بين الوعود والانتظار... خريجات تونس يفترشن الأرصفة بحثاً عن حق العمل
تفترش المعتصمات الأرصفة أمام مقر الوزارة، في ظل درجات حرارة مرتفعة، مستعينات بأغطية ومفروشات بسيطة وحقائب تحوي احتياجاتهن اليومية، في مشهد يعكس إصرارهن على مواصلة الاحتجاج حتى الاستجابة لمطالبهن.
نزيهة بوسعيدي
تونس ـ أكدت مشاركات في اعتصام أمام وزارة المرأة التونسية، أن معايير الانتداب الجديدة لا تراعي سنوات الانتظار الطويلة ولا ظروف الخريجات الأكبر سناً، مشددات على ضرورة اعتماد الانتداب المباشر لضمان تكافؤ الفرص.
منذ الـ 19 من حزيران/يونيو وإلى اليوم، تواصل خريجات معهد قرطاج درمش المختصات في تربية الطفولة، من صاحبات الشهادات العليا المعطلات عن العمل، اعتصامهن المفتوح أمام مقر وزارة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن في العاصمة التونسية، للمطالبة بحقهن في التشغيل بعد سنوات طويلة من البطالة، ورفضاً لتعديل معايير الانتداب التي يعتبرنها مجحفة ولا تنصف دفعات التخرج القديمة.
ورفعن شعارات تعبر عن خيبة أملهن من سنوات الدراسة الطويلة التي لم تفضِ إلى فرصة عمل، من بينها شعار "قريت قريت وشديت الحيط"، في إشارة إلى البطالة التي لازمنهن رغم حصولهن على مؤهلات جامعية متخصصة.
مطالب بالتشغيل ورفض لتغيير معايير الانتداب
وقالت وفاء بوعلاقي، عضوة تنسيقية أصحاب الشهادات العليا المعطلين عن العمل من خريجي قرطاج درمش، والتي تشارك في الاعتصام، إن المعهد يعد المؤسسة الجامعية الوحيدة في تونس، ومن بين المؤسسات المتخصصة على مستوى القارة الأفريقية، التي تُخرّج إطارات متخصصة في تربية الطفولة، لتأمين الكوادر التربوية في مؤسسات الطفولة العمومية.
وأوضحت أن آلية الانتداب في القطاع كانت تعتمد سابقاً على دراسة الملفات وفق معايير واضحة وشفافة، تقوم على مبدأ تكافؤ الفرص، مع إعطاء الأولوية لسنة التخرج وسن المترشح.
وأضافت أنه في سنة 2016 تم الاتفاق على منح نقطة إضافية عن كل سنة عمر للمترشح، ثم عُدّل النظام سنة 2020 بمنح خمس نقاط إضافية لكل خريج تجاوز سن الخامسة والثلاثين، بهدف حماية حقه في الانتداب قبل بلوغ السن القصوى للالتحاق بالوظيفة العمومية.
وأكدت أن الخريجات واصلن العمل في القطاع الخاص خلال السنوات الماضية بأجور متدنية، على أمل تسوية أوضاعهن وإدماجهن في الوظيفة العمومية، خاصة بعد إعلان وزارة المرأة عن نيتها فتح نحو 170 خطة انتداب خلال العام الجاري، وهو ما منحهن أملاً بقرب إنهاء سنوات الانتظار.
اعتراض على تخصيص جزء من الخطط لخريجي التدريب المهني
وأشارت وفاء بوعلاقي إلى أن الوزارة قررت لاحقاً تقليص عدد الخطط المخصصة لخريجات المعهد وتحويل نحو خمسين خطة إلى خريجي التدريب المهني، معتبرة أن هذا القرار يثير تساؤلات في ظل وجود نحو ألفي خريج وخريجة متخصصين في مجال الطفولة ما زالوا في انتظار التوظيف.
وأضافت أن معايير الانتداب الجديدة تتضمن شروطاً تعتبرها التنسيقية إقصائية، وتبتعد عن مبدأ الشفافية الذي تم الاتفاق عليه سابقاً.
وأكدت أن 12 خريجة يواصلن اعتصامهن المفتوح أمام مقر الوزارة منذ 19 حزيران/يونيو الماضي، ولم يثمر تحركهن سوى عن لقاء واحد وصفته بأنه غير رسمي ولم يسفر عن أي نتائج عملية، مشيرة إلى أن الوزارة لا تزال متمسكة بقرارها بشأن آلية الانتداب الجديدة، رغم اعتراض المعتصمات عليها.
وترى المحتجات أن تغيير آلية الانتداب في هذه المرحلة يمثل إخلالاً بمبدأ المساواة بين دفعات الخريجين، متسائلات عن سبب اعتماد الانتداب المباشر بالملفات لفئات سابقة، ثم إخضاع الدفعات الحالية لمناظرات تنافسية بعد سنوات طويلة من الانتظار.
سنوات من البطالة والعمل الهش
من جهتها، قالت حبيبة بن عرب، وهي أستاذة تربية طفولة وخريجة معهد قرطاج درمش، إن الاعتصام يأتي بعد أكثر من ستة عشر عاماً من البطالة والتهميش، مؤكدة أن العديد من الخريجات اضطررن للعمل في القطاع الخاص أو ضمن جمعيات بأجور لا تتجاوز في بعض الأحيان مئتي دينار تونسي شهرياً، في ظروف وصفتها بأنها غير مستقرة ولا توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية.
وأضافت أن المحتجات يطالبن بالانتداب المباشر، معتبرات أن إخضاع خريجات تجاوزن التاسعة والثلاثين أو الأربعين من العمر لمناظرات جديدة بعد سنوات من الانتظار لا يراعي أوضاعهن الاجتماعية ولا المسار الذي اتُّبع سابقاً في انتداب زميلاتهن.
انتقاد لاختلاف ظروف الدراسة بين الدفعات
وأشارت إلى أن المنافسة في المناظرات الحالية تجمع بين خريجات دفعات قديمة وأخريات حديثات التخرج حصلن على معدلات مرتفعة، معتبرة أن ظروف الدراسة تغيّرت بشكل كبير مع تطور الوسائل الرقمية والتقنيات الحديثة التي أصبحت متاحة للطلبة، بينما كانت الدفعات السابقة تعتمد على وسائل بحث تقليدية ومعايير تقييم أكثر صرامة.
وأوضحت أن الخريجات لا يرفضن مبدأ المناظرات من حيث المبدأ، لكنهن يعتبرن أن المقارنة بين دفعات درست في ظروف أكاديمية مختلفة لا تحقق العدالة، خاصة بعد سنوات طويلة قضينها في انتظار دورهن في الانتداب وفق الآليات التي كانت معتمدة سابقاً.
وتؤكد المعتصمات أن تحركهن يهدف إلى الدفاع عن حقهن في التشغيل وحماية مبدأ تكافؤ الفرص، داعيات وزارة المرأة إلى مراجعة معايير الانتداب الجديدة وفتح حوار جاد مع ممثلات التنسيقية للوصول إلى صيغة تضمن إنصاف خريجات الدفعات القديمة، اللاتي ينتظر بعضهن فرصة العمل منذ أكثر من عقد ونصف، في وقت لا يزال فيه الاعتصام المفتوح متواصلاً بانتظار استجابة رسمية لمطالبهن.