قتل النساء في ظل حكم طالبان جريمة تحوّلت إلى روايات صامتة
تشير تقارير حقوقية عديدة إلى استمرار جرائم القتل والعنف ضد النساء في أفغانستان تحت حكم طالبان؛ وهو وضع يقول ناشطون في مجال حقوق المرأة إنه ازداد سوءاً بسبب غياب العدالة واتساع دائرة القمع.
بهاران لهيب
ننغرهار ـ خلال ما يقارب خمس سنوات من حكم طالبان، أصبح قتل النساء في أفغانستان جزءاً من الواقع المرير والمتكرر في المجتمع؛ واقعاً يُخفى غالباً تحت مسميات مثل "القتل الغامض"، أو "العنف الأسري"، أو "حادثة شخصية".
في الوقت الذي تعيش فيه النساء في أجواء من القمع والحرمان وانعدام العدالة، يرى كثير من المدافعين عن حقوق المرأة، أن طالبان تلعب بشكل مباشر أو غير مباشر، دوراً في ترسيخ ثقافة كراهية النساء وحماية مرتكبي العنف من العقاب، وخلال الأسبوعين الأخيرين فقط، قُتلت ثلاث نساء بوحشية في كابول وعدة ولايات؛ وهي حوادث لم تحظَ إلا بتغطية محدودة في وسائل الإعلام وشبكات التواصل.
وعند متابعة وسائل الإعلام ومنصات التواصل، تتوالى أخبار قتل الفتيات الصغيرات والنساء البالغات، في مشهد يعكس وصول العنف ضد النساء في أفغانستان إلى مستوى كبير ومقلق، ويمكن القول بثقة إن الأرقام المنشورة أقل بكثير من الواقع الحقيقي، إذ إن العديد من القضايا لا يتم تسجيلها أو تداولها إعلامياً بسبب أجواء الخوف والصمت والحماية التي يحظى بها مرتكبو العنف، ويعتقد ناشطون في مجال حقوق المرأة أن حكم طالبان المعادي للنساء وغياب نظام قضائي مستقل ساهما في بقاء جرائم قتل النساء وقمعهن دون متابعة أو محاسبة.
وقبل عدة أشهر، نشرت طالبان لائحة تنظيمية لمحاكمها، ترى منظمات حقوقية أنها تمهّد لمنح الشرعية للعنف ضد النساء، ويقول المنتقدون إن هذه اللائحة تسمح للرجال بممارسة العنف ضد النساء دون أن يواجهوا ملاحقة قانونية جادة.
وبحسب تقرير صادر عن "مرصد حقوق المرأة الأفغانية"، فقد تم منذ بداية عام 2025 توثيق الكثير من حالات الانتهاكات المنهجية لحقوق النساء في أفغانستان، وأشار التقرير إلى توثيق 511 حالة عنف ضد النساء، شملت 76 جريمة قتل متعمد، و130 حالة جلد علني، و72 حالة اعتقال تعسفي واختفاء قسري، إضافة إلى 32 حالة انتحار أفضت إلى الوفاة، كما بقيت 258 قضية دون أي إجراء رسمي أو ملاحقة قضائية.
وأكد التقرير أن معظم الضحايا كنّ من النساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 18 و36 عاماً، وهن الفئة التي تواجه في أفغانستان الحالية قيوداً اجتماعية واقتصادية وسياسية شديدة.
وفي تقرير آخر، كشف مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في أفغانستان أيضاً عن تزايد حالات العنف وانتهاكات حقوق الإنسان، وذكر التقرير، الذي يغطي الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2025، أن 547 شخصاً قُتلوا أو أُصيبوا خلال النزاعات؛ من بينهم 70 قتيلاً و447 جريحاً.
كما أشار التقرير إلى تسجيل 250 حالة اعتقال تعسفي، تعرض ما لا يقل عن 50 شخصاً منهم لسوء المعاملة، بينهم نساء ورجال، إضافة إلى ذلك، تم جلد 287 شخصاً علناً، وكان من بينهم نساء وأطفال، كما نُفذت عمليتا إعدام.
