"نساء عبر التاريخ"... ذاكرة النساء في مواجهة النسيان

تؤمن الكاتبة والروائية فوزية صالح منمي بأن النساء الكرديات جوهر السلام، تساهمن في بناء الوعي وتوثيق التاريخ وتربية الأجيال "رغم ما يواجهنه من صعوبات هن مناضلات لا يهابن شيئاً، وتقفن بثبات في وجه الحرب والتمييز".

هيلين أحمد

السليمانية ـ قضت الكاتبة والروائية فوزية صالح منمي في كتابة القصص التي تناولت العديد من القضايا الاجتماعية، هدفها الدائم هو الحفاظ على تاريخ الكرد، وأن المرأة ليست فقط ضحية للصراعات، بل فاعلة في المقاومة والتوثيق، وأن الأدب وسيلة فعالة لغرس الوعي التاريخي لدى الأطفال.

"نساء عبر التاريخ"، كتاب يروي قصص حقيقية لنساء لهن أدوار مؤثرة في المجتمع عبر فترات مختلفة من التاريخ، مانحهن أهمية كبيرة للجوانب الاجتماعية، والمعتقدات الدينية المتنوعة، والحياة المشتركة، والسلام، والتعايش المجتمعي.

 

"النساء هنّ أمل السلام والتربية الصحيحة لاستعادة تاريخ الكرد"

أشارت الكاتبة والروائية فوزية صالح منمي إلى أهمية إشراك الأطفال في استعادة التاريخ من خلال الأدب حيث استلهمت فكرة كتابها "أربعة عشر امرأة في التاريخ"، قائلةً "عندما كنت ألتقي بالأطفال، كنت ألمس شغفهم الكبير بالقراءة والتاريخ، مما دفعني إلى تشجيعهم على القراءة عبر تنظيم مسابقات تحفزهم على بذل جهد أكبر في المطالعة".

واعتمدت في أعمالها على الأسلوب التقليدي في سرد القصص، مستلهمة من رسائل تاريخية قديمة مثل تلك التي أرسلها أحد أفراد عشيرة الفيلية إلى الشيخ محمود الحفيد، بأسلوب يحاكي الرسائل التراثية، في محاولة لإحياء حلم تحرير كردستان الكبير، وقد كان هذا العمل أولى خطواتها في استعادة التاريخ عام 2017.

لاحقاً، جمعت فوزية منمي الجزء الثاني والثالث والرابع من مشروعها في كتاب واحد بعنوان "نساء عبر التاريخ"، رغم رغبتها في إصدار كل جزء بشكل مستقل، إلا أن الظروف الاقتصادية دفعتها إلى دمج الأجزاء الثلاثة في كتاب واحد من 72 صفحة.

يتناول الكتاب سيرة أكثر من ثلاثين امرأة كردية، خضن نضالاً شجاعاً وتضحيات جسيمة من أجل الحياة والكرامة، ويهدف إلى تسليط الضوء على المعاناة والظلم الذي تعرضن له من قبل المجتمع، في محاولة لتوثيق تلك التجارب ونقلها إلى الأجيال القادمة.

في كتابها "نساء عبر التاريخ"، تسلط فوزية صالح منمي الضوء على أهمية الحوار كوسيلة لنقل القصص إلى الأجيال القادمة "النساء هنّ من يربين ويعلّمن ويستحضرن الحقائق من أعماق أرواحهن، ولهذا اخترت الحوار ليكون جسراً بين الماضي والحاضر، بين التاريخ والطفولة".

ومن خلال إعادة سرد القصص بأسلوب حواري، يتمكن الأطفال من التعرف على التاريخ، إذ يُصغون بشغف إلى الحكايات التي تُروى بلسان طفلة تُدعى "آدان"، وهي الشخصية التي اختارتها فوزية صالح منمي لتكون صوتاً بريئاً ينقل تلك السرديات التاريخية، هذه الحوارات تُقدَّم ضمن مكتبة مخصصة للأطفال، لتفتح أمامهم أبواب القراءة والمعرفة.

يتناول الكتاب أيضاً قصة "آشيناس برزاني"، وهي من البائعات الجوالات، التي عاشت جنباً إلى جنب مع النساء المسلمات، وفي أيام السبت، كانت النساء المسلمات يُحضّرن الطعام للنساء الجوالات ولأتباع الديانات الأخرى، في مشهد يعكس روح التعايش والسلام بين الكرد ومختلف الطوائف، من خلال دور النساء في بناء جسور المحبة.

كما تتناول فوزية صالح منمي في كتابها تقلبات حياة الكرديات، ومن بينهن "مينا خانم" من عائلة القاضي محمد، حيث تُروى قصتها حينما أُودعت السجن والتقت بامرأة أخرى، فسألتها "من أنتِ؟"، فأجابتها "أنا لست امرأة عادية، أنا تلك التي رفعت صوتها ضد إعدام القاضي محمد، فسُجنت وفقدت بصري من أجل الوطن، ضحيت بعينيّ، وإن خرجتِ من السجن، أخبري عائلتي أنني الفتاة التي فقدت بصرها على يد النظام الفاشي الذي قسم أرض كردستان إلى أربعة أجزاء".

