غادة سابا: السينما منصة لكسر التابوهات ورفع الوعي النسوي
دعت المخرجة غادة سابا إلى إعادة النظر في قوانين الميراث الأردنية بما ينسجم مع الظروف الحالية، مؤكدة ضرورة حماية النساء، وأهمية رفع الوعي بقضايا المرأة واستمرار المنصات الثقافية التي تفتح هذا النقاش.
براءة أكرم
عمّان ـ يسعى مهرجان فيلم المرأة الذي يتم تنظيمه سنوياً إلى توظيف السينما كوسيلة للتوعية وفتح النقاش حول قضايا النساء، ويهدف إلى نقل تجاربهن الإنسانية إلى جمهور أوسع، وتعزيز الحوار المجتمعي حول الحوق والمساواة والحماية.
شكل مهرجان أفلام المرأة الذي انطلقت فعاليات دورته الرابعة عشرة في العاصمة الأردنية عمان في السابع من حزيران/يونيو واستمر إلى 13 من الشهر ذاته، منصة استثنائية تسلط الضوء على قضايا النساء من زوايا إنسانية واجتماعية وقانونية معقدة عبر توليفة من الأفلام الوثائقية المستقلة التي صنعتها وأنتجتها نساء من مختلف دول العالم.
وفي هذا السياق كان لوكالتنا مع المخرجة والناشطة غادة سابا، لقاء أوضحت فيه بدايات انطلاق هذا المهرجان قائلة "شكل المهرجان على مدى أربعة عشر عاماً من العروض المستقلة جمهور حقيقي وواعي وما زال يكبر عاماً بعد عام".
محطات وتحديات واستمرارية
وأشارت إلى أن المهرجان مر بمحطات صعبة، حيث كان آخر مهرجان وجاهي قبل جائحة كورونا، ومن ثم رُفض تماماً أن يتوقف أو تنقطع استمراريته، فقُدم "أونلاين" خلال الجائحة، وأشادت بروح الفريق "تعاقب على المهرجان العديد من الزملاء والزميلات بالتعاون مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة، وتغيّرت الفرق والشخصيات، ولكن كان هناك دائماً حب كبير واهتمام واضح بقضايا المرأة، وحرص على رفع الوعي تجاهها".
وعن خصوصية المكان، أكدت أن "مسرح 'الرينبو' في قلب جبل عمّان، بما يحتويه الشارع من بيوت قديمة ومساحات ثقافية وعبق بالماضي، يجعلنا لا نتحدث عن مجرد صالة عرض، بل عن مكان وزمان لهما خصوصية شديدة ارتباطاً بالذاكرة الثقافية للمدينة".
تفكيك تابوهات القوانين
وتميزت دورة هذا العام بتنوع جغرافي واسع شهد عروضاً من المكسيك، سويسرا، اليابان، كوريا، كندا، إيرلندا، إيطاليا، النمسا، جنوب إفريقيا، أستراليا، الأردن، المغرب، وتونس، وكان من الأبرز هذا العام، واختتمت الفعاليات بأفلام أردنية وفلسطينية، حيث عُرض الفيلم الفلسطيني "Thank You for Banking"، الذي يتناول قضية الميراث والتعقيدات القانونية والاجتماعية التي تواجه النساء في المنطقة.
وفي هذا السياق، فتحت المخرجة غادة سابا ملفاً شائكاً طالما نادت به في أفلامها السابقة، وهو قضية ميراث الأردنيات المسيحيات، موضحة الأبعاد الإشكالية للموضوع "هناك الكثير من العقبات والضغوطات والتحديات المرتبطة بهذا الموضوع، جزء منها يأتي من العادات والتقاليد، وجزء آخر من القوانين التي يجب إعادة النظر في بعض موادها بما يتناسب مع الظروف الحالية، نحن لا نناقش الموضوع من باب الاعتراض على أحكام الدين الإسلامي أو ما نص عليه الفقه الإسلامي، ولكن في كثير من الأحيان يحدث تلاعب من بعض الأقرباء، بحيث يتم الاستيلاء على أموال وميراث بعض النساء فقط لأنهن فقط نساء، وهذا يجعل القضية معقدة جداً".
وتابعت غادة سابا مفسّرة الخلل التقييمي في الطرح "لا يمكن النظر إلى قضية الميراث فقط من زاوية الحصص كما وردت في النصوص الدينية، ثم تجاهل بقية الجوانب الأخرى، فالقانون يطبّق أيضاً على الأردنيات المسيحيات فيما يتعلق بالإرث، رغم أن القوانين الأخرى داخل الكنيسة تتبع النظام الكنسي في قضايا مثل الزواج والطلاق والحضانة، وعندما يُفتح هذا الحوار بين المؤيد والمعارض لتغيير قانون ميراث الأردنيات المسيحيات، يبدأ الحديث مباشرة بأننا دولة دينها الإسلام ويجب أن نتبع الدين الإسلامي، وهذا أمر مفهوم ولكن إذا أردنا اتباع الدين الإسلامي، فيجب أن يتم ذلك بكل ما ينص عليه، وليس فقط في جزئية ميراث المرأة المسيحية، بينما تبقى قضايا الزواج والطلاق والحضانة والنفقة خاضعة للشرائع الكنسية".
ولفتت إلى أن القضية لها امتدادات عديدة؛ حيث ناقشت أفلام أخرى في المهرجان اضطرار بعض النساء لتمني إنجاب الذكور خوفاً من ضياع حقوقهن في الميراث.
من كفاح الأرض والرياضة... إلى "وهم الحرية" والفضاء الرقمي
ولم تقتصر عروض المهرجان على زاوية واحدة، بل شهد عرض أفلام قصيرة هامة سلطت الضوء على كفاح المرأة في الرياضة، والمرأة المزارعة، والنساء الساعيات لحياة أفضل، كما فككت بعض الأفلام الفكرة النمطية التي تعيشها بعض الفتيات باعتبار أن "الزواج هو الحل الوحيد للخروج من سلطة بيت الأب نحو الحرية"، ليتفاجأن لاحقاً بصدمة المسؤوليات الأكبر وتقلص مساحات الحرية.
وفي الختام، شهد المهرجان حلقة نقاشية ثرية جمعت صناع الأفلام بصناع المحتوى الرقمي حول مفهوم "من يصنع المشهد؟"، وأعربت غادة سابا عن سعادتها بهذا الدمج قائلة "إننا نرى المشهد اليوم يُصنع على الشاشة الكبيرة، ولكن هناك أيضاً مشهد آخر موازٍ ومؤثر يُصنع عبر شبكات التواصل الاجتماعي في تشكيل الوعي العام"، وشهدت الجلسة مشاركة مميزة من صانعة المحتوى الأردنية الفاعلة عليا الحموري، كإحدى الأصوات الرقمية البارزة في تقديم هذه القضايا الحيوية.