في الذكرى الخامسة للانسحاب من اتفاقية إسطنبول... حماية أقل وعنف أكثر

بعد خمس سنوات من انسحاب تركيا من اتفاقية إسطنبول، تتجدد الأسئلة حول أثر هذا القرار على حماية النساء، في ظل تصاعد العنف والجدل المستمر بين القانون الداخلي والالتزامات الدولية.

آرجين ديليك أونجل

آمد ـ قبل خمس سنوات، وفي ليلة 20 آذار/مارس 2021، صدر قرار رئاسي أنهى بشكل أحادي عضوية تركيا في اتفاقية مجلس أوروبا لمنع ومكافحة العنف ضد المرأة والعنف الأسري، المعروفة باتفاقية إسطنبول. وبعد ثلاثة أيام فقط، أُبلغ مجلس أوروبا رسمياً بقرار الانسحاب، لتبدأ مرحلة جديدة في سجل حماية النساء من العنف في البلاد.

بموجب القرار المنشور بتوقيع الرئيس رجب طيب أردوغان، أصبح الأول من تموز/يوليو 2021 تاريخاً فاصلاً: اليوم الذي توقفت فيه الاتفاقية عن السريان داخل تركيا.

منذ ذلك التاريخ، لم تهدأ النساء. فقرار الانسحاب لم يكن مجرد خطوة قانونية، بل تحوّل إلى نقطة اشتعال اجتماعي وسياسي، دفعت النساء ومنظماتهن إلى الدفاع المستمر عن الاتفاقية باعتبارها إحدى أهم أدوات الحماية التي فقدنها فجأة.

ومع مرور السنوات الخمس، تكشّفت آثار الانسحاب بوضوح أكبر. فالتقارير الشهرية الصادرة عن المنظمات النسوية ترسم صورة قاتمة؛ ارتفاع ملحوظ في جرائم قتل النساء، وتزايد في حالات الوفاة الغامضة التي تسجل تحت بند "الانتحار" أو "الوفاة المشبوهة".

لم يتوقف الأمر عند الأرقام. فقد أدى الانسحاب إلى ترسيخ مناخ من الإفلات من العقاب، إذ تراجعت المحاكم في إصدار أوامر الحماية الوقائية المنصوص عليها في القانون رقم 6284، وهو القانون الذي يعد اليوم خط الدفاع الأخير أمام النساء المعرضات للعنف.

وهكذا، وبعد خمس سنوات على إنهاء الاتفاقية، تبدو آثار القرار ممتدة في حياة النساء اليومية، حماية أقل، عنف أكثر، ومسار قانوني بات أضعف مما كان عليه قبل الانسحاب. ورغم ذلك، لا تزال النساء يواصلن الدفاع عن الاتفاقية، باعتبارها رمزاً للعدالة والضمانة التي يطالبن باستعادتها.

 

أرقام تكشف نمطاً متفاقماً

تكشف الأرقام التي رُصدت منذ إلغاء اتفاقية إسطنبول عن مسار متصاعد للعنف ضد النساء، مسارٍ لا يمكن تجاهله. ففي الأشهر الخمسة الأخيرة من عام 2021 وحده، قُتلت 143 امرأة. ثم بدأت السنوات التالية ترسم منحنى أكثر قتامة: 381 امرأة في عام 2022، و315 امرأة في عام 2023، و394 امرأة في عام 2024، و299 امرأة في عام 2025، جميعهن قُتلن على أيدي رجال. أما النصف الأول من عام 2026، من كانون الثاني/يناير حتى حزيران/يونيو، فقد شهد مقتل 151 امرأة على الأقل.

ولا يقتصر المشهد على جرائم القتل الموثقة، بل يمتد إلى الوفيات التي تسجل تحت بند "الوفاة المشبوهة"، وهي فئة تكشف هشاشة التحقيقات وغياب الشفافية. ففي الفترة نفسها من عام 2021، توفيت 105 نساء في ظروف وُصفت بالمريبة. ثم ارتفع العدد إلى 245 حالة في عام 2022، و270 حالة في عام 2023، و259 حالة في عام 2024، ليصل إلى 297 حالة في عام 2025. وفي الأشهر الستة الأولى من عام 2026، سجّلت المنظمات النسوية 170 وفاة مشبوهة لنساء، في مؤشر يعكس اتساع الفجوة بين العنف الواقع على النساء وبين قدرة الدولة على كشف ملابساته أو منعه.

