معرض فني في السويداء يستعيد ذاكرة أجيال من الأطفال

بين الماضي والحاضر، يفتح معرض فني في مركز "اللجين" نافذة على ذاكرة الأطفال ومشاعرهم، مستعرضاً أعمالاً تمتد لأكثر من عقدين، وتوثق رحلة أجيال من الرسم والتعبير، وما طرأ على تجاربهم من تحولات.

روشيل جونيور

السويداء ـ أقام مركز "اللجين" للفنون الجميلة، أمس الخميس 20 آب/أغسطس، معرضاً فنياً بعنوان "بين الماضي والحاضر" داخل مديرية الثقافة في مدينة السويداء السورية، مستعرضاً مجموعة من أعمال الأطفال التي أنجزت في المركز منذ عام 2004 وحتى اليوم، في تجربة تجمع بين ذاكرة أجيال سابقة ومواهب الجيل الحالي.

يأتي المعرض في إطار مسيرة مركز "اللجين"، الذي تأسس عام 1995 على يد الفنان التشكيلي عادل أبو الفضل، لتتابع ابنته الفنانة ميساء أبو الفضل هذه المسيرة وتحمل إرثاً فنياً يضم آلاف الأعمال التي توثق تجارب الأطفال والطلاب على مدى سنوات.

 

ورثت ذاكرة فنية تضم نحو 8 آلاف عمل

وتؤكد ميساء أبو الفضل أن انتقال المركز إليها شكل مسؤولية كبيرة، كونه يحمل إرثاً فنياً يمتد لعقود، موضحة أن المركز يحتفظ بنحو ثمانية آلاف عمل فني بين أعمال الأطفال وطلاب كلية الفنون الجميلة وغيرها.

وتقول إن هذه الأعمال تمثل "ثروة حقيقية" لا يمكن تجاهلها أو الاستغناء عنها، لافتة إلى أن المعرض يوثق أعمال الأطفال منذ عام 2004، ويتيح متابعة تطور رسومهم وما طرأ عليها من تغيرات، وما تركه الإنترنت ووسائل التواصل الافتراضي والثقافة المحيطة بهم من أثر.

وتنوعت الأعمال المعروضة بين الرسم والنحت والصلصال والسيراميك وغيرها من الخامات، فيما حملت اللوحات طابع جمالي وتعبيري عكس أحاسيس الأطفال وهواجسهم وطريقة رؤيتهم للعالم.

ومن بين الأعمال المشاركة لوحات للطفلة راما المصفي، التي رسمت حادثة قبل نحو شهر من وفاتها، في تجربة ترى ميساء أبو الفضل أنها تظهر قدرة الأطفال على الإحساس والتقاط التفاصيل والتعبير عن مشاعر مرهفة من خلال الفن.

وتضم الأعمال أيضاً لوحات لطلاب سابقين أصبحوا مهندسين أو غادروا البلاد، لتشكل هذه الرسومات جزءاً من ذاكرة المركز، وشاهداً على رحلة أصحابها من الطفولة إلى مراحل لاحقة من حياتهم.

وتعود علاقة ميساء أبو الفضل بالمركز إلى طفولتها، إذ شجعها والدها الفنان عادل أبو الفضل على الرسم، قبل أن تلتحق بكلية الفنون الجميلة وتتخرج عام 2007 من قسم الحفر. وبعد ذلك درست تحليل رسوم الأطفال لمدة ثلاث سنوات، لتتخصص في هذا المجال وتواصل العمل مع الأطفال حتى اليوم.

 

من "الضياع والسواد" إلى الهدوء

وتروي إحدى المشاركات في المعرض منار أبو مغضب تجربة ابنتيها إيلين وإيلا مع المركز، مشيرة إلى أن إيلين بدأت الرسم في المنزل منذ عمر عامين ونصف، وكانت ترسم بشكل جميل، لكن بعد وفاة والدها وهي في الخامسة، تغيرت رسومها بشكل كبير.

وتقول إن الرسومات الملونة وقوس قزح والمشاهد الجميلة تحولت إلى أشخاص بعيون سوداء، وركض ودم ورعب وغيوم سوداء، ما دفعها إلى التوجه إلى مركز "اللجين" طلباً للمساعدة.

وتوضح أن المركز عمل مع ابنتها خطوة خطوة من خلال الرسم، وبدأ بتوجيهها نحو تحويل المشاهد السلبية إلى صور أكثر هدوء وإيجابية "بدل الليل نرسم نهار"، كما تؤكد أن المركز شجعها هي أيضاً على الرسم بعدما كانت تشعر بأنها "تائهة"، وساعدها على استعادة توازنها وترتيب حياتها.

وتصف منار أبو مغضب تجربتها بالانتقال من "الضياع والسواد" إلى الاستقرار، مؤكدةً أن الفن ساعدها وابنتيها على الهدوء والتعبير عن المشاعر بطريقة أفضل.

 

المعرض استمرارية بين جيل وآخر

بدورها ترى رفيقة الحلبي، إحدى زائرات المعرض، أن عنوان المعرض "بين الماضي والحاضر" يعبر عن تجربتها الشخصية، إذ كان أبناؤها من طلاب المعهد، بينما تشارك حفيدتها اليوم في المعرض، في صورة تجسد استمرارية الأجيال.

وتؤكد أن الموهبة موجودة لدى الأطفال، لكنها تحتاج إلى توجيه صحيح من الأهل والمشرفين، معتبرةً أن المعهد يحظى بثقة الأهالي ويسهم في صقل هذه المواهب وتطويرها.

وتشير إلى أن إقامة المعرض رغم الظروف التي تمر بها البلاد تعكس وجود فئة تسعى إلى دعم الفن وبناء مجتمع أكثر فاعلية، داعيةً العاملين مع الأطفال إلى التحلي بالمسؤولية والوعي، بما يساعد على بناء جيل محب لنفسه وقادر على العطاء لمجتمعه.