دوامة الحرب المستمرة تعيد تشكيل معادلات القوة بين إيران وخصومها الإقليميين
ماريا كريم
لم يعد بالإمكان تفسير ما تواجهه إيران اليوم بالمفهوم التقليدي للحرب، أي الحرب التي لها بداية واضحة، وتستمر لبضعة أسابيع، ثم تنتهي بتوقيع اتفاقية وقف إطلاق النار، فما يحدث حول إيران خلال السنوات القليلة الماضية يشبه إلى حد كبير دورة متواصلة من الحرب العسكرية، ووقف إطلاق النار والضغوط الاقتصادية، والعقوبات الاقتصادية والتهديدات السياسية، والحرب الإعلامية والضغوط الدبلوماسية والعودة إلى المواجهة العسكرية.
كانت حرب الأيام الاثني عشر المرحلة الأولى الواضحة لهذه الدورة، وشكلت الفترة الفاصلة بين الحربين مرحلة أخرى من الصراع، كما كشفت حرب الأربعين يوماً والمراحل اللاحقة من النزاع عن الأبعاد العسكرية لهذه الأزمة، وأصبحت حرب الاستنزاف الاقتصادية الآن إحدى أهم ساحات هذا الصراع.
إذا فهمنا هذه العملية بشكل صحيح، فإن السؤال الرئيسي لم يعد ما إذا كانت إيران قد ربحت أو خسرت الحرب السابقة، أو إلى أي مدى دمرت الولايات المتحدة وإسرائيل القدرة العسكرية لإيران؛ السؤال الرئيسي الآن هو إلى أين تتجه هذه الدورة، وهل ستكون المرحلة التالية حواراً واتفاقاً أم حرباً أكثر صعوبة وشمولية؟
كما شكلت حرب الأيام الاثني عشر يوماً نقطة تحول، إذ اختُبرت فيها القدرات الأمنية لإيران ومنافسيها لأول مرة على هذا المستوى في حرب مباشرة، وفي نهاية هذه الحرب، لم يتمكن أي من الطرفين من إجبار الآخر على قبول مطالبه بالكامل. تكبدت إيران خسائر فادحة؛ فقد تضررت أجزاء من بنيتها التحتية العسكرية ومنشآتها النووية، وانكشفت نقاط ضعف في هياكلها الدفاعية والردعية، ومع ذلك ظلت الجمهورية الإسلامية متماسكة، ولم ينهار نظامها السياسي، ولم تُدمر قدرتها العسكرية على الرد بشكل كامل.
في المقابل، لم تتمكن إسرائيل والولايات المتحدة من حل القضية الإيرانية نهائياً بعملية عسكرية قصيرة لذا، لا ينبغي اعتبار هذه الحرب انتصاراً كاملاً لأحد الطرفين، بل نهاية مرحلة وبداية أخرى؛ مرحلة أدرك فيها كلا الطرفين صعوبة القضاء على الآخر.
عندما تنقسم الحرب بين المجالين العسكري والاقتصادي
تُظهر الفترة الممتدة بين حرب الـ 12 يوماً والمواجهة اللاحقة، رغم طولها الذي بلغ نحو 249 يوماً، أنها لم تكن مرحلة سلام فعلي، فمع توقف الصواريخ مؤقتاً استمرت المواجهة بأشكال أخرى شملت الضغط الاقتصادي والعقوبات وإعادة بناء القدرات العسكرية والتحركات السياسية والدبلوماسية، ومن هذا المنظور تصبح المسافة بين الحربين جزءاً من الصراع نفسه، إذ يمكن للحرب أن تغيّر أدواتها دون أن يتغيّر منطقها، لذلك لا يمكن النظر إلى حرب الأربعين يوماً وما تلاها كحدث منفصل، بل كمرحلة أكثر حدة في مسار المواجهة المتصاعد.
