غلاء الخبز في سقز أزمة تتجاوز الأسعار إلى لقمة العيش

إن مضاعفة سعر الخبز في مدينة سقز بشرق كردستان ليست مجرد ارتفاع في سعر سلعة أساسية، بل هي مؤشر على تعمّق أزمة المعيشة وتآكل الأمن الغذائي للأسر ذات الدخل المحدود في هذه المدينة.

بريا استوار

مركز الأخبار ـ لم يكن الارتفاع الذي بلغ 100% في سعر الخبز في سقز بشرق كردستان مجرد تعديل للأسعار، بل كان علامة على انتقال هادئ لكنه قاسٍ للحد الفاصل بين "العيش" و"العجز عن الاستمرار".

في مدينة ترزح منذ سنوات تحت وطأة البطالة، والتضخم، وانعدام الاستقرار الوظيفي، وانتشار العمل في التهريب الحدودي (الكولبري)، والأجور غير المستقرة، والارتفاع المتواصل في تكاليف الحياة، بقي الخبز في سقز الركيزة الأخيرة للأمن الغذائي، وإذا اهتزت هذه الركيزة، انهارت معها المائدة بأكملها.

وفي مثل هذا الواقع، فإن مضاعفة سعر الخبز لا تعني مجرد زيادة في ثمن سلعة، بل تعني حرمان العديد من الأسر، التي كانت تعيش أصلاً في أوضاع هشة، من جزء من الحد الأدنى اللازم للبقاء.

في صباح أحد الأيام الأولى من شهر تموز/يوليو، كشف المشهد المعتاد أمام مخبز في حي نشميلان بمدينة سقز عما هو أكثر من احتجاج بسيط، فلم تكن الشمس قد أشرقت بالكامل بعد، حين بدأت أصوات النساء تُسمع من بعيد. في البداية، بدا وكأن الأمر يتعلق بالخلاف على الدور أو ازدحام الطابور، لكن مع الاقتراب اتضح أن السبب الحقيقي هو التجمع أمام المخبز احتجاجاً على الزيادة المفاجئة في سعر الخبز.

في ذلك اليوم، لم يكن باب المخبز مجرد مكان لشراء مادة غذائية، بل تحول إلى مساحة تجسدت فيها الضغوط الاقتصادية المتراكمة في ملامح الوجوه، وحركات الأجساد، ونبرة الأصوات، كانت الوجوه متعبة، والعيون قلقة، ولم تعد الأحاديث تدور حول ارتفاع السعر فحسب، بل حول حساب مؤلم، كم رغيفاً يمكن شراؤه بالمبلغ المتوفر؟ وأي نوع آخر من الطعام ينبغي الاستغناء عنه حتى يبقى الخبز على المائدة؟

وسط الحشد، لفتت الأنظار امرأة مسنة تُدعى "الأم نازدار"، بوجهها الذي لفحته الشمس، ويديها المرتجفتين اللتين تحملان آثار سنوات طويلة من الكدح. أخذت تعدّ أوراقها النقدية المجعدة مرة تلو الأخرى، لا بدافع العادة، بل بدافع أمل عابر بأن تتغير الأرقام بطريقة ما، وأن يكفي المبلغ القليل الذي تملكه لشراء العدد نفسه من الأرغفة كما في السابق لكن الأرقام لم تتغير. قالت بصوت هادئ ومكسور "كنت أشتري كل يوم عشرة أرغفة، أما اليوم فإن نقودي لا تكفي إلا لخمسة فقط"، كانت هذه الجملة، رغم بساطتها، تكشف بوضوح جوهر الأزمة؛ فالتضخم، كما يُعاش في الحياة اليومية، ليس مجرد مؤشر اقتصادي، بل يعني ببساطة أن القدرة على إشباع الجوع قد انخفضت إلى النصف.

وضعت نازدار الأرغفة الخمسة في كيسها، وألقت نظرة خاطفة على بقية الأرغفة، ثم انسحبت بهدوء من الطابور. لم تصرخ، ولم تحتج، ولم تحطم شيئاً. لكن هذا التراجع الصامت كان أبلغ من أي صرخة ففي منطق الفقر، لا تأتي القسوة دائماً بصوت مرتفع؛ بل قد تظهر في صورة انسحاب هادئ من مائدة تصغر يوماً بعد يوم. لم تكن القضية مجرد خبز، بل كانت اتساع الفجوة بين الحاجة والقدرة، فجوة تتسع باستمرار حتى تصبح جزءاً مألوفاً من الحياة اليومية.

إن الزيادة في سعر الخبز في سقز ينبغي فهمها في إطار الاقتصاد السياسي للتضخم والفقر، لا باعتبارها حادثة منفصلة أو قراراً محلياً عابراً، فما يبدو في الظاهر قراراً إدارياً أو إجراءً لتنظيم السوق، هو في الحقيقة جزء من آلية تنقل أعباء الأزمة الاقتصادية من مستوى السياسات والبنى الاقتصادية إلى مستوى الحياة اليومية للمواطنين، ففي اقتصاد أصبح فيه التضخم حالة دائمة، لم تعد زيادات الأسعار استثناءً، بل أصبحت القاعدة.

وفي مثل هذا الوضع، تتحمل الفئات الفقيرة العبء الأكبر لعدم الاستقرار، لأن الجزء الأكبر من دخلها يُنفق على السلع الأساسية، ويحتل الخبز مكانة خاصة بين هذه السلع، فهو الأرخص والأكثر ضرورة في الوقت نفسه، ولهذا فإن أي زيادة في سعره تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للأسر.

