"شفق"... مدرسة إلكترونية تمنح فتيات أفغانستان نافذة للتعلم رغم الحظر

رغم استمرار حظر تعليم الفتيات في أفغانستان، تواصل مدرسة "شفق" الإلكترونية توفير فرص التعلم والدعم النفسي للفتيات عبر الإنترنت، لتصبح نافذة أمل تساعدهن على مواصلة التعليم وتنمية مهاراتهن في ظل الظروف الراهنة.

مركز الأخبار ـ في ظل مرور أكثر من 1747 يوماً على حرمان الفتيات فوق الصف السادس من التعليم الرسمي في أفغانستان، أطلقت امرأة أفغانية مدرسة إلكترونية باسم "شفق" في محاولة لفتح نافذة تتيح للفتيات مواصلة التعلم. وتوفر هذه المبادرة، رغم القيود التي تفرضها حركة طالبان، فرصاً للتعليم الأكاديمي والثقافي وتنمية المهارات للفتيات في مختلف ولايات البلاد. 

التعليم عبر الإنترنت... استجابة لحظر تعليم الفتيات

مع استمرار منع الفتيات من الالتحاق بالمدارس الثانوية والجامعات في أفغانستان، سعى عدد من الناشطين في مجال التعليم إلى الاستفادة من المنصات الرقمية لمنع انقطاع العملية التعليمية بشكل كامل. ومن بين هذه المبادرات مدرسة "شفق" الإلكترونية، التي أُنشئت بهدف توفير فرص التعلم للفتيات المحرومات من التعليم الرسمي.

وقد أسست صفية ناب، وهي ناشطة في مجال التعليم، هذه المدرسة بعد إغلاق المدارس والجامعات أمام الفتيات. وتقول إنها قررت، بدلاً من الاستسلام لتوقف التعليم، البحث عن طريق جديد يتيح للفتيات مواصلة التعلم، مشيرة إلى أن الحرمان الواسع للفتيات من حقهن في التعليم كان الدافع الأساسي لإنشاء هذا المركز، الذي يجمع اليوم عبر وسائل التواصل الافتراضي فتيات من مختلف ولايات أفغانستان في فصول دراسية افتراضية، ويوفر لهن فرصة مواصلة الدراسة واكتساب المهارات.

 

من اللغات الأجنبية إلى مهارات الحياة

وتؤكد صفية ناب أن نشاط مدرسة "شفق" لا يقتصر على تدريس المواد الدراسية التقليدية، بل صُمم بما يتناسب مع احتياجات الفتيات، وتوضح أن المدرسة تقدم دورات في مهارات الحياة، وعلم النفس، وكتابة القصة، والترجمة، وتعليم اللغات الأجنبية، إضافة إلى مهارات علمية وثقافية ومهنية أخرى، بحيث تتمكن كل طالبة من اختيار المسار التعليمي الذي يناسب اهتماماتها واحتياجاتها.

وتضيف أن الهدف من المدرسة لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يشمل أيضاً الحفاظ على دافع الفتيات وأملهن وثقتهن بأنفسهن، بعد سنوات من القيود الواسعة على التعليم والحياة الاجتماعية، مؤكدة أن كثيراً من الفتيات شعرن بعد حرمانهن من التعليم بأن مستقبلهن قد توقف، إلا أن الاستمرار في التعلم يمكن أن يغير هذا الشعور ويُبقيهن مستعدات للمستقبل.

وتقول "هدفنا ليس التعليم فقط، بل نريد أن تؤمن الفتيات بأنهن ما زلن قادرات على اتخاذ قرارات تخص مستقبلهن، وتنمية مواهبهن، والاستعداد للقيام بدور فاعل في المجتمع".

 

"الفرص لا تأتي إلينا"

وتشدد صفية ناب على أهمية الإرادة والمثابرة في مسيرة التعلم، مؤكدة أن القيود، رغم قسوتها، لا ينبغي أن تكون نهاية الطريق. وتصف الفتيات اللواتي يواصلن التعلم رغم جميع العقبات بأنهن "الثروة الحقيقية لمستقبل أفغانستان"، وتقول "الفرص لا تأتي إلينا، بل علينا أن نسعى إليها".

