موجة قمع غير مسبوقة في إيران... الإخفاء القسري وأحكام الإعدام في ازدياد
تحذّر منظمات حقوق الإنسان من أنّ السلطات الإيرانية تستغلّ أجواء ما بعد الحرب، وقطع الإنترنت، وتراجع الاهتمام الدولي لتوسيع القمع الداخلي، وتنفيذ إعدامات سياسية، وفتح ملفات أمنية ضد المحتجّين، في ظلّ صمت دولي يفاقم المخاوف.
مركز الأخبار ـ بالتزامن مع استمرار التوترات الأمنية الناتجة عن الحرب والهدنة الهشة في إيران، تشير التقارير الصادرة من مدن مختلفة في البلاد إلى تصاعد غير مسبوق في حملات الاعتقال الواسعة، والاختفاء القسري، ومصادرة الممتلكات، والضغط على عائلات الضحايا، إضافة إلى زيادة الأحكام القاسية بحق النساء والمحتجّين. وقد حذّرت منظمات حقوقية من أنّ السلطات الإيرانية، تستغل أجواء ما بعد الحرب، والقيود الواسعة على الإنترنت، وتراجع اهتمام المجتمع الدولي، حيث كثّفت من وتيرة القمع الداخلي، وبدأت موجة جديدة من الإجراءات الأمنية والقضائية في مختلف أنحاء البلاد، بالتوازي مع ارتفاع وتيرة الإعدامات ذات الطابع السياسي.
خلال الأيام الثلاثة الماضية صدرت تقارير من مدن مختلفة في إيران تتحدّث عن موجة واسعة من الاعتقالات، ونقل سرّي للمعتقلين، ومداهمات لمنازل المواطنين، وفرض كفالات مالية باهظة، وتنفيذ أحكام الجلد، وتشديد الضغوط على السجينات، إضافة إلى مقتل مواطنين بلوش في مدن مشهد، سبزوار، زاهدان، إيرانشهر، ساوه، طهران، ساري، شيراز، سمنان، أورمية، قم، كرج، ياسوج، إسلامشهر، نيكشهر، لار، مهاباد، مياندوآب، بندرعباس، قزل حصار كرج، دهدشت، كازرون وغيرها.
تصاعد حدّة القمع في الأسابيع الأخيرة يشير إلى أنّ الجمهورية الإسلامية تسعى في ظلّ أجواء ما بعد الحرب والأزمات الإقليمية، إلى إسكات أي صوت احتجاجي عبر الاعتقال والتهديد وفبركة الملفات الأمنية وفرض أحكام قاسية؛ وهي سياسة تستهدف بشكل خاص النساء، وعائلات الضحايا، والسجناء السياسيين، والأقليات الدينية والقومية.
كما تُنفَّذ العديد من الإعدامات بشكل سرّي ومن دون إعلان عام، وغالباً ما تتعرّض العائلات لضغوط شديدة لإجبارها على الصمت بشأن مسار القضايا أو أماكن دفن الضحايا.
وفي أحدث الحالات، نُفِّذ حكم الإعدام بحق طالب دراسات عليا في هندسة الطيران بتهمة "التعاون الاستخباراتي مع الموساد ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية". ويؤكد ناشطون حقوقيون أنّ هذا الملف يفتقر إلى معايير المحاكمة العادلة، ويرون أنّ اعترافات المتهم انتُزعت تحت الضغط والتحقيقات الأمنية.
وفي الوقت نفسه، تتزايد المخاوف من احتمال صدور أحكام إعدام بحق عدد من السجناء السياسيين، ولا سيما المعتقلين على خلفية احتجاجات كانون الثاني/يناير. وتقول مصادر حقوقية إنّ تهماً مثل "المحاربة"، و"التجسس"، و"التعاون مع إسرائيل" تحوّلت خلال الأشهر الأخيرة إلى أدوات لإصدار أحكام قاسية وخلق مناخ من الترهيب.
كما أعلنت السلطة القضائية في الجمهورية الإسلامية تنفيذ حكم الإعدام بحق سجين بلوشي متهم بالانتماء إلى جماعة "أنصار الفرقان" والمشاركة في هجمات مسلّحة على مقارّ أمنية. ووفقاً لادعاء السلطة القضائية، صدر الحكم بناءً على "اعترافات" ووثائق أمنية، لكن منظمات حقوق الإنسان حذّرت مراراً من مسار القضايا الأمنية، والاعترافات القسرية، وغياب المحاكمات العادلة في أحكام الإعدام، خصوصاً بحق المواطنين البلوش.
