"أوزالايا"... مبادرة نسائية لتحويل تحديات المناخ إلى سياحة مستدامة

تجسد تجربة النساء المشاركات في مبادرة "أوزالايا" نموذجاً ملهماً للسياحة البديلة التي تحمي البيئة وتضع الإنسان في قلب المشروع، مؤكدةً أن التنمية الحقيقية تنطلق من المكان وأهله ومن الثقة في قدرات النساء.

إخلاص الحمروني

تونس ـ في قلب جبل الوسلاتية بولاية القيروان، حيث تتعانق الغابات بالآثار وتختزن الأرض ذاكرة الأجداد، وُلدت مبادرة "أوزالايا" (OUZALAEA) التي أطلقتها منظمة "أصواتهن"، لتمثل نموذج رائد للسياحة المستدامة تقودها اثنتان وثلاثون امرأة من أبناء المنطقة، يسعين إلى تثمين تراثهن ومهاراتهن التقليدية وثراء بيئتهن الطبيعية، وتحويلها إلى نشاط اقتصادي قار يواجه تحديات التغير المناخي.

جاء الإعلان عن انطلاق هذه المبادرة خلال احتفال نظم أمس السبت 7 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 بالوسلاتية، تضمن برنامج غني شمل اكتشاف المواقع الأثرية بقصر لمسة وسيدي عمارة، والتجوال في جبل وسلات، تذوق المأكولات المحلية ولقاءات مع النساء اللواتي يُحيين هذه المبادرة ويقفن خلف نجاحها.

 

من التحدي المناخي إلى مسلك سياحي إيكولوجي

تُعد هذه المبادرة، بحسب ما أوضحته داليا مبروك، منسقة هذا المشروع، ثمرة وعي نسائي في هذه المنطقة بأن التحديات المناخية ليست قدراً محتوماً، بل دافعاً للبحث عن حلول مبتكرة في منطقة جبلية وغابية "بحكم أن النساء اعتدن على الإنتاج من المنطقة وللمنطقة، فكرن في إنشاء مسلك سياحي إيكولوجي بيئي يجمع بين الحفاظ على الطبيعة وتوفير نشاط اقتصادي قار".

وأشارت إلى أن هذا النشاط يوجد في المكان الذي ولدن وتربين وعشن فيه، ويمثل فرصة لتشجيع سياحة بديلة لا تستهلك البيئة ولا الطاقات غير المتجددة، وتكون قريبة من المواطنين وتدر بالنفع عليهم، وتتيح لهم الإحساس بأهمية الحفاظ على البيئة وبالآثار السلبية للتغيرات المناخية.

وأوضحت أن المشروع يضم حالياً 32 امرأة لأنه مشروع نسوي طموح، مع تمنيهن أن يتوسع أكثر ليشمل العديد من الأماكن للسياحة (أماكن جبلية، غابات، زيارة المغارات الجبلية، ونشاطات أخرى فلاحية). وبحكم أن أغلب نساء المنطقة يمارسن الفلاحة، يمكن في المواسم الفلاحية للزوار أن يشاركن النساء نشاطهن الفلاحي، مثل قطف الزيتون أو الإكليل أو الزعتر، على أن تعود العائدات المالية بالطبع إلى النساء.

وفي سياق حديثها، بينت داليا مبروك أن النساء يقترحن تعريف الزوار بالمخزون الغذائي للمنطقة وتقديم أكلات شعبية لهم، ويقمن باستقبال الزوار في المجامع الفلاحية، خاصة وأن النساء اعتدن على العمل بطريقة جماعية وينشطن في إطار مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.

 

باحثة أركيولوجية تضع خبرتها في خدمة الموروث المحلي

منى عبداوي، وهي باحثة أركيولوجية من هذه المنطقة، لم تتمكن بعد من الاستقرار المهني الكامل، واختارت أن تعمل قائدة سياحية لترافق الزائرين وتضع خبرتها في خدمة التعريف بموروثها الطبيعي والثقافي، وتقول إن هذا اللقاء يأتي في إطار فعالية افتتاح مشروع "أوزالايا"، وهو مشروع نسائي بحثي يقوم على مسار سياحي.

وأضافت "النساء المشاركات في المشروع يرغبن في إحداث مسار سياحي خاص بهن، يستطعن فيه بيع منتجاتهن بأسعار معقولة في منطقتهن، بحيث لا تضطر الواحدة منهن إلى التنقل من مكان إلى آخر، بل يأتيها الحريف إلى موقعها، ويتعرف في الوقت نفسه على المنطقة وعلى خيراتها، وعلى الصور النابضة عن النساء اللواتي يحافظن على موروثهن حتى لا يندثر".

وأشارت إلى أن هذه الفكرة تشجع النساء وتمنحهن فرصة للتقدم، بعد أن كن يفتقرن إلى الثقة في أنفسهن، وكانت لديهن منتجات لا يعرفن أين يبعنها ولا كيف، وكنّ يملكن مشاريع دون أن يستطعن إنجازها، لافتقارهن إلى التغليف والفضاءات التي تتيح لهن البيع.

 

فلاحات يروين أثر المشروع على حياتهنّ

أما حنان ماسي، وهي فلاحة مستفيدة من هذا المشروع، فقالت إنها شاركت فيه منذ عامين، وقررت خوض هذه التجربة بحكم كونها فلاحة، مضيفة "استفدت كثيراً من هذه التجربة، إذ تلقيت العديد من مراحل التدريب في اختصاصات متنوعة نمت معارفي وزادت ثقتي في نفسي"، مشيرة إلى أنها تعلمت كيفية التصرف وإدارة الأزمات حتى في محيط الأسرة.

وبينت أنها كانت تفتقر إلى الثقة في قدراتها وإلى الإحاطة والتدريب، غير أن هذه التجربة علمتها أشياء كثيرة وأفادتها فائدة كبيرة، لافتة إلى أن المجموعة تضم 32 امرأة يكملن بعضهن بعضاً على الرغم من اختلاف مستوياتهن الثقافية، فمنهن من لها مستوى متقدم وأخرى في المستوى الثانوي وغيرهما، ويواصلن التدريب والتعلم يوماً بعد يوم.

وقد ساندتها وردة عذاري، وهي أيضاً فلاحة استفادت من هذا المشروع، وقالت "لقد أصبحنا نعرف حقوقنا التي كنا نجهلها وأيضاً واجباتنا، وأصبحنا نفهم معنى التغيرات المناخية، وشاركنا في دورات تدريبية وقد استفدنا منها".

وأوضحت أن أثر هذا المشروع كان جيداً وأفاد الكثير من النساء، وهي من موقعها تشجع بقية النساء الريفيات اللواتي لم يشاركن في هذا المشروع أن ينضممن إليه لأنه مشروع مربح وناجح وسينجح أكثر في السنوات القادمة لأن منطقتهن سياحية بامتياز وتزخر بالعديد من الثروات الطبيعية التي يمكن الاستفادة منها وتثمينها.

وهكذا، تتحول "أوزالايا" من مجرد مشروع سياحي إلى تجربة متكاملة تجمع بين الحفاظ على البيئة، وتثمين التراث الأثري والثقافي، وتمكين المرأة اقتصادياً واجتماعياً، عبر مسلك سياحي إيكولوجي يقود الزائر في رحلة إلى عمق الجبل والغابة والمغارات، وإلى مائدة الأكلات الشعبية، وإلى حقول الزيتون والإكليل، حيث تُصبح المرأة "الوسلاتية" ليس فقط حارسة للموروث، بل فاعلة رئيسية في التنمية المحلية المستدامة.