ندوة صحفية تسلط الضوء على العنف السيبراني في تونس

أكدت دراسة حقوقية أن العنف القائم على النوع الاجتماعي الميسر بالتكنولوجيا تحول إلى منظومة مترابطة تعيد إنتاج الهيمنة والتمييز في الفضاءين الرقمي والمادي، محذّرة من الوصم والتحريض كامتداد لبنية اجتماعية وسياسية غير عادلة.

زهور المشرقي

تونس ـ تحت عنوان "العنف الرقمي والاستهداف السياسي للنساء في الفضاء العام"، نظمت جمعية "تقاطع من أجل الحقوق والحريات"، أمس الثلاثاء 7 نيسان/أبريل، ندوة صحفية في تونس خصصت لتقديم دراسة حقوقية.

طرحت الدراسة مقاربة نسوية شاملة تحلل واقع العنف الرقمي والاستهداف السياسي الذي تتعرض له النساء الفاعلات في الفضاء العام بتونس، مركزاً على عدة محاور أساسية من بينها رصد وتوثيق الأشكال المستحدثة من العنف الرقمي القائم على الجندر والموقف السياسي، وتحليل التداعيات النفسية والاجتماعية والاقتصادية العميقة التي تطال الناشطات وعائلاتهن وتؤدي إلى "تأنيث المعاناة" واستعراض آليات التضامن وتقنيات الحماية الرقمية كأدوات لاستعادة السيادة على الفضاء العام، مع تقديم حزمة من التوصيات العملية لإصلاح المنظومة التشريعية والمؤسساتية بما يضمن حماية حقيقية للمشاركة السياسية والحقوقية للنساء.

وأكدت الدراسة أن العنف القائم على النوع الاجتماعي المُيسر بالتكنولوجيا لم يعد مجرد ظاهرة منفصلة أو عارضة، بل أصبح منظومة متشابكة تعيد إنتاج علاقات الهيمنة والتمييز عبر الفضاءين الرقمي والمادي في آن واحد حيث تزايدت أشكال التضييق السياسي والاجتماعي، ويستهدف هذا العنف طيفاً واسعاً من النساء من ناشطات وسياسيات إلى أسر المعتقلين والمعتقلات السياسيات ما يكشف أن الاستهداف لا يقوم فقط على أساس الجندر، بل يتضاعف حين يتقاطع مع الانتماء السياسي أو العائلي ليحول النساء إلى أهداف مركبة للعنف.

وتسعى الدراسة إلى تفكيك آليات إنتاج هذا العنف داخل الفضاءين القضائي والرقمي وإبراز الآثار النفسية والأسرية والاجتماعية والسياسية لاسيما ما يخليه من انسحاب من الفضاء العام ورقابة ذاتية وإعادة تشكيل الحضور الرقمي بحذر مما يهدد استمرارية المشاركة النسائية ويقول الحضور السياسي والحقوقي للنساء.

وأبرزت الشهادات المقدمة في الدراسة صلابة يومية واستراتيجيات مقاومة متنوعة مثل إعادة تشكيل حضورهن الرقمي بحذر أو بناء شبكات دعم غير رسمية، إلا أن هذه الاستراتيجيات لا يمكن أن تعد بديلاً عن حماية مؤسسية فعالة ولا عن التزام الحكومة بتطبيق تعهداتها في إطار القضاء على العنف ضد النساء بجميع أشكاله، ويتطلب الأمر أن تنتقل الاستجابة من حلول فردية محدودة إلى سياسات شاملة تراعي البعد التقاطع للعنف وتقوم على مواءمة تشريعية تعرف أشكال العنف الميسر بالتكنولوجيا دون المساس بحرية التعبير بما يضمن حق النساء والمدافعات عن الحقوق في المشاركة السياسية الآمنة.

 

تضييقات على الناشطات في الفضاء الرقمي وعنف مركب

قالت غفران الراجحي، الحقوقية بجمعية تقاطع، إن الدراسة عبارة عن مجموعة توثيقات من النساء الفاعلات في الفضاء العام وتدرج ضمن السياق التونسي السياسي الحالي والضغوطات على الفاعلات التي تمتد إلى الجانب السيبراني، لافتة إلى أن الدراسة استندت على 9 شهادات حية من الناشطات ذوات تجربة سياسية وفي المجتمع المدني والمهجرات قسراً وأيضاً بالنسبة إلى النساء من عائلات المعتقلين السياسيين.