في الأحياء الأقل حظاً في سقز، من نشميلان وتازه ‌آباد إلى بهارستان وشريف ‌آباد وحاجي ‌آباد وشهناز وغيرها من المناطق ذات الدخل المحدود، لا يُعدّ الخبز مجرد غذاء، بل يشكّل الركيزة الأساسية لبنية البقاء، ففي هذه الأحياء، تبدأ كثير من الأسر يومها بالخبز والشاي، وتتكون وجبة الغداء من الخبز مع طعام بسيط، أما العشاء فغالباً ما يكون امتداداً لهذا الحد الأدنى من المعيشة، وعندما يرتفع سعر الخبز، لا يمكن الاستغناء عنه بسهولة، لذلك يمتد الاستغناء إلى سلع أخرى مثل اللحوم، والدواجن، ومنتجات الألبان، والفواكه، ثم إلى جودة الغذاء اليومي نفسها. إنها آلية الاستنزاف؛ حيث تجد الأسرة نفسها، بدلاً من تحسين مستوى معيشتها، مضطرة باستمرار إلى خفض مستوى استهلاكها وتوقعاتها.

النساء اللواتي وقفن في طابور المخبز كنّ يتحدثن عن هذا الواقع نفسه، وقالت إحداهن "ماذا بقي ليأخذوه منا؟ في كل شهر يُنتزع شيء من حياتنا"، فردّت أخرى "أولاً اختفت اللحم، ثم الفاكهة، ثم الألبان، والآن الخبز... ماذا بعد؟"، هذا السؤال لا يتعلق بغلاء الأسعار وحده، بل يتجاوز ذلك إلى التساؤل عن الحد الأقصى لقدرة المجتمع على التحمل؛ إلى أي مدى يمكن لمجتمع أن يواصل العيش في ظل الحرمان التدريجي قبل أن يتحول هذا الحرمان إلى أزمة اجتماعية أو سياسية واضحة؟ ففي الاقتصاد السياسي للمناطق المهمشة، لا يترسخ الفقر بضربة واحدة، بل عبر تراكم طبقات متتالية من النقص والحرمان.

أحد العمال الذين جاءوا في ذلك اليوم لشراء الخبز قال جملة تستحق التوقف عندها "لقد عملت اليوم، لكن إذا استمر سعر الخبز في الارتفاع بهذا الشكل، فلن يعود العمل وحده كافياً". في هذه العبارة البسيطة يتجلى بوضوح الانفصال بين العمل والقدرة على تأمين المعيشة، فلم يعد العمل، بحد ذاته، ضماناً للحياة الكريمة.

بات الناس أمام واقع فيه الأجور متأخرة عن تكاليف المعيشة، وكل موجة جديدة من ارتفاع الأسعار تزيد هذه الفجوة اتساعاً، والنتيجة أن العمل اليومي الشاق والجهد المستمر لم يعودا يوفران شعوراً بالأمان، وهذا يعكس انهياراً فعلياً للعقد الاجتماعي غير المعلن الذي كان يقوم على أن العمل يضمن، على الأقل، تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل ارتفاع سعر الخبز عن بقية أبعاد أزمة التنمية، فمدينة سقز، شأنها شأن العديد من مدن شرق كردستان، تعيش ضمن منظومة تغيب فيها التنمية المتوازنة، وفرص العمل المستقرة، والبنية التحتية الداعمة، وسياسات إعادة توزيع الدخل الفاعلة، أو تبقى فيها هذه العناصر ضعيفة للغاية.

وفي ظل هذا الواقع، تكون الأسر منخفضة الدخل الأكثر هشاشة، لأنها لا تمتلك مدخرات يمكن الاعتماد عليها، ولا تحصل على خدمات دعم مستقرة، ولا تملك القدرة على مواجهة الارتفاع المستمر في الأسعار، ولهذا ينبغي النظر إلى غلاء الخبز في سقز بوصفه جزءاً من منظومة أوسع، تُلقى فيها الأعباء الاقتصادية والمالية والسياسية الكبرى في نهاية المطاف على موائد الأسر الصغيرة والأكثر ضعفاً.

القضية هنا ليست مجرد "سعر"، بل هي "المكانة الاجتماعية للسعر"، فالخبز يمثل بالنسبة إلى كثير من الأسر خط الدفاع الأخير، وعندما يرتفع ثمنه، فهذا يعني أن هذا الخط الدفاعي لم يعد آمناً أيضاً، وفي مثل هذه الظروف، فإن لجوء الدولة وصناع القرار الاقتصادي إلى رفع الأسعار أو إحداث صدمات سعرية مفاجئة، بدلاً من تبني سياسات حماية اجتماعية، ودعم موجّه، وضبط منظومة التوزيع، والحفاظ على القوة الشرائية للدخول الحقيقية، لا يؤدي إلا إلى نقل الأزمة من مستوياتها العليا إلى حياة المواطنين اليومية، وقد يبدو هذا في المؤشرات الاقتصادية إصلاحاً، لكنه بالنسبة للأسر الفقيرة يعني حذفاً مباشراً لمواد أساسية من سلتها الغذائية.

ما شهدته مخبزة حي نشميلان في سقز لم يكن قصة أسرة واحدة، بل صورة مكثفة لمدينة بأكملها؛ مدينة لم يعد سكانها يفكرون في تحقيق مزيد من الرفاه، بل في كيفية تقليل حجم الخسائر اليومية، وهذا التحول في الأفق يحمل دلالة عميقة؛ فالمجتمع الذي يعتاد تدريجياً على إدارة النقص بدلاً من السعي إلى حياة أفضل، يتعرض لتآكل داخلي لا يقتصر على الاقتصاد، بل يمتد إلى الثقافة والنفسية العامة، حيث تصبح مشاعر الحرمان، وانعدام اليقين، والغضب المكبوت، والقلق الدائم جزءاً من الحياة اليومية.