تقوم حرب الاستنزاف على مبدأ القدرة على تحمل التكاليف أكثر من قدرتها على تدمير المعدات؛ فهي اختبار لسرعة إعادة بناء القوة العسكرية، وصمود الاقتصاد وتماسك المجتمع، ولحظة إدراك أن استمرار الحرب أصبح أثقل من جدواه، وتبرز أهمية هذا المفهوم مع تجدد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث اشتعلت الجبهتان العسكرية والاقتصادية معاً: ضربات قرب مضيق هرمز، صواريخ إيرانية، تشديد واسع للعقوبات الأمريكية.
وفي هذا السياق تتحول العقوبات إلى حرب اقتصادية شاملة تستهدف قدرة الدولة على بيع النفط، وتحويل الأموال والحصول على التكنولوجيا والخدمات الأساسية، وقد وسعت واشنطن نطاق عقوباتها ليشمل شبكات النفط والبتروكيماويات والشحن والتمويل، ما جعل الضغط الاقتصادي جزءاً رئيسياً من استراتيجية المواجهة.
لكن آثار الحرب الاقتصادية تظهر في حياة السكان اليومية: تراجع العملة، ارتفاع الأسعار، نقص السلع، هجرة الكفاءات، وتراجع القدرة الشرائية، ومع طول أمدها قد تتحول من ضغط على الحكومة إلى أزمة اجتماعية واسعة.
ورغم ذلك، أثبتت إيران قدرتها على الالتفاف جزئياً على العقوبات عبر طرق تجارية بديلة وعلاقات مع الصين وشركاء إقليميين. إلا أن المشكلة لا تكمن في استمرار بيع النفط، بل في ارتفاع تكلفة الالتفاف نفسها: الخصومات الكبيرة، القنوات المالية المعقدة، وتكاليف النقل والتأمين والوسطاء، ما يدفع الاقتصاد نحو التآكل حتى مع استمرار الصادرات.
إعادة تنظيم الشرق الأوسط
تكتسب سوريا أهمية خاصة في الحسابات الإيرانية، إذ لم تكن مجرد حليف سياسي، بل جزءاً من عمقها الاستراتيجي ومسار تواصلها مع لبنان، ومع تغيّر البنية السياسية في دمشق بعد 2024، وتخفيف واشنطن القيود الاقتصادية ورفع اسم سوريا من قائمة الإرهاب، باتت البلاد تتجه نحو ترتيب جديد يحد من البيئة التي اعتادت عليها طهران.
وتُظهر التحولات الإقليمية الأخيرة أن بيئة إيران الاستراتيجية تتغير بسرعة، فالتطورات المتعلقة بالقضية الكردية في تركيا وسوريا والعراق تحمل لإيران وجهين متناقضين: إما خفض التوترات على حدودها إذا اتجهت نحو تسوية سياسية، أو زيادة الضغوط، إذا أدّت إلى تعزيز المؤسسات والحقوق الكردية في دول الجوار، بما ينعكس على الداخل الإيراني. وفي الوقت نفسه تعمل تركيا على توسيع نفوذها عبر إدارة الملف الكردي، وترسيخ حضورها في سوريا وتعزيز علاقاتها مع العراق، ما يدعم صعودها كقوة إقليمية مؤثرة، ويضع إيران أمام بيئة أكثر استقلالاً عن نفوذها.
ويبرز العراق كعامل حاسم في هذه المعادلة؛ فهو بالنسبة لإيران مجال نفوذ وشريك اقتصادي، لكنه أيضاً ساحة محتملة للصراع إذا اختل توازن سياسته الخارجية، وإذا اتجه العراق نحو سياسة أكثر استقلالاً، سيتراجع النفوذ الإيراني المباشر، أما إذا انزلق إلى صراع جديد فقد تستخدمه طهران لتخفيف الضغط العسكري عن حدودها مقابل كلفة إقليمية أعلى، كما تكتسب منطقة شمال كردستان أهمية مضاعفة بوصفها نقطة التقاء مصالح إيران وتركيا والعراق وسوريا، ما يجعلها محوراً حساساً في أي نظام إقليمي جديد.
