غياب النساء عن مسار السلام في تركيا يثير مخاوف بشأن ديمقراطية العملية
في وقت تخطو فيه تركيا خطوات جديدة على طريق حل القضية الكردية ونزع السلاح، يبرز غياب المرأة عن هياكل صنع القرار. وترى منظمات نسائية أن السلام يُقاس بمدى مشاركة النساء، في صياغة هذا المسار ومراقبته وتحديد مخرجاته.
إليف أكغول
إسطنبول ـ عقد مجلس المتابعة والتقييم، الذي شكل لمتابعة تنفيذ مسار حل القضية الكردية، ودفع عملية الدمقرطة، والإشراف على مسار نزع السلاح، اجتماعه الأول يوم الاثنين، 24 آب/أغسطس. ترأس الاجتماع نائب الرئيس التركي بحضور وزير العدل ووزير الخارجية، ووزير الداخلية ووزير الدفاع الوطني، ورئيس جهاز الاستخبارات الوطنية، والأمين العام لرئاسة الجمهورية والأمين العام لمجلس الأمن القومي.
لكن اللافت في تشكيل المجلس أن جميع أعضائه الثمانية كانوا من الرجال، في غياب كامل لأي تمثيل نسائي، رغم أن مخرجات مسار السلام والديمقراطية ونزع السلاح ستنعكس بصورة مباشرة على حياة المجتمع، ولا سيما على الفئات التي تحملت جانباً كبيراً من تبعات الصراع.
وقرر المجلس تشكيل أربع لجان فرعية تتولى ملفات تنسيق الشؤون القضائية والقانونية، والمتابعة والرصد، والاندماج والتماسك الاجتماعي، ونزع السلاح والتنسيق الاستراتيجي. إلا أن أسماء أعضاء هذه اللجان لم تُعلن حتى الآن، ما يبقي مسألة مشاركة النساء في هذه الهياكل وآليات إشراكهن في عملية صنع القرار موضع تساؤل.
وتعقيباً على ذلك تقول تولاي كوركوتان من جمعية تضامن المرأة واتحاد النساء التابعين لاتحاد النساء في إيمجي إن عملية السلام لا يمكن اختزالها في مجرد وقف إطلاق النار، مشددةً على ضرورة مشاركة النساء في المجالس واللجان المعنية بالعملية.
وبينت إن المنظمات النسائية ينبغي أن تكون حاضرة أيضاً في آليات صنع القرار والمتابعة "عندما نتحدث عن السلام، يتشكل تعريف له يقوم فقط على إسكات السلاح، أو تُبنى مقاربة تنطلق من مسألة الأمن، وهكذا تتم مناقشة الأمر، وهكذا تُنشأ الآليات أيضاً، لكننا نعرف أن السلام لا يمكن أن يتحقق بمجرد إسكات السلاح. عندما لا تكون النساء حاضرات على تلك الطاولات وفي تلك اللجان، لا يمكننا الحديث عن سلام كامل. لماذا؟ لأن النساء أيضاً من الأطراف الأساسية في عملية السلام هذه. يجب أن تكون المنظمات النسائية حاضرة على تلك الطاولات وفي تلك اللجان والمجالس".
وأضافت "توجد نساء من حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM) في اللجنة التي شُكلت داخل البرلمان، لكن ذلك غير كافٍ، ولا نعرف بعد ما إذا كانت النساء أو المنظمات النسائية، ستشارك في اللجان التي ستُشكّل بموجب هذا القانون، ويبدو أنها لن تكون موجودة".
"يجب تشكيل هيئة مستقلة مؤلفة من النساء"
والمطلوب بحسب تولاي كوركوتان لا يقتصر على مجرد تمثيل النساء في العملية، بل ينبغي أن يكنّ جزءاً من آلية مستقلة للمتابعة والتدخل عند الضرورة، مشددةً على ضرورة تشكيل هيئة مستقلة مؤلفة من النساء.
كما أكدت ضرورة مشاركة ممثلات عن المنظمات النسائية في هذه الآليات "أحد مطالبنا هو تشكيل هيئة أو مجلس مستقل تماماً، يتمتع بصلاحية التحقيق والمراقبة، والتدخل عند الضرورة، ويضم ممثلات عن النساء والمنظمات النسائية، لأننا نعرف أن الحرب تؤثر في النساء أكثر من غيرهن".