وفي جزء آخر من هذا التقرير، أُشير إلى الاشتباكات الحدودية بين طالبان وباكستان، والتي أسفرت عن تضرر نحو 500 مدني، ووفقاً للإحصاءات المقدّمة، قُتل 47 شخصاً وأصيب 456 آخرون، وكان من بينهم نساء وأطفال.
ويقول منتقدون إن اللائحة التي أصدرتها طالبان تمنح الرجال الحق في ضرب زوجاتهم، بشرط ألا تترك آثاراً ظاهرة على أجسادهن، وهو ما ضاعف مخاوف الناشطات في مجال حقوق المرأة.
وفي حادثة أخرى، اغتيلت بدرية، وهي امرأة عادت إلى أفغانستان للمطالبة بحقوقها، في مدينة كابول، كما قُتلت امرأة كانت قد خدمت سابقاً في قوات الشرطة الأفغانية، في حادثة أعادت إثارة المخاوف بشأن أمن النساء، خصوصاً العاملات سابقاً في مؤسسات النظام السابق.
وفي هذا السياق قالت فوزية رضا، وهي ناشطة في مجال حقوق المرأة ومن النساء المحتجات في ننغرهار "لقد حوّل المتشددون قتل النساء تدريجياً إلى ثقافة داخل المجتمع، ولا يزال شعبنا يتذكر فرخندة، المرأة التي أُحرقت حيّة في كابول وعلى بُعد كيلومترات قليلة من القصر الرئاسي بسبب اتهام لم يثبت، وكذلك رخشانة".
وأضافت "عندما سيطرت الجماعات الجهادية على كابول، لم تتردد في ارتكاب الاغتصاب والقتل وحتى قطع أثداء النساء، وطالبان امتداد لذلك الفكر نفسه، واليوم تبدأ نساء أفغانستان كل صباح على خبر جلد امرأة في العلن أو مقتل امرأة في إحدى مناطق البلاد".
كما أكدت فوزية رضا أنه "منذ انقلاب عام 1978 وحتى اليوم، كانت النساء أولى ضحايا الأنظمة الاستبدادية في أفغانستان، وحتى خلال العشرين سنة الماضية، التي كان يتم الحديث فيها عن الديمقراطية، لم يتوقف العنف ضد النساء، فقد قُطعت آذان وأنوف عشرات النساء، بينما أقدمت أخريات على الانتحار أو إحراق أنفسهن نتيجة العنف الأسري".
ورغم كل هذه الجرائم، تؤمن محدثتنا أن "نهاية هذا القمع وكراهية النساء ستتحقق بصمود ونضال النساء الأفغانيات، وستتمكن يوماً ما من إنهاء هذه الأنظمة المعادية للمرأة والاستبدادية".
وبينما كان هذا التقرير يُختتم، نُشر خبر صادم آخر؛ إذ قُتلت فتاة تبلغ من العمر 13 عاماً في ولاية بدخشان بعد تعرضها للاغتصاب، وهي جريمة تؤكد مجدداً أن العنف ضد النساء والفتيات في أفغانستان ما يزال مستمراً، وأن عدد الضحايا يتزايد يوماً بعد يوم.
وفي المحصلة، فإن تزايد جرائم قتل النساء، والجلد العلني، والاعتقالات التعسفية، والتكتم على ملفات العنف، يكشف أن النساء في أفغانستان يعشن إحدى أحلك الفترات في تاريخهن المعاصر.
ويرى ناشطون في مجال حقوق المرأة أن غياب العدالة، وهيمنة الفكر المعادي للنساء، وإفلات مرتكبي العنف من العقاب، كلها عوامل ساهمت في استمرار هذه الجرائم، ومع ذلك، تواصل النساء الأفغانيات الوقوف في وجه القمع، وتحاولن إبقاء صوت الضحايا حياً؛ ذلك الصوت الذي، رغم الضغوط والتهديدات، لم يخفت بعد.