وكشفت أن الدراسة رصدت أكثر من 13 شكلاً من العنف السيبراني، من بينها ما تعرفه الأمم المتحدة بـ "الحشد الزائف"، إضافة إلى "لوم الناشطات"، وهي أنماط غالباً ما تمارس ضد المقررات الخاصات بالأمم المتحدة، لكنها باتت اليوم تنتشر في تونس أيضاً، مشيرة إلى أن هذا العنف الرقمي يتقاطع مع أشكال أخرى من العنف المادي، مثل العنف الاقتصادي المباشر وغير المباشر، والعنف الاجتماعي والسياسي، مما يخلق حالة من العنف المركب الذي تواجهه الفاعلات. كما لفتت إلى أن الفضاء الرقمي أصبح امتداداً لهذه الممارسات، نظراً لسهولة الوصول إليه واتساع نطاق تأثيره.

وشددت على أن الدراسة كشفت بالأرقام التراجع في المشاركة السياسية للنساء بعد أن وصلت عام 2014، إلى 31% في البرلمان ونسبة 47% في الانتخابات البلدية عام 2018، إلا أنها انخفضت عام 2024 إلى 15% الأمر الذي يدق ناقوس الخطر باعتبار أن ما تعيشه الفاعلات ليس بمعزل عن الأجيال القادمة.

وذكرت غفران الراجحي أن الدراسة وجهت جملة من التوصيات إلى السلطات، أبرزها ضرورة تفعيل الآليات المنصوص عليها في القانون عدد 58 لسنة 2017، بما يشمل إجراءات الحماية والوقاية والمرافقة والزجر. كما دعت إلى إنشاء وحدات مستقلة ومتخصصة داخل وزارات الداخلية والعدل والأسرة والمرأة، تتولى رصد ومتابعة قضايا العنف الرقمي ضد النساء والفئات المهمشة.

ودعت الدراسة إلى إنشاء مرصد وطني للعنف والتمييز ورصد ميزانية خاصة لمكافحة العنف الرقمي، مشددة على أهمية حماية المدافعات عن حقوق الإنسان والنساء ضحايا العنف وضمان سلامتهن لممارسة نشاطهن دون ترهيب وتخويف.

ودعت الدراسة الإعلام إلى إطلاق حملات إعلامية وطنية لمناهضة العنف السيبراني والجندري لتغيير الخطاب المجتمعي المطبع مع الكراهية والعنف.

 

يجب احتواء ضحايا العنف السيبراني

بدورها أكدت الناشطة الحقوقية والنسوية نايلة الزغلامي، أن العنف السيبراني أصبح ظاهرة تستهدف الناشطات في المجال المدني أو السياسي والحقوقي، وبات فضاءً للوصم والاستبعاد والتنمر، لذلك من واجب الجمعيات النسوية وأيضاً الحكومة التفكير في المسألة من ناحية المقاومة، على غرار مراكز التوجيه والانصات لضحايا العنف التي أنشأت للضحايا اللفظي والجسدي يجب إنشاء مراكز للتوجيه والانصات للضحايا العنف السيبراني لاعتبار أن آثاره تتجاوز الشاشة والمنصات كل المحامل لتمس الحالة النفسية والعقلية والجسدية للضحية.

وأشارت إلى أنه من الضروري التعهد بضحايا العنف السيبراني والاستماع لهن، وهو ما تحاول جبهة المساواة العمل عليه خاصة للتعريف بهذا الشكل من العنف، وكسر جدار الصمت والخوف من التبليغ وتوعية الضحايا بوجود اتفاقيات دولية وقوانين محلية يجب الاطلاع عليها لمقاضاة المعتدي.

وعبرت نايلة الزغلامي عن رفضها للمرسوم 54 الذي يدعي حماية المواطنين في الفضاء الرقمي، مشيرة إلى أنه ضيق النشاط ويستهدف النشطاء، معتبرة أنه "جاء لتصفية الخصوم السياسيين والمعارضة فقط. نحن نلجأ للقانون 58 لسنة 2017 لا لمرسوم 54".