وعلى الصعيد الأمريكي، قد تؤثر انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/نوفمبر القادم على مسار الحرب، خصوصاً مع ارتفاع تكاليفها الاقتصادية وانعكاسها على حياة الناخبين، وتشير تقارير إلى أن الضغط الاقتصادي الناتج عن الحرب أثر على شعبية الإدارة الحالية، ودفع بعض الجمهوريين إلى الابتعاد عن السياسات المثيرة للجدل، وإذا حافظ الجمهوريون على مواقعهم، قد يمتلك الرئيس هامشاً أوسع لمواصلة سياسة الضغط على إيران، لكن ذلك لا يعني بالضرورة حرباً شاملة؛ إذ قد يُفضل مزيج من العقوبات الثانوية والضغط على صادرات النفط والعمليات المحدودة، أما إذا مُني الحزب بخسارة كبيرة فقد تتجه الإدارة إما نحو تسويات سياسية لتقليل كلفة الحرب، أو نحو تصعيد عسكري لفرض واقع جديد، دون وجود مسار محسوم.
وفي المحصلة، لا تُعد انتخابات التجديد النصفي العامل الوحيد في تحديد اتجاه الحرب، بل جزءاً من شبكة أوسع تشمل أسعار النفط وضع مضيق هرمز، الخسائر الاقتصادية الأمريكية، الرأي العام، وحدة الحزب الجمهوري، قدرة إيران على الصمود والوضع في إسرائيل، ومع ارتفاع أسعار الوقود وتزايد الضغوط المعيشية، أصبحت الحرب قضية داخلية أمريكية أيضاً، ما يجعل شكل الضغط على إيران العامل الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة. وهذا النمط هو الحرب الهجينة التي تتشكل الآن؛ حرب تُستخدم فيها الطائرات والصواريخ، إلى جانب البنوك والعقوبات والدبلوماسية، كأدوات ضغط ضد بعضها البعض.
لكن إذا خسر الجمهوريون، سيزداد الوضع تعقيداً بالنسبة لترامب، قد يُنظر إلى استمرار الحرب كأحد عوامل هزيمة الجمهوريين الانتخابية، وستدعو تيارات مختلفة داخل الحزب الجمهوري إلى تقليص الالتزامات العسكرية، في مثل هذه الحالة، يمكن تقديم المفاوضات مع إيران لا من منظور الضعف، بل كحلٍ للخروج من حرب مكلفة، من جهة أخرى قد يرغب ترامب في تحقيق نتيجة سريعة وتغيير المناخ السياسي من خلال تنفيذ عملية عسكرية واسعة النطاق قبل الانتخابات أو بعدها، هذا ما يجعل من الصعب التنبؤ بسلوك الولايات المتحدة.
ثمن الحرب
أما من الجانب الإيراني فالوضع لا يقل تعقيداً، فإذا رأت طهران أنها قادرة على الصمود أمام الضغوط الاقتصادية لسنوات مع الحفاظ على قوتها العسكرية والإقليمية قد تستمر في المقاومة، لكن إذ ترافقت الضغوط الاقتصادية مع تراجع في عمقها الاستراتيجي، وانخفاض عائدات النفط وتغير الأوضاع في سوريا والعراق، وتزايد الضغوط الاجتماعية، فإن حسابات الربح والخسارة بالنسبة لطهران ستتغير، في مثل هذه الحالة لا يعني التفاوض بالضرورة الاستسلام، بل يمكن اعتباره وسيلة لإعادة بناء القوة الداخلية والحفاظ على البنية السياسية، وهنا ربما يبرز السؤال الأهم: ما هي التكلفة التي سيتكبدها المجتمع الإيراني؟
ولا تُقاس أي حرب في نهاية المطاف بعدد الصواريخ والطائرات التي أُطلقت؛ بل يُعد حجم الضرر الذي تُلحقه بحياة الناس معياراً هاماً أيضاَ، فالنساء والأطفال ليسوا مجرد ضحايا جانبيين للحرب، بل هم من أهم المؤشرات الاجتماعية لتكاليفها، فالنساء اللواتي يُثقل كاهلهن عبء إضافي يتمثل في رعاية أسرهن وتوفير احتياجاتها عندما يُقتل أو يُصاب أفرادها، والأطفال الذين يفقدون أمنهم وتعليمهم، والأسر التي تُجبر على الهجرة أو النزوح، وجيل يرى مستقبله بين الحرب والعقوبات الاقتصادية، كل ذلك يُجسّد الواقع الإنساني لهذا الصراع.
