معرض "نوبة" حين تتحول الذاكرة النسائية إلى لغة تشكيلية

عبرت الفنانة التشكيلية فيروز بابا عامر عن سعادتها الكبيرة بالإقبال الواسع الذي شهده المعرض، مؤكدة احتفائها بالمرأة كعنصر أساسي في حفظ الهوية وصون الذاكرة الجماعية.

نجوى راهم

الجزائر ـ تحتل المرأة موقعاً محورياً في أعمال الفنانة التشكيلية الجزائرية فيروز بابا عامر، حيث تظهر باعتبارها حاملة للتقاليد وناقلة للذاكرة الثقافية. وتستمد هذا الحضور من محيطها العائلي وتجاربها اليومية داخل الفضاءات الاجتماعية التقليدية مثل الأعراس والحمّامات والمناسبات العائلية.

قدّمت الفنانة التشكيلية الجزائرية معرضها الأخير تحت عنوان "نوبة" في غاليري "قسوم" خلال الفترة الممتدة من 11 إلى 25 نيسان/أبريل الجاري. وتوضح أن اختيار هذا العنوان يعود إلى ارتباطه بالموسيقى الاحتفالية في التراث الجزائري، حيث تُعد "النوبة" شكلاً موسيقياً مرتبطاً بالموسيقى الأندلسية، وتحمل في جوهرها معنى الفرح والاحتفال والذاكرة الجماعية.

وتقول فيروز بابا عامر، إن رؤيتها أنثوية تحتفي بالمرأة كعنصر أساسي في حفظ الهوية وصون الذاكرة الجماعية حيث تتبنى خطاباً نضالياً غير مباشر.

 

مسار مزدوج بين المحاسبة والفن التشكيلي

وتجمع فيروز بابا عامر بين مسارين مختلفين؛ فهي محاسبة قانونية من جهة، وفنانة تشكيلية تمارس الرسم منذ طفولتها من جهة أخرى. وتبين أنها رغم دراستها في مجال التجارة بعد أن كانت تطمح لدخول الفنون الجميلة، لم تنقطع عن الرسم، بل واصلت تطوير تجربتها داخل مرسمها الخاص، حيث تبني عالماً بصرياً متجذراً في الذاكرة والهوية.

وترى أن النوبة ليست مجرد موسيقى، بل فضاء ثقافي تتداخل فيه الطقوس والتقاليد الاجتماعية، وهو ما ينسجم مع روح أعمالها القائمة على الاحتفال بالهوية.

وفي هذا الإطار، تصف الفنانة تجربتها تحت عنوان "نوبة" أيضاً باعتبارها ذاكرة حيّة، تعكس تداخل الشخصي بالجماعي، وتحوّل الذاكرة إلى مادة تشكيلية نابضة بالحياة.


         


        

تحويل الذاكرة الشخصية إلى عمل فني مبهج

يمثل المعرض أيضاً نقلاً لتجربة شخصية عميقة عاشتها الفنانة في طفولتها داخل محيط عائلي نسائي واسع، بين عمّات وخالات ساهمن في تشكيل ذاكرتها. هذا العالم انعكس في لوحاتها، خصوصاً أعمال "الحمّام" و"الخالات والعمّات" التي توثق حياة المرأة الجزائرية في فضاءاتها التقليدية.

وتشير فيروز بابا عامر إلى أن هذه الفضاءات كانت تمثل في الماضي المتنفس الأساسي للمرأة، حيث كانت الحمّامات والأعراس أماكن للقاء والتجمل والسهر وتبادل الأحاديث، في ظل محدودية الفضاءات العامة. كما تؤكد بتأثر أن لوحة "الحمّام" مرتبطة بطفولتها، وتحمل اسم "حمّام ناصف"، وهو حمّام جدتها القديم في ولاية البليدة.


         


        

التراث والموسيقى كإيقاع بصري

تستلهم فيروز بابا عامر أعمالها من عناصر متعددة من التراث الجزائري، مثل اللباس التقليدي، الحلي، الأقمشة، والآلات الموسيقية، إضافة إلى رموز بصرية مرتبطة بالهوية. كما تستحضر الموسيقى كعنصر أساسي في بناء الإيقاع البصري لأعمالها، بما يعزز ارتباط اللوحة بالذاكرة والوجدان الجماعي.

وترى أن للفن دوراً أساسياً في حماية الهوية الثقافية في ظل التحولات العالمية، مشددة على ضرورة صون الذاكرة الجماعية وإعادة تقديم التراث بلغة معاصرة. فالفن بالنسبة لها ليس مجرد تعبير جمالي، بل وسيلة للحفاظ على الخصوصية الثقافية ومواجهة الزوال.

وتؤكد فيروز بابا عامر على أهمية استمرارية التجربة الفنية بين الأجيال، حيث ترى أن كل جيل يجب أن يضيف بصمته الخاصة إلى ما سبقه.


         


        

كما استحضرت لقائها بالفنانة التشكيلية الكبيرة مريم بن خدة، التي زارتها في المعرض، معتبرة أن الاعتراف برواد الفن التشكيلي الجزائري يعزز فكرة الامتداد بين الأجيال ويكرّس التراكم الفني كجزء من الهوية البصرية الوطنية.

كما عبرت فيروز بابا عامر عن سعادتها الكبيرة بالإقبال الواسع الذي شهده المعرض من طرف الزوار ومحبي الفن التشكيلي، مشيرة إلى أنها تلقت الكثير من الإشادات التي اعتبرت أن لوحاتها ليست مجرد أعمال فنية، بل تجارب إنسانية حقيقية تعكس قصصاً وذكريات يمكن لكل زائر أن يجد نفسه فيها.

وأضافت أن هذا التفاعل مسّها بعمق وأسعدها، لأنه يؤكد قدرتها على تجسيد لوحات واقعية تحمل صدق التجربة ودفء الذاكرة، وتحول الفن إلى مساحة مشتركة بين الفنان والجمهور.