السجينات في مواجهة الضغوط الأمنية والكفالات الباهظة
يُعدّ أحد أبرز التقارير خلال الأيام الثلاثة الماضية ما يتعلّق بأوضاع النساء السجينات في الجناح الأمني لسجن وكیل آباد في مشهد؛ الجناح الذي يصفه السجناء بـ "جناح القمع"، وتشير التقارير إلى احتجاز ما لا يقلّ عن 30 امرأة من معتقلات الاحتجاجات فيه.
عدد كبير من هؤلاء النساء رهن الاعتقال المؤقت منذ أشهر، ورغم صدور قرارات الإفراج بكفالة، فإن عائلاتهن غير قادرة على دفع المبالغ الخيالية التي تصل إلى مليارات التومانات. ويصف ناشطون حقوقيون هذا الأسلوب بأنه "احتجاز قضائي كرهائن"، يُستخدم بحسب قولهم لإرهاق السجينات وعائلاتهن نفسياً.
من بين المعتقلات، برز اسم سيما انبائي فريماني، الشاعرة والممثلة المسرحية من فريمان، التي تواجه اتهامات مثل "قيادة الاحتجاجات" و"العمل ضد الأمن القومي". وتقول مصادر مطلعة إنها عاشت أكثر من شهرين في الخفاء قبل اعتقالها من قبل القوات الأمنية.
كما أمضت بي بي زهرا موسوي، البالغة 21 عاماً من فريمان، أربعة أشهر في الحبس الانفرادي. ويؤكد مقربون منها أنها كانت المعيل الوحيد لأسرتها، وأن اعتقالها وضع العائلة في ضائقة اقتصادية شديدة.
وتواجه زينب موسوي، المعروفة باسم "آبان"، مع شقيقها تهمة "المحاربة"، وسط تزايد المخاوف من احتمال صدور حكم بالإعدام بحقها. ويقول ناشطون حقوقيون إن استخدام تهمة المحاربة ضد المحتجين ازداد بشكل كبير، وإن العديد من هذه القضايا تستند إلى اعترافات قسرية.
وفي الجناح نفسه، اعتُقلت مهسا بهادري لمجرد إشعال شمعة على قبور ضحايا الاحتجاجات، فيما تُحتجز آذر ياهو ترقبه بتهمة "التعاون مع إسرائيل".
أما الشقيقتان آسيا نعيمي وعادلة نعيمي فقد اعتُقلتا فقط بسبب اتصال هاتفي مع قناة فضائية. وتشير التقارير إلى أن آسيا تعاني من اضطرابات عصبية حادة بعد اعتقالها، بينما تعيش عادلة التي لديها تاريخ مرضي مع سرطان الثدي في وضع صحي متدهور.
كما أصيبت مرضية مشهدي باكتئاب حاد خلال فترة احتجازها، وتقول مصادر مقربة إن الضغوط أثناء التحقيق وفترة الانتظار الطويلة فاقمت حالتها النفسية. وتُحتجز فتاة تبلغ من العمر 18 عاماً، منذ نحو أربعة أشهر بتهمة "هجوم بالأسيد"، وهي تهمة تقول عائلتها إنها ملفّقة.
وتتعرض امرأة تدعى آزاده لضغوط شديدة من المحققين بسبب وجود وشم عبري على عنقها، فيما لا تزال فاطمة رضوانيفر في السجن بسبب عدم قدرة عائلتها على دفع الكفالات الباهظة.
أما نجمة أميني، الطالبة الجامعية البالغة 23 عاماً، فقد اعتُقلت بعد تعرّضها للضرب المبرح في سوق فردوسي بمشهد، وهي تواجه الآن اتهامات مثل "المحاربة"، و"التعاون مع إسرائيل"، وقد حذّرت منظمات حقوقية من أن هذه الاتهامات قد تمهّد لصدور حكم بالإعدام بحقها.
استمرار الضغط على عائلات الضحايا المطالبين بالعدالة
في سبزوار، اقتحمت القوات الأمنية مراسم عيد ميلاد أبو الفضل بایدار، أحد ضحايا احتجاجات كانون الثاني/يناير، ومنعت إقامة المناسبة واعتقلت عدداً من أفراد عائلته. ومن بين المعتقلين فرزانه بروانه، إلهام بروانه، وعدد آخر من أقارب الضحية. وتشير التقارير إلى أن عملية الاعتقال تمت بعنف، وأن المعتقلين نُقلوا إلى سجن تربت حیدري حيث حُرموا من حق توكيل محامٍ أو إجراء اتصالات حرة مع عائلاتهم.
ويقول ناشطون حقوقيون إن الضغط على عائلات الضحايا المطالبين بالعدالة ازداد خلال الأشهر الأخيرة، وإن السلطات تسعى من خلال الاعتقال والتهديد إلى منع إقامة مراسم إحياء ذكرى قتلى الاحتجاجات.