ومن خلال هذه القصص، تنقل فوزية صالح منمي للأطفال حقيقة أن أرضهم قد قُسمت بفعل الاحتلال، وتغرس فيهم الوعي بتاريخهم والاعتزاز به.

 

"النساء رمز النضال بوجه الحرب والتمييز"

وأكدت فوزية صالح منمي، في سياق حديثها، أن النساء الكرديات رغم ما واجهنه من مصاعب، كنّ دائماً مناضلات لا يخفن شيئاً، ووقفن بشجاعة في وجه الحروب والتمييز، دون أن يتراجعن أو يستسلمن.

ففي كتابها، تناولت قضية "الفتاة المباعة"، وهي نموذج للنساء اللواتي استُغللن من قبل الدول المحتلة، حيث كانت تلك الدول تُعيد توجيه الفتيات إلى المناطق الكردية على أساس عرقي، لتكون الفتاة ضحية مباشرة لسياسات الاحتلال، حيث قالت "الفتاة المباعة كانت ضحية للمحتلين، تم التعامل معها على أنها ملكية خاصة تُستخدم لخدمة مصالحهم".

واستعرضت قصة عبد الله شكّاك وسمكو شكّاك، اللذين واجها ضغوط الاحتلال، ففي ليلة مظلمة، يقوم أحد ضباط عبد الله شكّاك بمرافقة فتاة مباعة لزيارة والدها سراً، وبعد أن يراها أحد الضباط، تُسلَّم إلى ضابط إنجليزي، ثم تُرسل صورة لها إلى والدها، في مشهد يعكس كيف تُعامل الفتاة من قبل المحتلين كسلعة تُنقل وتُستغل.

وأضافت "إن مسؤوليتنا نحن الكرد، أن نعيد كتابة تاريخنا المسلوب، ونصحح الروايات التي تم تزويرها"، مشيرةً إلى نموذج نسائي آخر يُدعى "نوبوك"، التي تحولت حياتها إلى مأساة بعد الهجوم على القرى، فبعد أن بدأت حياتها الزوجية حديثاً، عادت إلى منزل والدها، بينما كان زوجها يواجه ظروف الحرب القاسية.

وتابعت "في لحظة مؤلمة، تزور نوبوك منزل والدها، لتجده مدمّراً بالكامل، وعائلتها قد اختفت، فتعود حزينة إلى منزل زوجها، لتكتشف أنه أيضاً قد دُمّر، وهكذا تعود امرأة وسط الخراب تجسد مأساة شعبها، هذه هي مسؤوليتنا نحن الكاتبات والنساء، أن نكتب عن تلك الحياة، وعن حملات الأنفال التي استهدفت الكرد، ونوثّقها في صفحات التاريخ".

 

من روزا وابن حليمة إلى أرشفة نضال المرأة الكردية

في كتابها "نساء عبر التاريخ"، تسلط فوزية صالح منمي الضوء على نماذج نسائية مناضلة "في صفحات هذا الكتاب، أتحدث للأطفال عن نساءٍ خضن غمار النضال، ولا أنسى نساء كوباني اللواتي قدّمن أرواحهن فداءً للأرض، مثل أفيستا خابور، وروزا، وابن حليمة".

وروت قصة ابن حليمة، الذي كان له دور بارز في المقاومة الحديثة، حيث شارك في النضال إلى جانب شقيقه الذي وقع في الأسر، ولم يتمكن أفراد المجموعة من إنقاذه، لكن ابن حليمة، مدفوعاً بحبه العميق لأخيه، رفض أن يترك جثمانه خلفه، وفي ليلة مظلمة محفوفة بالمخاطر، عاد ليحمل جثمان أخيه معه، رغم التهديدات، وبعد أن دُمّرت قريتهم، بقي وحيداً على قيد الحياة، هذه القصة المؤثرة رواها لصديقه قائلاً "قلبي لم يسمح لي أن أترك تراب أخي، هنا مكاني".

وفي ختام حديثها، قالت فوزية صالح منمي "بذلنا جهداً كبيراً لنُصدر كتاباً يوثّق أجمل صور نضال المرأة وتاريخها، نحن النساء نعمل على أرشفة نضال المرأة، الذي واجه الاحتلال، والمجتمع، والتمييز، ونحن الآن نكتب الجزء الخامس من أربعة عشر امرأة في التاريخ، ونسعى لوضعه في جميع المكتبات والمدارس، ليكون في متناول الأجيال القادمة، كي يتعرفوا على تاريخهم الحقيقي".