والسلام كما توضح لم يتحقق بشكل كامل "قد نتحدث اليوم عن عملية سلام، لكن لا يمكننا القول إن السلام قد تحقق بصورة كاملة، فهذا غير ممكن؛ فما زالت النساء يُقتلن على يد الرجال في هذا البلد، وما زالت أخريات يفقدن حياتهن نتيجة عنف الدولة الذكوري، بينما تتعرض أخريات للعنف والاغتصاب على يد قوات الأمن، ولا سيما في المناطق الكردية. ولذلك، فإننا نتحمل العبء الأثقل لهذه الحرب".
"وجود النساء في عمليات السلام يحدد مدى ديمقراطية العملية"
كما أن آثار الحروب والصراعات على النساء لا تقتصر على تركيا "الأمر لا يقتصر على بلدنا، بل هو كذلك في جميع أنحاء العالم. عندما تندلع الحرب، يُنظر إلى أجسادهن باعتبارها نوعاً من "الغنيمة" في ذلك الصراع، وهذا لا ينطبق على المدنيات فقط، بل يشمل المقاتلات أيضاً. حتى أجساد من يدافعن عن أرضهن تتعرض لأدوات ذات طابع عسكري وعنصري وعدائي".
وأضافت أن "وجود صوت نسائي في عمليات السلام، وطرح المطالب الخاصة بهن، وتمكينهن من التعبير عن أنفسهن من خلال هيئات مستقلة، يمثل معياراً أساسياً لتحديد مدى ديمقراطية السلام"، مشددةً على ضرورة معالجة المشكلات التي تواجههن من أجل دفع العملية الحالية إلى الأمام.
ولفتت الانتباه كذلك إلى تأثير سياسات تعيين الأوصياء الحكوميين في الخدمات المقدمة للنساء، مؤكدةً ضرورة إنشاء آليات تتيح مواجهة قضايا العنف والقتل التي تعرضن لها "هناك عملية قائمة اليوم، لكن هل تحولت هذه العملية فعلاً إلى سلام كامل؟ لقد عُيّن أوصياء حكوميون على العديد من البلديات في شمال كردستان، وما زال هؤلاء الأوصياء في مناصبهم، وبسببهم أُغلقت ملاجئ ومراكز للنساء، إلى جانب مراكز الاستشارات المخصصة لهن هناك".
وترى أن الإيمان الفعلي بوجود السلام وصدق هذه العملية يتطلب معالجة هذه القضايا "على سبيل المثال، هل سيتم إنشاء آلية لمواجهة العنف والقتل الذي تعرضت له النساء في جزير وسلوبي؟ وهل ستتم محاسبة المسؤولين عن مصير من تعرضن للعنف على يد عناصر عسكريين، وانتهى بهن الأمر إلى الانتحار لأسباب سياسية نتيجة ذلك العنف؟ لكي نتمكن من طرح هذه القضايا ومواجهة جميع هذه الوقائع، يجب أن نكون حاضرات في تلك اللجان".
"إقرار هذا القانون خطوة مهمة"
تولاي كوركوتان ترى أن القانون الذي أُقر يمثل خطوة مهمة من أجل دفع العملية إلى الأمام، لكنه غير كافٍ بمفرده، مؤكدةً ضرورة اتخاذ خطوات ملموسة من أجل تحويل العملية إلى مسار ديمقراطي يحظى بمشاركة المجتمع "هذه العملية نفسها مهمة من جانب آخر، وإقرار هذا القانون مهم أيضاً. صحيح أن القانون وحده غير كافٍ، لكنه مهم باعتباره خطوة تم اتخاذها فنحن منذ عامين لا نرى أي خطوة".
واعتبرت أن "ممارسات الحكم الفاشية لحكومة حزب العدالة والتنمية مستمرة في هذا البلد، بحق النساء وجميع الشعوب والعمال، ولكي تتحول هذه العملية إلى مسار ديمقراطي داخل المجتمع، يجب أن يشعر الناس بذلك".
واختتمت تولاي كوركوتان من جمعية تضامن المرأة واتحاد النساء التابعين لاتحاد النساء في إيمجي، حديثها بالقول "لا يمكن أن يتحقق المسار الديمقراطي إلا من خلال خطوات صادقة وملموسة، ومن خلال تنفيذ مطالب الشعب الكردي فإذا جرى تطبيق هذه الخطوات بشكل ملموس، وإذا أصبحت نحن النساء جزءاً من هذه العملية، عندها فقط يمكننا أن نتحدث عن سلام حقيقي".