صحفية، بل كانت أيضاً باحثة تضع روحها في الأعمال التي تقوم بها. كانت تعمل في مجال الإعلام الحر، خصوصاً من أجل إيصال صوت النساء إلى العالم، وإظهار أن النساء صاحبات أصواتهن وألوانهن الخاصة".

وتضيف أن ناكيهان أكارسال كانت متمسكة بالطريق الذي اختارته، ولم تكن تتراجع أمام الصعوبات "كانت الشهيدة ناكيهان متمسكة بالطريق الذي كانت تؤمن به. كانت تقول لنا إنه يجب ألا نتخلى أبداً عن أعمالنا، وأن علينا الاستمرار حتى نصل إلى النقطة التي نريدها. نحن أيضاً سنواصل أعمالنا وفق نهجها وفلسفتها، وسنعمل على تحقيق أحلامها".

من حلم ناكيهان إلى مركز للنساء

كان إنشاء مساحة مستقلة تحفظ تاريخ النساء وتتيح لهن البحث والعمل بحرية أحد الأحلام التي رافقت ناكيهان أكارسال. وبعد استشهادها، خرج هذا الحلم من إطار الفكرة إلى الواقع مع افتتاح مكتبة وأرشيف ومركز أبحاث المرأة الكردية، الذي أصبح مساحة تجمع النساء وتحتضن أعمالهن ودراساتهن.

وتقول شيرين حسين إن المركز تحول إلى ما يشبه البيت للنساء، وإن العمل فيه مستمر من أجل تطويره وتحقيق الرؤية التي كانت ناكيهان أكارسال تتطلع إليها "أصبح هذا المكان بيتاً للنساء، ولا يزال يواصل أعماله حتى اليوم. يوجد في المركز فريق من النساء الناشطات، ونعمل معاً من أجل تحقيق حلم ناكيهان وتحويل هذا المركز إلى مركز أكاديمي".

وأوضحت أن ناكيهان أكارسال كانت تتطلع إلى تأسيس فضاء تكون فيه المرأة قادرة على التفكير والبحث والعمل بعيداً عن القيود، قائلة "كانت ناكيهان تريد أن تمتلك المرأة فكراً حراً. كنا نتحدث باستمرار عن كيفية إنشاء مركز، وكيف يمكن أن نجعله مكاناً تستطيع النساء العمل فيه وزيارته بحرية".

وأضافت "كانت تقول دائماً إن النساء شجاعات وقويات جداً، وإنه ينبغي الكشف عن القوة والمواهب الكامنة داخلهن والعمل عليها".

"استهدفوها لأنهم كانوا يخافون من أفكارها"

وترى شيرين حسين أن استهداف ناكيهان أكارسال لم يكن منفصلاً عن الأفكار التي حملتها والمشروع الذي كانت تعمل من أجله، معتبرة أن الفكر الحر وقوة النساء كانا في صلب ما أخاف خصومها "استهدفت ناكيهان في أحد أكثر الأماكن ازدحاماً في المدينة بسبب خوفهم من الفكر الحر".

وأوضحت أن مشروع ناكيهان أكارسال لم يكن محصوراً في مجال واحد، بل كان يتجاوز الصحافة والجنولوجيا إلى قضية أوسع تتعلق بالإنسان وحقه في المعرفة والحرية، مؤكدة "لم تكن تعمل من أجل إنشاء مركز للنساء فحسب؛ بل كانت تعمل من أجل الإنسانية".

احتل التاريخ الشفهي للنساء موقعاً محورياً في أبحاث ناكيهان أكارسال، التي سعت من خلاله إلى استقصاء الروايات والتجارب التي تناقلتها النساء عبر الأجيال، والعمل على توثيق ذاكرة ظلّت في كثير من الأحيان خارج الكتب والأرشيفات الرسمية. وانطلقت في ذلك من قناعة مفادها أن ما لم يُدوَّن ويُوثَّق قد يكون عرضة للاندثار والنسيان، وأن حفظ هذه الشهادات يمثل جزءاً أساسياً من صون الذاكرة الجماعية وإبراز الأصوات النسائية التي غابت عن السرديات المكتوبة.

وبالنسبة إلى زميلاتها، فإن استحضار ناكيهان أكارسال لا يعني الوقوف عند لحظة استهدافها، بل مواصلة الطريق الذي تركته خلفها "نحن لا نحزن عليها بعد رحيلها، لأنها وإن لم تعد موجودة معنا جسدياً، فإن فكرها لا يزال معنا. لن نتخلى عن طريقها ونضالها".

وبينما تمر الذكرى الرابعة لاستشهادها يبدو أن المشروع الذي سعت ناكيهان أكارسال إلى بنائه لم يتوقف عند غيابها؛ فالمركز الذي حلمت به أصبح قائماً، والأصوات التي أرادت أن تخرج من الصمت تجد مساحة لها، والنساء اللواتي شاركنها الطريق يواصلن العمل على تحويل أفكارها من ذاكرة إلى ممارسة، ومن حلم شخصي إلى مشروع جماعي مفتوح على المستقبل.