مقاومة سدّ تشرين ملحمة شعبية أفشلت مخططات الاحتلال التركي
خلال أكثر من مئة يوم من المناوبات والتضحيات، في حماية سدّ تشرين من هجمات الاحتلال التركي ومرتزقته، انتصرت المقاومة الشعبية في إقليم شمال وشرق سوريا بمشاركة النساء اللواتي اعتبرن الدفاع عن السد امتداداً لنضالهنّ وتاريخ مقاومة الشعب الكردي.
برجم جودي
كوباني ـ بدأ أهالي إقليم شمال وشرق سوريا على مدار أربعة أشهر التناوب لحماية سد تشرين من هجمات الاحتلال التركي ومرتزقته، اللذان سعيا لعبور السد وتوسيع نفوذهما لشرق الفرات، فضلاً عن مساعيهما لاستخدامه كورقة ضغط على شعوب إقليم شمال وشرق سوريا عبر قطع المياه والكهرباء، إلا أن مقاومة الأهالي كانت حجر عثرة في وجه مخططات الاحتلال.
في 8 كانون الثاني/يناير 2025، قرر أهالي إقليم شمال وشرق سوريا التوجّه إلى سدّ تشرين وتشكيل دروع بشرية لحمايته، في محاولة لصدّ هجمات الاحتلال التركي ومرتزقته، وانطلقت القافلة الأولى من مختلف مقاطعات الإقليم باتجاه السد، لكنها تعرّضت فور وصولها تقريباً لقصف عنيف، ما أدى إلى مقتل خمسة مدنيين وإصابة ستة عشر آخرين.
ورغم شدة الهجمات الهادفة لإجبار القافلة على التراجع، واصل الأهالي مسيرتهم حتى وصلوا إلى سدّ تشرين، حيث أوقدوا المشاعل وعبّروا عن موقف جماعي على شكل مسيرات شعبية، مؤكدين تصميمهم على حماية السد، ومنذ ذلك اليوم، بدأت عملية تنظيم المناوبات بشكل منهجي، بحيث تتوجّه في كل مرة قافلة جديدة من أحد المقاطعات إلى سدّ تشرين لتأدية دورها في حمايته.
استمرت المقاومة لأكثر من مئة يوم، وفي 5 أيار/مايو 2025 أعلنت الإدارة الذاتية في إقليم شمال وشرق سوريا انتهاء فعالية حماية السد، مؤكدةً تحقيق أهدافها وصمود المشاركين والمشاركات فيها.
وخلال الأشهر الأربعة من مقاومة سد تشرين، شارك الأطفال والنساء والشباب وكبار السن، إلى جانب الأزواج وعائلات الشهداء وذوي الاحتياجات الخاصة، وجميع مكوّنات المجتمع في هذه الفعالية، كل مشارك ومشاركة قدّم جهده بروح حرة وإحساس عالٍ بالمسؤولية، حاملاً معه آلاف الذكريات التي بقيت محفورة في وجدانه، كثير من قصصهم بقيت غير مكتملة، فيما دُوّنت أسماؤهم في سجل مقاومة السدّ كجزء من ذاكرة هذا الحدث.
وتُعدّ عائشة أفندي، من مدينة كوباني، واحدة من أبرز رموز هذه المقاومة، توجّهت إلى سدّ تشرين ثلاث مرات، لتصبح رمزاً للصمود والإصرار في المنطقة، قالت في الذكرى السنوية الأولى لمقاومة السدّ، إنهنّ أوفين بالوعود التي قطعنها "قبل أن نتحدث عن مقاومة تشرين، علينا أن نتوقف قليلاً عند حقيقة مشاعرنا، نساء كوباني يناضلن منذ سنوات طويلة، خاصة أمهات الشهداء اللواتي قطعن فوق قبور أبنائهن عهداً بالنصر والحرية"، مضيفةً "أمهات الشهداء ونساء كوباني جميعاً، حملنا هذا الوعد في قلوبنا، وها نحن نواصل السير على دربهم بثبات".
وقالت إنها استحضرت مشاعرها في اللحظة التي اتخذت فيها قرار المشاركة في المناوبة "خلال مسار مقاومة سد تشرين كنت أقول في نفسي "إذا كنا قد قدّمنا في ثورتنا تضحيات لا تُحصى، وإذا كنا قد قطعنا عهداً بالسير على خطى الشهداء، فإن وصولنا بأجسادنا إلى سدّ تشرين هو أسمى أشكال الوفاء لهذه الثورة ولهذه الوعود، بهذه العزيمة وضعنا إرادتنا وأرواحنا في صف الدفاع الأول عن السدّ، وأثبتنا أننا مستمرون في الطريق الذي اخترناه".