من المداهمات الليلية إلى الإعدام الميداني
في زاهدان، شنّت القوات الأمنية خلال الأسابيع الماضية عدة مداهمات على مناطق شیر آباد، کریم آباد وبعثت. ويقول السكان إن المركبات العسكرية تدخل الأحياء ليلاً، وتفتش المنازل دون إذن قضائي، وتعتقل أو تهدد الشباب البلوش.
وخلال هذه المداهمات، صودرت أجهزة إنترنت ستارلینك، واعتُقل عدد من المواطنين فقط بسبب استخدامهم للإنترنت الحر. وتقول عائلات المعتقلين إنها لا تملك أي معلومات عن أماكن احتجازهم.
وفي الوقت نفسه، قُتل أربعة مواطنين بلوش في ایرانشهر برصاص مباشر من القوات الأمنية. وتفيد المصادر المحلية بأن العناصر الأمنية، بعد إيقاف السيارة، أطلقوا النار على الركاب من مسافة قريبة للتأكد من وفاتهم. وتشير التقارير إلى أن السيارة اشتعلت بعد إطلاق النار، ومنعت القوات الأمنية الأهالي من الاقتراب من الموقع.
ويصف ناشطون بلوش هذه الحادثة بأنها مثال واضح على "القتل خارج نطاق القضاء"، ويؤكدون أن عائلات الضحايا غالباً ما تتعرض لضغوط لمنعها من كشف تفاصيل ما جرى.
نقل سرّي للسجناء وتصاعد حالات الإخفاء القسري
كما وردت تقارير عديدة عن نقل سجناء دون إبلاغ عائلاتهم، وهو ما تعتبره منظمات حقوق الإنسان شكلاً من أشكال الإخفاء القسري. فقد نُقلت أکرم دانشورکار و اعظم دانشورکار، شقيقتا أحد السجناء السياسيين المُعدَمين، من سجن قرتشك إلى مكان مجهول، ومنذ ذلك الحين لم يرد أي اتصال أو خبر عن وضعهما.
وفي أورمیة، نُقل أحد السجناء السياسيين من السجن إلى مركز احتجاز أمني بعد أسابيع من الاعتقال، ولا يزال مصيره مجهولاً. وفي قزل حصار كرج، نُقل نحو 100 معتقل من احتجاجات الأشهر الماضية إلى الجناح 37، الذي تشير التقارير إلى أنه يعاني من اكتظاظ شديد، وقيود على التواصل مع العائلات، وظروف احتجاز سيئة للغاية.
الضغط المتواصل على البهائيات والناشطات المدنيّات
في ساري، اعتُقلت رومینا كلي وهي مواطنة بهائية، بعد مداهمة منزلها، ونُقلت إلى السجن بقرار اعتقال مؤقت. وصادر عناصر الأمن أثناء الاعتقال كتبها الدينية وأجهزتها الرقمية.
وفي سمنان، أُعيد اعتقال أنیسا فنائیان لتنفيذ ما تبقّى من حكمها بالسجن لمدة ثماني سنوات. ويقول ناشطون حقوقيون إن الضغط على المواطنين البهائيين ازداد في الأشهر الأخيرة، حيث يواجه كثير منهم الحرمان من الحقوق الأساسية، والأحكام الثقيلة، ومصادرة الممتلكات.
وفي شيراز وكازرون، تواجه مریم دریسي أحكاماً جديدة بالسجن والجلد. وكانت قد اعتُقلت عدة مرات سابقاً، ويقول ناشطون مدنيون إن تكرار فتح الملفات ضدها جزء من سياسة "الاستنزاف القضائي" الموجّهة ضد النساء المعترضات.
أما سهیلا حجاب، فما تزال محتجزة في سجن كجویي بكرج في حالة من الغموض القانوني. وتشير التقارير إلى أنها محرومة من حق الوصول إلى محامٍ، وما تزال تعاني من آثار جسدية ونفسية ناتجة عن اعتقالات سابقة.
القمع في ظل صمت المجتمع الدولي
يحذّر ناشطون حقوقيون من أن القمع الداخلي في إيران أصبح مهمّشاً في ظلّ الانشغال بالمفاوضات السياسية والتطورات الإقليمية. ويقولون إن الجمهورية الإسلامية تستغلّ أجواء الحرب، والانقطاع الواسع للإنترنت، وتراجع الاهتمام الإعلامي العالمي لتكثيف الإعدامات، وتوسيع حملات الاعتقال، وإسكات المعارضين.
وترى هذه المنظمات أن استمرار صمت المجتمع الدولي قد يفتح الباب أمام مزيد من الإعدامات ذات الطابع السياسي، وتوسّع حالات الإخفاء القسري، وتشديد الضغط على السجينات، وعائلات الضحايا المطالبين بالعدالة، والأقليات القومية والدينية في إيران.