من حق الترشح إلى صناعة القرار... ما أهمية تمثيل ذوي الاحتياجات الخاصة في البرلمان؟
بين فتح باب الترشح والوصول إلى مواقع القرار، تظل أمام ذوات الاحتياجات الخاصة أسئلة مثل كيف يمكن أن تتحول المشاركة الانتخابية إلى حضور سياسي مستمر؟ وهل يكفي وجودهن على اللوائح، أم أن المشاركة الفعلية تحتاج إلى إزالة العوائق التي تحول دون ذلك؟
حنان حارت
المغرب ـ مع انطلاق الانتخابات التشريعية المغربية اليوم الأربعاء 23 أيلول/سبتمبر، تخوض امرأتان من ذوي الاحتياجات الخاصة المنافسة من موقعين حزبيين وتجربتين مختلفتين، لكنهما تلتقيان عند رغبة واحدة هي الانتقال من موقع المطالبة بالحقوق إلى موقع المشاركة في القرارات التي تؤثر في حياة هذه الفئة.
تأتي مشاركتهما في انتخابات أدخلت فيها المنظومة الانتخابية الجديدة آلية تحفيز مالي للأحزاب لتشجيع تمثيل ذوي الاحتياجات الخاصة داخل مجلس النواب، إلى جانب الشباب ومغاربة العالم، وترتبط الاستفادة من هذه الآلية أيضاً بوضع مرشحين ومرشحات من هذه الفئات في مواقع متقدمة على اللوائح، بما يتيح لهم فرصاً أكبر للوصول إلى المؤسسة التشريعية.
من الترافع الحقوقي إلى العمل السياسي
بالنسبة إلى وفاء الشطاين التي تعاني من إعاقة حركية وتقيم في مدينة سلا، قرب العاصمة الرباط، لم يكن قرار الترشح وليد لحظة عابرة، فبعد مسار دراسي في العلوم الفيزيائية وصحة البيئة، والعمل بوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، اختارت خوض التجربة السياسية بتشجيع من رفيقاتها ورفاقها في الحزب الاشتراكي الموحد، الذي يخوض الانتخابات في إطار تحالف اليسار.
وتقول إن قرارها يرتبط أيضاً برغبتها في الانتقال من "متابعة الأوضاع وانتقادها إلى المساهمة المباشرة في صناعة القرار"، مضيفةً أنها تتابع عن قرب الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المواطنات والمواطنين، من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية إلى صعوبات الوصول إلى عدد من الخدمات الأساسية. وترى وفاء الشطاين أن التغيير يتحقق بجهود الجميع، وأن الاكتفاء بمتابعة الأوضاع من موقع المتفرج لم يعد كافياً.
وعن التحديات التي يواجهها ذوي الاحتياجات الخاصة وأسرهم، تقول إن القضية بالنسبة إليها ليست موضوعاً تتبناه من الخارج، بل تجربة معاشة ومسؤولية تتحملها.
وانطلاقاً من هذه التجربة انخرطت في العمل الجمعوي والحقوقي، مما أتاح لها القرب من هذه الفئة ورصد المشاكل والاستماع إلى قضاياهم والترافع من أجل حقوقهم، لكنها ترى أن هذا المسار "رغم أهميته"، يظل محدوداً في قدرته على تغيير القوانين والسياسات العمومية، وهو ما دفعها إلى التفكير في "نقل هذا الترافع إلى المجال السياسي والمؤسساتي"، حيث يصبح بالإمكان "المساهمة في صياغة القوانين والتأثير في السياسات العمومية ومتابعة تنفيذ البرامج والقرارات".
وتؤكد أن حضور النساء في المؤسسات المنتخبة ومواقع صنع القرار لا ينبغي أن يقتصر على الاستفادة من السياسات العمومية، بل يجب أن يشمل أيضاً المشاركة في صياغتها وتوجيهها.
وتضع ضمن أولوياتها قضايا النقل والتنقل، والاكتظاظ في المؤسسات التعليمية، والضغط على الخدمات الصحية، ومشاكل البنية التحتية والطرق، وتأهيل بعض الأحياء، فضلاً عن محدودية الفضاءات المخصصة للشباب والشابات والثقافة والرياضة وصعوبة تحصيل فرص عمل.