إذا استمرت الحرب الاقتصادية، فقد يزداد الضغط على النساء والأطفال حتى بدون هجمات عسكرية، فالتضخم وانخفاض القدرة الشرائية، وصعوبة الحصول على بعض السلع وانخفاض دخل الأسرة وعدم استقرار الوظائف، كلها عوامل تؤثر بشكل مباشر على بنية الأسرة.
قد لا يرى الطفل صاروخاً، لكنه يُحرم من التعليم المناسب والغذاء الكافي والشعور بالأمان، قد لا تكون المرأة في الخطوط الأمامية للحرب، لكنها قد تتحمل عبء عائلة بأكملها دمرتها الحرب اقتصادياً وإنسانياً، لذا إذا أردنا الحديث عن "الفوز" أو "الخسارة" في الحرب، فعلينا أن ننظر إلى ما أحدثته في حياة السكان.
تواجه إيران خطراً أكبر في هذا الوضع: التوسع الاستراتيجي المفرط، فالدولة التي ترغب في الوقت نفسه في مقاومة الولايات المتحدة وإسرائيل، والحفاظ على نفوذها الإقليمي ودعم حلفائها، وإعادة بناء قدراتها الصاروخية والنووية، وإدارة اقتصادها الخاضع للعقوبات، وكل هذه الأمور تحتاج إلى موارد هائلة.
إذا انخفضت هذه الموارد، تتسع الفجوة بين الأهداف الاستراتيجية والقدرات الفعلية للبلاد، وهنا قد تتشابك القوى الخارجية والداخلية: فمع ازدياد تكلفة الحفاظ على الشبكات الإقليمية يزداد الضغط الاقتصادي الداخلي، ومع ازدياد هذا الضغط، قد تلجأ الحكومة إلى مزيد من التضييق الأمني الداخلي للحفاظ على سيطرتها السياسية.
وقد لا تؤثر الحرب الاقتصادية على اقتصاد إيران فحسب، بل على بنيتها السياسية أيضاً، مع ذلك لا ينبغي الجزم بأن العقوبات الاقتصادية ستؤدي حتماً إلى انهيار النظام، فقد النظام تحت الضغط لفترة طويلة، مما يُحمل المجتمع تبعات ذلك، لذلك قد لا يكون الخطر الرئيسي هو الانهيار السريع بل التآكل التدريجي؛ تآكل رأس المال الاجتماعي، والاقتصاد، ومتوسط العمر المتوقع، وهجرة العمال المهرة وتحويل الأزمة إلى وضع طبيعي.
أربعة مسارات
وإذا استمر هذا الوضع، يمكن تصور أربعة مسارات رئيسية لمستقبل إيران: أولاً سيؤدي الاتفاق السياسي وخفض التوترات أي الضغط العسكري والاقتصادي في نهاية المطاف إلى استنتاج كلا الجانبين بأن تكاليف استمرار الحرب تفوق فوائدها، ثانياً استمرار الحرب الاقتصادية على المدى الطويل فلا إيران تستلم ولا الولايات المتحدة وإسرائيل تعودان إلى حرب شاملة، ونتيجة لذلك تستمر العقوبات الاقتصادية والتهديدات والمفاوضات والمواجهات المحدودة لسنوات.
ثالثًا، حرب محدودة ومتكررة؛ تتكرر الهجمات العسكرية في أوقات مختلفة، لكن لا ينخرط أي من الجانبين في حرب شاملة. رابعاً السيناريو الأكثر خطورة هو العودة إلى حرب أوسع نطاقاً، عندما تصل الضغوط الاقتصادية والسياسية إلى نقطة يشعر فيها أحد الجانبين أن الطريقة الوحيدة لتغيير حسابات الآخر هي استخدام القوة العسكرية على نطاق أوسع.
