فاطمة رش... امرأة كردية سطرت التاريخ بشجاعتها وبطولياتها

في الوقت الذي تُعرَف فيه تواريخ الأمم بأبطالها، تبرز فاطمة رش كرمز فريد لشجاعة المرأة الكردية في القرن التاسع عشر، واليوم، أصبح هذا الإرث التاريخي عرضة لحملة مكثفة من التشويه ومحاولات إلحاقه بتاريخ الدولة التركية.

هيفي صلاح

السليمانية ـ فاطمة رش، رمز الصمود وشجاعة المرأة الكردية، ظهرت في القرن التاسع عشر كواحدة من أبرز القادة العسكريين في المنطقة، وقد أدهشت العالم بقيادتها لمئات الفرسان في مواجهة الإمبراطورية الروسية، إن تاريخ الأمة الكردية مليء بنساء حملن السلاح في أوقات الشدة ودافعن عن أرضهن وهويتهن.

لُقبت بـ"سيدة الكرد"، وبعد أن فقدت زوجها في عام 1850، تولّت زمام قيادة عشيرتها، وشاركت بشكل فعّال في حرب القوقاز، وقد وصفها مؤرخون أجانب بأنها امرأة ذات هيبة، استطاعت في مجتمع عشائري أن تتقدم الصفوف وتبرز في ميدان القتال كفارسة لا مثيل لها.

وفي تلك الفترة، حين كانت الدولة العثمانية تتعرض للهزائم أمام الروس، جمعت فاطمة رش قوة قوامها 500 مقاتل في مناطق مرعش وسيواس وأرضروم، وتوجهت إلى إسطنبول بشرط أن تحتفظ بقيادة مستقلة وأن ترتدي الزي الكردي، فهزّت بذلك العالم.

 

فاطمة رش رمز قوة القرار

لم تكن فاطمة رش مجرد محاربة، بل كانت أيضاً دبلوماسية بارعة، إذ تمكنت من كسب موافقة السلطان العثماني عبد المجيد الأول على أن تقاتل بشكل مستقل مع قواتها الكردية، وقد عكست شروطها قوة القرار الكردي، إذ رفضت دمج قواتها ضمن الجيش العثماني الرسمي، واشترطت أن يدخل مقاتلوها ساحة المعركة بلباسهم الكردي التقليدي، مع الخناجر والقبعات الكردية.

هذا المشهد مثّل للأوروبيين آنذاك صورة لامرأة مقاتلة لا تقل شجاعة عن الرجال، وقد أصبح هذا التصوير التاريخي مصدر إزعاج لتركيا لاحقاً.

في المقابل، ظهرت شخصية أخرى تحمل نفس اللقب بعد نحو سبعين عاماً، وهي قرة فاطمة، التي برزت خلال حرب الاستقلال التركية بين 1919 و1923، وبينما تعود فاطمة رش الكردية إلى عام 1854 ومن مناطق مرعش أو سيواس بهوية كردية واضحة، فإن الشخصية التركية جاءت في سياق تاريخي مختلف تماماً.

اليوم، تُلاحظ محاولات مكثفة في تركيا لفصل فاطمة رش عن جذورها الكردية وتقديمها كبطلة قومية تركية، ويتم ذلك أحياناً عبر خلط متعمد بين الشخصيتين: إذ تُعرض الصورة الأصلية لفاطمة رش (1854) إلى جانب روايات تتحدث عن "قرهة فاطمة" في عشرينيات القرن العشرين، ما يوحي للقارئ بأنهما شخصية واحدة.

كما تُظهر الأعمال الدرامية التركية هذه الشخصية بزي عسكري عثماني أو تركي حديث، في حين تؤكد المصادر الأوروبية أن فاطمة رش خاضت المعارك بزيها الكردي التقليدي.

هذا النوع من إعادة السرد التاريخي يُعد من أخطر أشكال "سرقة التاريخ"، إذ يتم عبر وسائل الإعلام الحديثة والدراما والكتب، مما قد يزرع الشك لدى الأجيال الجديدة حول الهوية الحقيقية لرموزهم التاريخية.

هذه القضية لا تتعلق بالماضي فقط، بل بالمستقبل أيضاً. إذا لم تُقدَّم الأدلة بلغة العصر وبأسلوب استراتيجي، فقد تضيع الحقيقة وسط ضجيج الإعلام، لكن عندما تجتمع الأدلة مع الإعلام والفن، يصبح التاريخ أكثر قدرة على حماية نفسه.