وتضيف إلى ذلك قضايا إدماج ذوي الاحتياجات الخاصة وترى أن هذه القضايا يمكن نقلها إلى المؤسسة التشريعية عبر مساءلة القطاعات الحكومية المعنية، وتتبع البرامج والمشاريع، والمساهمة في المبادرات التشريعية، والترافع من أجل توجيه السياسات والاستثمارات العمومية نحو حاجيات السكان.
التمثيل السياسي ليس مجرد مقاعد
وفيما يتعلق بالمقترح المتعلق بتخصيص كوتا لذوي الاحتياجات الخاصة تشير إلى أن مذكرة الحزب الاشتراكي الموحد الخاصة بالانتخابات تضمنت مقترح بهذا الخصوص حددتها في 12 مقعداً مع مراعاة النوع الاجتماعي، إلى جانب تحفيز مادي للأحزاب التي ترشح أشخاصاً لديهم إعاقات على رأس لوائحها.
وتعتبر أن مثل هذه الآلية يمكن أن تساهم في تصحيح الإقصاء السياسي والتمثيلي الذي يحد من وصولهم إلى مواقع صنع القرار، لكنها في الوقت نفسه تؤكد أن التمثيل لا ينبغي أن يتوقف عند تخصيص مقاعد لهذه الفئة.
وتدافع عن انخراط ذوي الاحتياجات الخاصة في العمل السياسي كغيرهم من المواطنات والمواطنين، بما يشمل الانتماء إلى الأحزاب والمشاركة في هياكلها والترشح وتولي المسؤوليات، داعيةً إلى تيسير شروط الترشح وضمان الولوجيات داخل المؤسسات ومراكز التصويت، وتوفير المعلومات ووسائل التواصل بشكل ميسر، ومواجهة الصور النمطية والإقصاء.
وتلخص وفاء الشطاين تصورها بالقول "الهدف في النهاية ليس فقط أن تكون للأشخاص في وضعية إعاقة مقاعد داخل البرلمان، وإنما أن يكون لهم حضور فعلي ومؤثر في صناعة القرار، وأن ينتقلوا من موقع من تتخذ القرارات بشأنه إلى موقع من يساهم في اتخاذ هذه القرارات".
ترشح يتجاوز صورة الحضور الرمزي
أما بجهة سوس ماسة، جنوب غرب المغرب، فتخوض جميلة رامزي المنافسة على رأس اللائحة الجهوية للنساء عن حزب الاتحاد المغربي للديمقراطية، هي شابة تواجه صعوبة في الكلام، لكنها واصلت مسارها الدراسي والمهني وحصلت على ماجستير في الاقتصاد التطبيقي، قبل أن تعمل مسؤولة عن تدبير الموارد البشرية بالمديرية الجهوية لقطاع الشباب بأكادير، وإلى جانب عملها، تنشط في المجال الجمعوي، ولا سيما في قضايا ذوي الاحتياجات الخاصة والعمل الاجتماعي.
وترى في ترشحها رسالة مفادها أن تدبير الشأن العام حق لمن يمتلك الإرادة والكفاءة والقدرة على تحمل المسؤولية، وأن مشاركة النساء وذوي الاحتياجات الخاصة ينبغي أن تصبح أمراً مألوفاً لا استثناء "ترشحي ليس مجرد صدفة أو عبث، بل هو ناتج عن قناعة، ولأهداف معينة، في مقدمتها كسر الصورة النمطية عن الأشخاص في وضعية إعاقة، ووضع حد للأفكار التي تهمش الكفاءات وتضعهم في خانة المتلقين بدل صانعي القرار".
وترى أن وجودها على رأس اللائحة الجهوية للنساء بجهة سوس ماسة يحمل رسالة مفادها أن تدبير الشأن العام حق لمن يمتلك الإرادة والكفاءة والجرأة على التغيير.
وبالنسبة إليها، فإن مجرد المساهمة في تغيير الأفكار السائدة حول ذوي الاحتياجات الخاصة سيكون في حد ذاته جزءاً من نجاح هذه التجربة، إلى جانب تشجيع النساء والشباب منهم على الانخراط في الحياة السياسية والوصول إلى مواقع صنع القرار، والمساهمة من موقعهم في تنمية البلاد.