ويعتمد احتمال حدوث كل من هذه السيناريوهات على مجموعة من العوامل: نتيجة انتخابات التجديد النصفي للولايات المتحدة، وحالة أسعار الطاقة، ومدى تقبل المجتمع الأمريكي لاستمرار الحرب، والقوة الاقتصادية لإيران والوضع في مضيق هرمز، والتطورات في سوريا والعراق، ومسار القضية الكردية في تركيا وسوريا، ودرجة التماسك الداخلي في إيران، والأهم من ذلك ما إذا كانت طهران وواشنطن ستخلصان في نهاية المطاف إلى اتفاق غير مكتمل أفضل من حرب لا نهاية لها.
لعل أهم تغيير في الوضع الراهن هو أنه لا يمكن لأي طرف تحقيق هدفه النهائي بالنصر العسكري وحده، تستطيع الولايات المتحدة استهداف البنية التحتية الإيرانية، لكنها لا تستطيع إرساء استقرار سياسي في إيران بالقصف فقط، تستطيع إيران الرد بالصواريخ والطائرات المسيرة وزيادة تكلفة المواجهة على الطرف الآخر، لكنها لا تستطيع حماية اقتصادها من الضغوط العالمية بالمقاومة العسكرية وحدها، تستطيع إسرائيل إضعاف القوة العسكرية لإيران لكنها لا تستطيع تحديد مستقبلها السياسي بمفردها، تستطيع تركيا أيضاً تعزيز نفوذها في سوريا والقضية الكردية، لكنها لا تستطيع التحكم في جميع التطورات في المنطقة بين الكرد، كما تُظهر التطورات الأخيرة في المنطقة أن موازين القوى في سوريا وحولها لا تزال تتغير على رقعة الشطرنج في الشرق الأوسط، لا يستطيع أي لاعب تحديد مصير جميع القطع بمفرده.
من هنا نستنتج: قد لا تكون الحرب المستقبلية مع إيران حرب صواريخ بل حرب قدرات؛ قوة اقتصادية واجتماعية وسياسية وعسكرية ودبلوماسية، والطرف الذي يستطيع الحفاظ على هذه القدرات بشكل أفضل سيكون في وضع أفضل.
إذا استطاعت إيران إعادة بناء اقتصادها، وتحقيق توازن أكبر في علاقاتها الإقليمية، ومنع تحول جميع النزاعات الخارجية إلى قضايا أمنية، فبإمكانها تخفيف الضغط، في المقابل إذا أنفقت كل مواردها على حرب دائمة، فقد تُستنزف اقتصادياً واجتماعياً دون أن تُمنى بهزيمة كاملة على الصعيد العسكري.
وفي نهاية المطاف لن يتحدد مستقبل إيران في ساحة المعركة فحسب، بل أيضاً بالقرارات التي ستُتخذ بعد الحرب، فإذا كان وقف إطلاق النار مجرد فرصة للتحضير للحرب القادمة ستكون الحرب الاقتصادية مجرد مرحلة بين حربين عسكريتين، أما إذا أصبح وقف إطلاق النار بداية لحوار حقيقي، وخفض للتصعيد وإعادة بناء اقتصادية، وإعادة تعريف للمصالح الوطنية، فإنه يمكن إيقاف هذه الدوامة، ويبقى السؤال الأهم: هل وقف إطلاق النار نهاية للحرب أم مجرد فرصة للحرب القادمة؟ إن ما تواجهه إيران اليوم هو خيار تاريخي بين "استمرار هذه الدوامة" و"كسرها ".
إن استمرار هذه الدورة يعني حرباً عسكرية، ووقفاً للعنف وعقوبات اقتصادية، وضغوطاً اقتصادية، ومقاومة، وهجمات محدودة، ورداً عسكرياً، ثم العودة إلى الحرب، أما كسر هذه الدورة فيعني التسليم بحقيقة أن أياً من الطرفين لا يستطيع القضاء على الآخر تماماً؛ لذا لا بد من إيجاد سبيل للتعايش مع واقع قوة الطرف الآخر.