 

"اتفاقية إسطنبول تعتبر عدم المساواة انتهاكاً لحقوق الإنسان"

         


        

وأوضحت المحامية وعضو المجلس التنفيذي لمركز حقوق المرأة في نقابة محامي آمد نازلي ماتور، أن اتفاقية إسطنبول لا تنظر إلى العنف ضد المرأة أو العنف الأسري باعتباره مجرد جرائم تُعالج في إطار القانون الجنائي، بل تعتبرهما نتيجةً لعدم المساواة التاريخية والبنيوية بين النساء والرجال، ولعدم المساواة القائمة على النوع الاجتماعي، وتُعرفهما على أنهما انتهاك لحقوق الإنسان وشكل من أشكال التمييز.

وأضافت أن هذا التعريف يحمل الدول أيضاً مسؤولية إنشاء آليات وقائية لمنع وقوع العنف "هذا النهج لا يختزل مكافحة العنف في مجرد معاقبة الجاني، بل يفرض على الدولة التزامات شاملة تتمثل في منع وقوع العنف، وحماية النساء المعرّضات للخطر، وضمان ملاحقة الجرائم بفعالية، وأوجبت أيضاً بإنشاء آليات ومؤسسات تضمن التطبيق الفعلي لهذه القوانين على أرض الواقع".

 

"كان الهدف إنشاء سياسة عامة شاملة"

وأشارت إلى أن الاتفاقية كانت تُلزم الدول بتوفير عدد كافٍ من الملاجئ ومراكز الاستشارات وخطوط الدعم، إضافة إلى تدريب عناصر الشرطة والموظفين العموميين، وتوفير الحماية للضحايا. وقالت إن "الهدف من ذلك كان تحويل مكافحة العنف ضد المرأة من مجرد ردود فعل على شكاوى فردية إلى سياسة عامة شاملة ومتكاملة للدولة".

ولفتت إلى أنه من أبرز الجوانب المهمة لاتفاقية إسطنبول أنها عرفت لأول مرة، على المستوى الدولي، الجريمة المعروفة اليوم باسم "الملاحقة المستمرة" كنوع مستقل من العنف، مشيرةً إلى المادة 34 من الاتفاقية التي تنص على تجريم الأفعال المتكررة التي قد تتسبب في شعور الشخص بالخوف على سلامته، مثل التتبع المستمر، المراقبة، التواصل المتكرر أو الإزعاج المستمر.

وأضافت أنه في تلك الفترة لم يكن قانون العقوبات التركي يتضمن نصاً خاصاً يجرم "الملاحقة المستمرة" بشكل مستقل، ولذلك كانت الضحايا مضطرات للجوء إلى مواد قانونية مختلفة مثل التهديد أو الإهانة أو الإخلال بالسكينة العامة.

وأوضحت أن بعد انسحاب تركيا من الاتفاقية، تم في عام 2022 تعديل قانون العقوبات التركي، بحيث أصبحت "الملاحقة المستمرة" جريمة مستقلة ضمن المادة 123، وبذلك تم سد أحد أهم أوجه القصور التشريعي التي كانت محل انتقاد طويل.


آلية الرقابة GREVIO

كما شددت نازلي ماتور على جانب مهم آخر للاتفاقية يتعلق بآلية الرقابة، موضحة أن الاتفاقية لم تترك التزامات الدول على مستوى نظري، بل أنشأت نظام متابعة قوي.

وفي قلب هذا النظام توجد مجموعة خبراء العمل ضد العنف ضد المرأة والعنف الأسري (GREVIO)، وهي هيئة مستقلة تتكون من خبراء. وقالت إن هذه الآلية تعمل كالتالي "الدول الأطراف تقدم تقارير دورية حول تنفيذ الاتفاقية، تقوم GREVIO بدراسة هذه التقارير، وتستمع إلى آراء منظمات النساء ونقابات المحامين ومنظمات المجتمع المدني، كما تنفذ زيارات ميدانية للدول وتلتقي بالمؤسسات الرسمية وممثلي المجتمع المدني ورغم أن GREVIO لا تملك صلاحيات تنفيذ عقوبات مباشرة، فإن تقاريرها تخلق ضغطاً كبيراً من حيث الرقابة الدولية والمساءلة على الدول".