وتقول الفتيات المشاركات في دورات "شفق" إن المدرسة لم تكن مجرد بديل للفصول الدراسية التقليدية، بل ساعدتهن أيضاً على الحفاظ على الأمل في المستقبل.

وتقول مدينة حيدري، إحدى طالبات المدرسة، والتي أصبحت لاحقاً تتعاون مع المعلمين في بعض البرامج، إنها قبل التعرف على "شفق" لم تكن تجد فرصاً كافية لمواصلة التعلم أو تطوير ذاتها. لافتةً إلى أن حرمانها من التعليم الرسمي جعلها تعتقد أن طريق التقدم قد أُغلق أمامها، لكن مشاركتها في دورات المدرسة غيّرت نظرتها إلى قدراتها وإمكاناتها.

وأوضحت أن مشاركتها في دورات كتابة القصة لم تزدها علماً فحسب، بل طورت أيضاً طريقة تفكيرها وكتابتها وقدرتها على التعبير عن آرائها.

 

الاهتمام بالصحة النفسية للفتيات

ومن أبرز ما يميز مدرسة "شفق" اهتمامها بالتعليم الأكاديمي إلى جانب الصحة النفسية للطالبات. وتقول فهيمة سادات، مدرسة علم النفس ومهارات الحياة في المدرسة، إن الفتيات في أفغانستان واجهن خلال السنوات الأخيرة ضغوطاً نفسية كبيرة، من بينها القلق، واليأس، وتراجع الثقة بالنفس، والخوف من المستقبل.

وترى أن تعليم مهارات الحياة لا تقل أهمية اليوم عن التعليم الأكاديمي. وتوضح أن الدورات تشمل موضوعات مثل الوعي الذاتي، وإدارة الضغوط، والتحكم في المشاعر، والتواصل الفعال، واتخاذ القرار، وحل المشكلات، بهدف تمكين الفتيات من مواجهة الظروف الصعبة.

 

التعليم الإلكتروني وسيلة لمنع الانقطاع التعليمي

ويرى خبراء في مجال التعليم أن التعليم عبر الإنترنت، رغم أنه لا يمكن أن يحل محل المدارس والجامعات بشكل كامل، فإنه يُعد في الظروف الحالية أحد أهم الوسائل للحفاظ على ارتباط الفتيات بالتعليم.

وتقول مريم إيماق، الخبيرة في الشؤون التعليمية، إن الوصول إلى المصادر التعليمية، والكتب، ومقاطع الفيديو، والدروس الافتراضية، ساعد العديد من الفتيات على البقاء على اتصال بالمعرفة.

وأكدت أن استمرار التعلم، حتى عبر الإنترنت، لا يسهم فقط في تنمية المعرفة والمهارات، بل يحافظ أيضاً على الدافع للتعلم والأمل بالمستقبل. وترى أن الفتيات اللواتي يستثمرن الفرص التعليمية المتاحة اليوم سيكون لديهن استعداد أكبر لمواصلة الدراسة، ودخول سوق العمل، والمشاركة الفاعلة في المجتمع.

كما اعتبرت أن المدارس الإلكترونية مثل "شفق" تؤدي دوراً مهماً في تعويض جزء من الفراغ الذي أحدثه تعطيل النظام التعليمي في أفغانستان، ودعت إلى توسيع مثل هذه المبادرات.

 

أكثر من أربع سنوات من الحرمان من التعليم

لقد مرّ الآن 1747 يوماً منذ أن منعت طالبان الفتيات فوق الصف السادس من الالتحاق بالمدارس والجامعات، وهو قرار أدى إلى حرمان ملايين الفتيات الأفغانيات من التعليم، وأثار انتقادات واسعة من المنظمات الدولية.

وفي ظل هذه الظروف، ورغم أن مدارس مثل "شفق" لا تستطيع أن تحل محل النظام التعليمي الرسمي، فإنها أصبحت بالنسبة لآلاف الفتيات الأفغانيات نافذة للحفاظ على المعرفة، وتنمية المهارات، وإبقاء الأمل بالمستقبل حياً؛ نافذة لا تزال مضيئة رغم القيود الواسعة المفروضة عليهن.