 

"المرأة الكردية لا تنحني أبداً"

 

 

تحدثت زلفان غريب، الناشطة في مجال حقوق المرأة، لوكالتنا عن تاريخ فاطمة رش، وقالت على امتداد تاريخ الثورات الكردية، كان للمرأة الكردية دور أساسي ومؤثر، سواء في العمل السياسي أو النضال الثوري، ووفقاً لمراحل هذه الثورات، استطاعت النساء أن يشاركن بشكل واضح، بل وفي بعض الأحيان أصبحن قائدات للعشائر أو للوحدات الفاعلة.

وأضافت أن النساء كان لهن دور ومكانة مؤثرة في مواقع صنع القرار، وكذلك في مجال الكتابة وتوثيق التاريخ، إلا أن التاريخ لم ينصف هذا الدور كما ينبغي، ولم يُسجّله كعنصر أساسي في الثورات، رغم أن بصماتهن واضحة في أرشيف النضال الكردي.

وأشارت إلى أنه من بين هذه النماذج البارزة فاطمة رش، التي كانت في القرن التاسع عشر زعيمة عشيرة كردية، وقادت نحو 300 مقاتل في الصفوف الأمامية للمعارك، وهناك العديد من النساء الكرديات اللواتي كان لهن دور مهم في التاريخ، مؤكدة أن المرأة الكردية استطاعت دائماً أن تعطي درساً لخصومها مفاده أنها لا تنحني أبداً.

كما ذكرت مقولتين لمؤرخين من الشرق الأوسط، وهما ميجرسون وإدموس، اللذين أشارا عند زيارتهما للمنطقة إلى تميّز المرأة الكردية عن النساء التركيات والعربيات والفارسيات، قائلين "عندما جئنا إلى الشرق الأوسط، وجدنا أمة تُدعى الكرد، تتميز نساؤها بشجاعة فريدة، ويمكن تمييزهن بوضوح عن نساء الفرس والعرب والترك".

وعند الحديث عن الحاضر، أوضحت أن المرأة الكردية قدمت صورة مشرّفة عالمياً، خاصة في روج آفا، حيث تمكنت النساء من مواجهة أخطر عدو للإنسانية وهو داعش، وبرز دورها في العديد من المجالات.

وأشارت أيضاً إلى انتفاضة جينا أميني، التي أشعلت موجة احتجاجات واسعة ضد النظام الإيراني، وكان شعارها Jin Jiyan Azadî الذي أصبح رمزاً عالمياً.

وفي شمال كردستان، أصبحت النساء رمزاً للسلام، حيث قدن وفوداً للحوار والسلام، وأسهمن في تنظيم مؤتمرات قومية كردية، أما في إقليم كردستان، فالمرأة الكردية حاضرة في النضال المسلح، وشاركت في الثورات وقدمت تضحيات كبيرة، ولا تزال حتى اليوم جزءاً من القوى الفاعلة.

وأكدت زلفان غريب أن تاريخ المرأة الكردية، إذا ما أُعطي حقه من قبل المؤرخين، سيُظهر أن دورها لم يكن هامشياً، بل كان استثنائياً ومستمراً في الثورة والدفاع عن الأرض، والحفاظ على الثقافة والزي الكردي الذي يُعد من الأزياء المميزة عالمياً.

وأوضحت أن تاريخ النساء الكرديات لا يمكن اختصاره، فهناك العديد من النماذج البارزة مثل ليلى زانا وزكية ألكان، اللواتي أصبحن رموزاً للنضال والتضحية، ويمكن أن يشكّلن مصدر إلهام للأجيال القادمة، بل ويمكن بناء مدارس فكرية كاملة على إرثهن المشرق.

 

رسالة إلى مؤتمر وحدة النساء الكرديات

وقالت زلفان غريب "آمل أن أرى هذا الموقع وهذه المرحلة الحالية من حركة النساء، خلال السنوات القادمة، تتقدم بشكل أسرع وتصل إلى مستوى أفضل بكثير، وأن أرى النساء في مواقع القيادة، وخاصة في مواقع الإدارة وصنع القرار".

وأضافت أن أحد أهم معايير تقدم المجتمع هو تقدم المرأة ومشاركتها في مواقع القيادة واتخاذ القرار، معربة عن أملها في عقد مؤتمر يوحّد حركات النساء في الأجزاء الأربعة من كردستان، مشيرةً إلى أن هناك بداية بالفعل، لكنها تأمل أن يتطور هذا المسار بشكل أكبر.