إذا لم يحدث هذا التغيير، فقد تكون حرب الأيام الاثني عشر وحرب الأيام الأربعين مجرد الفصلين الأولين من صراع أطول بكثير؛ صراع يتغير فيه شكل الحرب في كل مرة، ولكن يتم نقل تكاليفه تدريجياً إلى المجتمع.
في المستقبل، يمكن أن تكون النساء والأطفال المعيار الأكثر صدقاً لتقييم نتائج الحرب، فإذا افتقر الأطفال بعد سنوات من الحرب إلى الأمن ومستقبل أفضل، وإذا تحملت النساء عبئاً أثقل من الفقر وعدم الاستقرار، وإذا فقد المجتمع الأمل في المستقبل، فلن تستطيع مزاعم النصر العسكري من أي من الطرفين إخفاء حقيقة الفشل الاجتماعي، قد تنتهي الحرب على الخرائط العسكرية بانتصار أحد الجانبين، لكنها في حياة السكان قد تستمر لسنوات.
من هذا المنظور، لم يعد السؤال الأهم هو عدد الصواريخ التي ستمتلكها إيران في الحرب القادمة، أو عدد الطائرات التي سترسلها الولايات المتحدة، أو حجم البنية التحتية الإيرانية التي ستستهدفها إسرائيل، بل السؤال الأكثر جوهرية هو أي طرف سيتوصل عاجلاً إلى استنتاج مفاده أن الاستمرار في هذا المسار لم يعد يصب في مصلحته.
إذا توصلت طهران إلى هذا الحساب عاجلاً، فقد تحول بعض الضغوط الاقتصادية والسياسية إلى فرصة لإعادة الإعمار، وإذا توصلت واشنطن وإسرائيل إلى مثل هذا الاستنتاج، فقد تتجهان نحو اتفاق محدود ولكنه دائم بدلاً من محاولة إجبار إيران على الاستسلام الكامل، لكن إذا لم يقبل أي من الطرفين هذه الحسابات، فإن احتمال تحول الحرب الاقتصادية مرة أخرى إلى حرب عسكرية أوسع سيزداد.
لذا، لا يمكن التنبؤ بمستقبل إيران بمجرد التنبؤ، فإيران تمر بمرحلة إعادة تشكيل وتغيير إقليمي؛ والولايات المتحدة تواجه انتخابات التجديد النصفي وتكاليف الحرب الداخلية؛ وتركيا تعيد صياغة سياستها تجاه الكرد وسوريا؛ والعراق يحاول تحقيق التوازن بين إيران وتركيا والولايات المتحدة والعالم العربي؛ وسوريا دخلت مرحلة جديدة، كما أن الاقتصاد الإيراني يتعرض لضغوط متزايدة. جميع هذه العوامل مترابطة، لذلك ربما تكون الحرب المستقبلية مع إيران قد تشكلت في البنوك، وسوق النفط، والانتخابات الأمريكية، والمفاوضات الدبلوماسية، والتطورات في كردستان وسوريا والعراق قبل إطلاق أول صاروخ.
لعل هذا هو الدرس الأهم من الحروب الجديدة: لم تعد الحرب مقتصرة على ساحة المعركة بل يمكن خوضها في الاقتصاد والسياسة والإعلام والانتخابات والحدود، وحتى في عقول السكان، قد تكون الصواريخ المرحلة الأخيرة من الأزمة، لا الأولى.
إذا فشلت إيران وخصومها في وقف هذه الدوامة، فقد تتحول الحرب الاقتصادية الحالية إلى حرب عسكرية غداً، وقد تعود الحرب العسكرية إلى فرض عقوبات وحصار اقتصاديين، في هذه الدوامة لا منتصر دائم، وما يبقى هو مجتمع يدفع ثمن قرارات القوى المهيمنة. يعتمد مستقبل إيران إلى حد كبير على القدرة على كسر هذه الحلقة المفرغة، وهي حلقة تنقل الحرب من المجال العسكري إلى الاقتصاد، ومن الاقتصاد إلى السياسة، ومن السياسة إلى المجتمع، ثم تعود من المجتمع إلى ساحة المعركة.