 

ما الفرق بين القانون والاتفاقية؟

وتطرقت المحامية نازلي ماتور إلى العلاقة بين القانون رقم 6284 واتفاقية إسطنبول، موضحة أن قانون 6284 هو قانون داخلي يركز على توفير تدابير حماية عملية وسريعة في حالات الطوارئ، ويركز على حماية المرأة بعد وقوع العنف. بينما اتفاقية إسطنبول كانت تستهدف جذور المشكلة، أي عدم المساواة المبنية على النوع الاجتماعي التي تؤدي إلى العنف من الأساس، وبذلك كانت الاتفاقية تمثل إطاراً دولياً أشمل.

 

"قرار مخالف لروح الدستور"

وترى أن الانسحاب من اتفاقية إسطنبول يتعارض مع هرمية القوانين وروح الدستور، مؤكدة أن العودة إلى الاتفاقية ممكنة قانونياً عبر مسارين، الأول التشريعي، وهو أن يتبنى البرلمان قانوناً جديداً ويعيد التصديق على الاتفاقية، ثم يقوم الرئيس بالموافقة وإعادة التوقيع وإبلاغ مجلس أوروبا، وبذلك تعود تركيا طرفاً رسمياً في الاتفاقية. والثاني إداري، وهي إمكانية إلغاء قرار الانسحاب بقرار رئاسي جديد، في حال تغيّرت الإرادة السياسية أو تغيرت السياسات الحكومية".

وتؤكد أن القضية ليست فقط في وجود آليات قانونية، بل في الإرادة السياسية والتوافق المجتمعي "نحن كمدافعين عن الحقوق، منظمات نسوية ونقابات محامين، لم نقبل هذا الانسحاب. العودة إلى الاتفاقية ليست مجرد إجراء قانوني، بل تعني قبول الدولة بالخضوع مجددًا لمعايير حقوق الإنسان الدولية وسيادة القانون والرقابة الدولية".

 

"تركيا كانت أول دولة وقّعت الاتفاقية"

         


        

من جانبها ذكّرت الناشطة إسراء تشيتشك بأن تركيا كانت أول دولة وقعت وصادقت على اتفاقية إسطنبول في 11 مايو/أيار 2011، ولفتت إلى أن هناك تصوراً خاطئاً بأن الاتفاقية فُرضت على تركيا، موضحة أن العكس هو الصحيح، إذ جاءت نتيجة حاجة داخلية ملحة، خاصة بعد قضية ناهيد أوبوز أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، والتي أدانت تركيا عام 2009 لفشلها في حماية النساء من العنف الأسري والتمييز.

وقالت إن انسحاب تركيا من الاتفاقية غير منطقي، لأنه مباشرة بعد ذلك تم إصدار قانون 6284 باعتباره الامتداد الداخلي لها، وأن القانون ما زال سارياً لكنه لا يُطبق بشكل فعال، كما أنه ينص في مقدمته على أنه في حال عدم وجود نص قانوني، يتم الرجوع إلى اتفاقية إسطنبول، مما يعني استمرار تأثيرها القانوني بشكل غير مباشر.

 

عدم المساواة بين الجنسين

وأكدت إن شعار "اتفاقية إسطنبول تحمي الحياة" يستند إلى ملاحظة انخفاض معدلات قتل النساء بعد توقيع الاتفاقية، لكن في السنوات الأخيرة ارتفعت الأرقام بشكل كبير.

وأضافت أن الوضع الحالي بات يُوصف بأنه "إبادة نسائية"، حيث يُقتل في المتوسط امرأتان يومياً، مشددةً في ختام حديثها على أن النضال سيستمر من جانب منظمات النساء للدفاع عن الحق في الحياة ومواجهة العنف القائم على النوع الاجتماعي.