جدائل المقاومة
بقلم لمعان شيخو عضوة أكاديمية جنولوجي
مهما حاولت القوى القمعية كسر إرادة المرأة، سواء عبر قص الشعر أو التمثيل بالجثث، فإن إرادة الشعب لا تضعف، بل على العكس، كل فعل عنيف يزيدهم قوة وعزيمة وإصراراً على مواجهة ومحاربة كافة أشكال الظلم والقمع، ومواصلة السير على درب شهيداتهم البطلات.
لم تكن جدائل الشعر يوماً مجرد تسريحة تقليدية في المجتمع الكردي، بل شكّلت عبر التاريخ رمزاً متجذّراً للهوية والانتماء والكرامة. فالضفائر، التي قد تبدو مجرد تفصيل جمالي، تحمل في عمقها ذاكرة جماعية وتجربة نسوية طويلة من الصبر والثبات، وتختزن علاقة المرأة الكردية بالأرض والمجتمع والوجود.
ارتبطت جدائل الشعر بنمط الحياة الريفية والجبلية، حيث كانت وسيلة عملية لحفظ الشعر، وفي الوقت نفسه تعبيراً عن النظام والجمال الطبيعي والانسجام مع البيئة، ومع مرور الزمن، تحوّلت هذه العادة إلى علامة ثقافية مميزة تختلف أشكالها وطرقها باختلاف المناطق الكردية، لتصبح انعكاساً للانتماء المحلي والهوية الاجتماعية.
في مراحل الطفولة، تُضفَر شعور الفتيات بجديلتين أو أكثر، في دلالة على البراءة والبدايات الأولى للاندماج في المجتمع، أما في مرحلة الشباب، فتغدو الجدائل الطويلة المرتبة رمزاً للحيوية والجمال. وفي كل هذه المراحل، تظل الجدائل لغة صامتة تعبر عن موقع المرأة داخل المجتمع وعلاقتها بذاتها وبمحيطها.
تحضر الجدائل بقوة في الفولكلور الكردي عبر أساطير وقصص حيث تغنّت بها الأغاني والقصائد، وشُبّهت بالليل أو بالسنابل في رموز تحيل إلى الخصوبة والاستمرارية والارتباط بالأرض. كما ارتبط الشعر المضفور في الخيال الجمعي بالصبر والقوة والهوية، بوصفه امتداداً لجسد يتحمّل قسوة الحياة دون أن يفقد كرامته.
في المجتمعات الخاضعة للقمع، لا يُترك جسد المرأة خارج السياسة. فالمرأة الكردية لم تُستهدف بوصفها فرداً فحسب، بل باعتبارها حاملة للثقافة واللغة والذاكرة. ومن هنا، لم يكن استهداف مظهرها، بما فيه جدائل الشعر، فعلًا عابراً، بل ممارسة سياسية تهدف إلى كسر الرمز وضرب المعنى. فقص الجدائل بالقوة هو محاولة للسيطرة على الجسد وإعادة تعريفه وفق منطق القامع.
يتجلّى هذا العنف الرمزي بوضوح في حادثة قص جديلة المرأة الكردية في وحدات حماية المرأة على يد أحد التابعين للجيش السوري. ولم يكن الفعل مجرد اعتداء فردي، بل رسالة سياسية قاسية استخدم فيها جسد المرأة كساحة لإظهار الهيمنة. فقص الشعر كان استهدافاً لكرامتها وهويتها، وانتهاكاً للقيم الإنسانية وحقوق المرأة، كما يعكس مدى خوفهم من تنظيم النساء الكرديات.
لكن هذا الفعل لم يمرّ بصمت. فقد فجّر موجة غضب وتعاطف امتدت إلى مختلف شرائح المجتمع، وتحول إلى حملة تضامنية نسوية عالمية شارك فيها أيضاً الشباب، حيث قصّوا شعرهم وأرسلوا رسالة واضحة مفادها أن جدائل نسائنا ليست للخضوع بل للفخر.
حين ضفّرت نساء من مختلف أنحاء العالم شعرهن تضامناً مع نضال المرأة الكردية، انتقل الجسد الأنثوي من موقع الخضوع إلى موقع الفعل السياسي. تحوّل الرمز الذي أُريد له أن يُكسَر إلى أداة مقاومة، وتحولت الجدائل من هدف للعنف إلى لغة احتجاج عابرة للحدود.
وأكد هذا التضامن حقيقة جوهرية أن المجتمع برمته يقف صفاً واحداً ضد أي محاولة لإرهاب المرأة أو الحد من نضالها. فالنضال النسوي لا ينفصل عن مقاومة الاستعمار والعنصرية وطمس الهويات. القضية لم تكن مجرد شعر المرأة، بل منظومة كاملة ترى في جسد المرأة مساحة للسيطرة، وفي الثقافة المختلفة تهديداً يجب إخضاعه.
في هذا السياق، تصبح جدائل الشعر الكردية خطاباً سياسياً بحد ذاته، خطاباً صامتاً يقول إن الهوية لا تُقصّ بالمقص، وإن ما يُستهدف بالقوة يعود أقوى حين يُحمل بالوعي الجماعي. كما يؤكد أن النساء لسن ضحايا سلبيات، بل فاعلات قادرات على تحويل الألم إلى موقف، والرمز إلى مقاومة.
تذكّرنا قضية جدائل الشعر الكردية بأن المعركة على جسد المرأة هي معركة على المعنى والذاكرة والوجود، وأن الدفاع عن حرية المرأة يبدأ من الدفاع عن حقها في جسدها، وهويتها، ورمزيتها الثقافية، دون وصاية أو قمع. فالجدائل التي أُريد لها أن تُقصّ صمتاً، تحوّلت إلى خطاب سياسي نسوي لا يمكن تجاهله , فيقع على عاتق القوى الديمقراطية والإنسانية توثيق هذه الجرائم ومحاسبة مرتكبيها والتي تم النشر من قبلهم ، فهذه الجرائم ليست مجرد اعتداءات فردية، بل محاولة لإرهاب المجتمع بأسره.
إن التفاعل الشعبي الواسع والمشاركة الكبيرة من الشباب تؤكد أن إرادة المجتمع الكردي، والمرأة على وجه الخصوص، أقوى من أي محاولة للضغط أو القمع، وأن النضال من أجل الحرية والكرامة مستمر بلا توقف، مؤكّدين أن نضال المرأة الكردية ستبقى منارة للنضال ضد كل أشكال الظلم والقهر.