باحثات وناشطات يناقشن أول موسوعة نسوية توثق مسار الحركة النسوية في تونس

سلّط اللقاء الفكري الذي نظّمته جمعية النساء الديمقراطيات الضوء على تطوّر الحركة النسوية في تونس، من خلال مناقشة كتاب دلندة الأرقش "قاموس النسويات"، بمشاركة باحثات وناشطات قدمن قراءات معمقة في تاريخ نضالات النساء على امتداد قرن.

نزيهة بوسعيدي

تونس ـ أجمعت المشاركات في اللقاء الفكري، على أنّ توثيق تاريخ الحركة النسوية ضرورة أساسية، وأنّ التغيير يتحقق عبر التراكم، مع التأكيد على الدور المركزي للنساء في صنع تاريخ تونس وضرورة نقل هذا الإرث للأجيال الجديدة في مواجهة الخطابات المعادية لحقوق النساء.

نظّمت جمعية النساء الديمقراطيات أمس الجمعة 24 نيسان/أبريل لقاء فكري لنادي القراءة النسوي، باعتباره فضاءً فكرياً لمناقشة الإصدارات الحديثة حول قضايا المرأة، وقد خُصِّصت هذه الندوة لمناقشة كتاب المؤرخة دلندة الأرقش الصادر حديثاً، والذي يحمل عنوان "قاموس النسويات: تونس، قرن من النسوية".

واستُهل اللقاء بمداخلة قدّمت فيها المؤرخة دلندة الأرقش لمحة عن كتابها، الذي يُعدّ دراسة معمّقة لمسار الحركة النسوية في تونس منذ بداياتها في مطلع القرن العشرين وصولاً إلى عام 2011.

وأشارت الكاتبة إلى أنّ النسوية التونسية أسهمت بشكل جوهري في صياغة مصير البلاد، من خلال نضالات متراكمة خاضتها أجيال متعاقبة من النساء دفاعاً عن المساواة في الحقوق، ومشاركتها الفاعلة في تحديد مسارات التطور السياسي والاجتماعي، مضيفةً أن هذا القاموس يأتي ليؤكد أنه لا يمكن كتابة تاريخ تونس بمعزل عن النساء ودورهن المركزي في مختلف محطاته.

 

عمل نسوي

وفي السياق نفسه، أوضحت الناشطة النسوية فتحية السعيدي أنّ هذا القاموس يُعدّ عملاً نسوياً يمنح صورة شاملة عن تونس بين عامي 1920 و2010، من خلال تتبّع تطوّر الحركة النسوية في مختلف تجلياتها، فالمؤلَّف يستعرض النسوية الإسلامية عبر الإشارة إلى بشير بن مراد واتحاد النساء المسلمات، وفي الوقت ذاته يتناول إسهامات الطاهر الحداد، ثم تجربة اتحاد النساء التونسيات المرتبط بالحزب الشيوعي، الذي قدم رؤية مختلفة وكان منطلقاً لظهور جمعية النساء الديمقراطيات.

كما تطرّقت إلى نشأة "نسوية الدولة" التي حظيت بالعديد من الامتيازات في سياق سياسي واجتماعي معيّن، ثم إلى بروز النسوية المستقلة، ومن بينها جمعية النساء الديمقراطيات وجمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية، إضافة إلى دور الاتحاد الوطني للمرأة.

 

فضاءً لتبادل الأفكار

من جانبها، قالت الناشطة النسوية نبيلة حمزة، عضو الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات وأحد الأعضاء المسيرين للنادي "اليوم يلتئم لقاء نادي القراءة الذي بعثته جمعية النساء الديمقراطيات ليكون فضاءً لتبادل الأفكار وتحييها والنقاش حولها، وهو لقاء شهري يتناول مختلف المنتوجات الفكرية النسوية للكاتبات والباحثات والمؤرخات، باختلاف أفكارهن ومشاربهن".

وأوضحت أنّ اللقاء الفكري خُصِّصت لتقديم ومناقشة أول موسوعة نسوية في تونس، وهي موسوعة تضم 144 سيرة ذاتية لنساء كان لهن تأثير بارز في تاريخ البلاد على امتداد قرن كامل، من حركة التحرير وصولاً إلى اليوم، مروراً بفترتي بورقيبة وبن علي.

وبيّنت أنّ إعداد هذه الموسوعة تطلب جهداً كبيراً، إذ إن جمع هذا العدد من السير الذاتية لنساء مختلفات في الخلفيات والتوجّهات والأفكار عبر مراحل تاريخية متباينة ليس مهمة سهلة "أعتقد أنّه عمل مهم جداً، ونأمل أن يكون خطوة أولى، إذ لدينا برنامج لإصدار موسوعة ثانية تُعنى بالنسويات الشابات اللواتي انخرطت أغلبهن في العمل النسوي بعد ثورة 2011".

 

"التغيير الحقيقي يتحقق عبر النضال"

وقالت نجاة عرعاري، منسّقة جبهة النساء والحقوقيات، إنّ عضوات جمعية النساء الديمقراطيات يستحقن الشكر على تنظيم هذا اللقاء الفكري، كما وجّهت تحية للنسويات اللواتي تركن إرثاً نضالياً مهماً، لولاه لما تحققت مكاسب النساء في تونس، مشيرةً إلى أن تاريخ النسوية في تونس يتجسّد اليوم في هذا القاموس النسوي، مؤكدة أنّ التغيير الحقيقي يتحقق عبر التراكم، وأنّ من لا يمتلك ماضياً لا يمكن أن يصنع حاضراً أو يخطط لمستقبل.

وفيما يتعلّق بالاهتمام بالأجيال القادمة، قالت إنّها شخصياً تنتمي إلى جيلين، الجيل النسوي الأول الذي أسّس الجمعيات النسوية، والجيل الثاني الذي تتلمذت على يديه، وخلصت إلى أنّ الحركة النسوية ليست منفصلة عن السياق الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، إذ أن قراءة مسار الحركة النسوية تتيح في الوقت نفسه تاريخ بلد كامل والتحولات التي مر بها.

وشدّدت على أنّ مثل هذه المنشورات يجب تثمينها وترجمتها إلى لغات أخرى، خاصة في ظل الصعوبات التي يواجهها جيل اليوم مع اللغة الفرنسية، مقابل اهتمامه المتزايد بالإنجليزية أو العربية، مضيفةً أن هذا الجيل لا يُقبل كثيراً على المطالعة، ما يستدعي التفكير في طرق جديدة لإيصال محتوى الكتاب، مثل اعتماد الفيديو وتبسيط المعلومة "أنّنا نعيش اليوم في سياق وطني وإقليمي ودولي متردٍّ، يتّسم بتصاعد الخطاب المعادي للحركة النسوية وحقوق النساء، وهو ما يجعل من نشر المعرفة النسوية وتعميمها ضرورة ملحّة".