وربطت عائشة أفندي بين مشاركتها السابقة في مقاومة كوباني ضد داعش، وما جرى في سدّ تشرين "عندما قررنا التوجّه إلى السد، كنا نعلم تماماً أن هذا هو طريقنا، وأنه المكان الذي سنُكمل فيه عهودنا ولن نتراجع عنه، كما صمدنا في كوباني"، مؤكدةً أنه "لم يكن ممكناً أن نترك قواتنا وحدها في محيط سدّ تشرين، فمنذ اللحظة الأولى جعلنا من حرب الشعب الثوري أساساً لمسيرتنا، وها نحن نضع أنفسنا مرة أخرى في الصفوف الأمامية عند سدّ تشرين، مقاومة الشعب الكردي واحدة أينما كانت؛ فكما وقف الناس على الحدود وفي نقاط الحراسة لحماية كوباني خلال معركتها، وقفوا بالعزم ذاته والإصرار نفسه عند السدّ".
واجهت القوافل الأولى المتجهة إلى سدّ تشرين قصفاً مباشراً وعنيفاً، وخلال الخمسين يوماً الأولى من المقاومة، استشهد 24 شخصاً وأصيب 221 آخرون، وصفت عائشة أفندي ما عاشته في تلك اللحظات بقولها "كنت ضمن القافلة الثانية، ولن أنسى كيف تعرّضنا للقصف بشكل مباشر، في ذلك الهجوم استشهد سائق سيارة إسعاف، وأصيب عدد كبير من المدنيين"، لافتةً "لم يتوقف القصف لحظة واحدة، تدمّر الطريق بالكامل، واضطررنا للنزول من السيارات، وسرنا ثلاثة كيلومترات حتى وصلنا إلى السدّ".
وأضافت "عندما أتذكر تلك المشاهد، أتساءل من أين جاءت كل تلك الشجاعة والقوة، لكنني أعلم أن مصدرها هو إرث الشهداء والوعود التي قطعناها لهم، لذلك لم أشعر بالخوف، وبقينا ثابتين على موقفنا، مصممين على الوصول مهما كان الثمن".
اختصرت عائشة أفندي مئة يوم من مقاومة سدّ تشرين بهذه الكلمات "حين قبّلت إحدى أمّهات الشهداء تراب سدّ تشرين، كانت في الحقيقة تعانق المكان نفسه الذي ارتقى فيه ابنها"، مضيفةً "قالت إحدى المشاركات "نحن أكبر من الموت"، كانت تردد العبارة ذاتها التي قالتها الشهيدة زهرة في مقاومة كوباني، وقبلها الشهيد مظلوم في سجن آمد، مثل هذه المواقف والقرارات لا تأتي من فراغ، بل من إرث الشهداء وهيبتهم وآمالهم وآمال أطفالهم".
وأوضحت أنه بهذه الروح اكتملت مقاومة السد "بهذا الإصرار كنا نودّع شهداءنا بكرامة، ونعالج جرحانا الذين لم نستطع نقلهم إلى الرقة أو كوباني بسبب القصف، بما توفر لدينا من إمكانات"، مشيرةً إلى أنه "كردّ على القذائف، كنا نعقد حلقات الدبكة ونغني الأغاني الثورية، في تلك اللحظات، تذكّرنا رقصة الكريلا، حين كان المقاتلون يقولون إنهم رغم الثلج والمطر والقصف كانوا ينجحون في أداء مهامهم، ثم يدبكون احتفالاً بنجاحهم، لذلك كنا نرقص ونواصل فعاليتنا رغم كل الظروف، بدل أن نجلس حزينات ونبكي وننوح، احتفلنا بالنصر برقصاتنا وإصرارنا".
وأكدت عائشة أفندي في ختام حديثها، أن المقاومة التي خيضت عند سدّ تشرين أصبحت إرثاً عظيماً في تاريخ الشعب الكردي والمنطقة "الخرائط التي كانت تُرسم لكردستان والشرق الأوسط تغيّرت بفضل هذه المقاومة وبفضل مشروع القائد أوجلان، لطالما قلت إننا مزّقنا تلك الخرائط، وإن دماء شهداءنا محتها من الذاكرة، لقد رسمنا خريطتنا وغيّرنا مسار التاريخ، بهذه الروح توّجنا مقاومتنا عند السد بالنصر، وإن تطلّب الأمر، فنحن مستعدون مرة أخرى، وبالروح نفسها، للتوجّه إلى الأشرفية والشيخ مقصود وعفرين وكري سبي وسري كانيه أيضاً".