وتعليقاً على محدودية المشاركة الاقتصادية للنساء من ذوي الاحتياجات الخاصة اقترحت، في حال وصولها إلى البرلمان، إرساء إطار قانوني تحفيزي وملزم للقطاعين العام والخاص "يربط الإعفاءات الضريبية والدعم المالي بتشغيل النساء والأشخاص في وضعية إعاقة بنسب واضحة، إلى جانب إحداث صناديق جهوية لدعم وتمويل المقاولات الصغرى والتعاونيات الخاصة بالنساء من هذه الفئة".
وترى أن التمكين الاقتصادي هو البوابة الأساسية للخروج من دائرة التهميش، وأن إدماج النساء من ذوي الاحتياجات الخاصة لا ينبغي أن يقتصر على الدعم، بل يجب أن "يفتح أمامهن فرصاً حقيقية للعمل والإنتاج والاستقلال الاقتصادي".
عوائق إضافية
ولا تفصل جميلة رامزي بين قضايا ذوي الاحتياجات الخاصة عموماً وأوضاع النساء منهم، وتقول إن معالجة هذه القضايا تحتاج إلى مقاربة شاملة تربط الإعاقة بالسياق العام للتنمية، مع إيلاء عناية خاصة للنساء والفتيات منهم بسبب ما تعتبره "تعرضهن لإقصاء مزدوج، مرتبط بالنوع الاجتماعي وبالإعاقة".
وتشمل رؤيتها توفير الولوجيات وتكافؤ الفرص في التعليم والصحة والتشغيل للجميع، إلى جانب برامج تستهدف النساء والفتيات من ذوي الاحتياجات الخاصة بالدعم المباشر والتدريب والمواكبة الاقتصادية.
الكوتا النسائية هل تكفي؟
وخلال حديثها عن الكوتا النسائية، اعتبرت أنها خطوة إيجابية لتشجيع حضور النساء في المجالس المنتخبة، لكنها ترى أنها غير كافية لضمان تمثيل عادل للفئات التي تواجه عوائق إضافية، وخاصةً النساء ذوات الاحتياجات الخاصة داعيةً إلى التفكير في آليات تشريعية وتدابير إيجابية يمكن أن تشمل تخصيص حصص أو تدقيق معايير الترشيح، بما يضمن تمثيلاً حقيقياً ومباشراً لذوي الاحتياجات الخاصة داخل المؤسسات المنتخبة، بدلاً من أن يتحدث الآخرون نيابة عنهم.
وأكدت أن الدفاع عن هذه الآليات لا يعني التخلي عن معيار الكفاءة والاستحقاق، معتبرةً أن القوانين يمكن أن تتدخل لتصحيح الاختلالات المجالية والاجتماعية التي تؤثر في فرص الوصول إلى مواقع القرار.
انتخابات 2026... حضور نسائي مرتفع وأداة جديدة لذوي الاحتياجات الخاصة
وتأتي مشاركة جميلة رامزي ووفاء الشطاين في انتخابات تشريعية يتنافس فيها 28 حزباً وتحالفاً ولائحتان لمرشحين غير منتمين على 395 مقعداً في مجلس النواب، وفق المعطيات الرسمية، وسجلت الانتخابات 1850 لائحة ترشيح و7288 ترشيحاً على الصعيد الوطني.
وبلغ عدد الترشيحات النسائية 2658، أي 36.47 في المئة من مجموع الترشيحات، بينها 1783 مترشحة في الدوائر الانتخابية الجهوية المخصصة حصرياً للنساء و875 مترشحة في الدوائر المحلية، كما ترأست مترشحات 121 لائحة محلية.
أما بالنسبة إلى لذوي الاحتياجات الخاصة، فقد أدخل الإطار الانتخابي لهذه الانتخابات آلية جديدة لتوسيع التحفيز المالي الموجه إلى الأحزاب ليشمل تمثيليتهم داخل مجلس النواب، وتؤكد المعطيات الرسمية أن تحقيق حضور فعلي لهذه الفئة يرتبط بدور الأحزاب في تقديم مرشحين ومرشحات منها في مواقع متقدمة على اللوائح.