اتساع وتيرة الإعدامات والانتهاكات يرسخ تصاعد القمع في إيران
شهدت إيران خلال أسبوع واحد تصاعداً إعدامات وإراقة الدماء، برزت حوادث تكشف اتساع وتيرة القمع إذ ترافقت الإعدامات مع مقتل كولبارين وطفل كردي ومواطنين بلوش، واستمرار احتجاز جثث الضحايا، ما يعكس اتساع الانتهاكات الحقوقية في البلاد.
مركز الأخبار ـ تشهد مدن إيرانية عديدة، من بينها مدن شرق كردستان، ارتفاعاً في وتيرة الانتهاكات التي تطال شرائح مختلفة من السكان، وسط مخاوف من اتساع تأثيرها على الحياة اليومية، وغياب إجراءات فعالة للحد من هذه الممارسات أو محاسبة المسؤولين عنها.
تكشف تقارير حقوقية حديثة عن تصاعد ملحوظ في مستوى القمع داخل إيران، مع تسجيل ما لا يقل عن 109 حالات إعدام خلال شهر حزيران/يونيو الماضي، في ظل اتساع دائرة الانتهاكات التي تشمل الإعدامات المتزايدة، والنقل السري للمحكومين دون إخبار عائلاتهم، واستهداف عمال نقل الوقود ومواطنين من البلوش، ورفض تسليم جثث الضحايا، إضافة إلى الضغوط المتزايدة على أسر المطالبين بالعدالة، وتشير المنظمات الحقوقية إلى أن هذا النهج يتواصل وسط صمت دولي واسع.
وتُظهر مراجعة الإحصاءات الحقوقية أن شهر حزيران/يونيو الماضي شهد إعدام 109 سجناء، بينهم خمسة سجناء سياسيين، ما يعكس زيادة تقارب 10 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، والذي سجل إعدام 99 سجيناً.
ولم تقتصر أحكام الإعدام على سجن بعينه، إذ نُفّذت في عدة مرافق داخل إيران، من بينها عادل آباد في شيراز، ديزل آباد في كرماشان، كاشان، سمنان، سبزوار، ما يعكس استمرار اعتماد السلطات على هذه العقوبة كأداة مركزية للقمع في مختلف أنحاء البلاد، وخلال الأيام الأخيرة، جرى تنفيذ الإعدام بحق عدد من السجناء بينهم محكوم واحد في عادل آباد، وآخر في كاشان، وثالث في ديزل آباد، إضافة إلى أربعة سجناء في كاشان وسمنان وسبزوار، وجميعهم بتهم غير سياسية.
نقل سري
ومع ازدياد عدد عمليات الإعدام، نُشرت تقارير عديدة عن نقل سجناء محكوم عليهم بالإعدام دون علم عائلاتهم أو حتى دون إبلاغ السجناء أنفسهم، وهي طريقة أصبحت شائعة لتنفيذ أحكام الإعدام في الجمهورية الإسلامية في السنوات الأخيرة، إضافةً إلى حرمانهم من حق الزيارة الأخيرة، تُدخل هذه العملية العائلات في حالة قلق وترقب دائمين، مما يُعرضهم لضغوط نفسية شديدة، ولا تعلم العديد من العائلات بمصير ابنائها إلا بعد صدور الحكم أو من خلال مصادر غير رسمية.
من ماريفان إلى سارفاباد
وبالتوازي مع موجة الإعدامات، شهدت المناطق الحدودية في شرق كردستان استمرار إطلاق النار المباشر على الكولبار والمدنيين، إذ قُتل شاب في ماريفان برصاص قوات فوج الحدود أثناء عمله في المرتفعات، ليكون ثاني كولبار يُقتل خلال أربعة أيام فقط، كما أسفرت حادثة أخرى في المنطقة ذاتها على مقتل كولبار آخر بنيران القوات العسكرية، ما يعكس استمرار النهج العنيف ضد العاملين في نقل البضائع عبر الحدود، وفي سارفاباد أطلقت قوات الحدود المتمركزة في قرية داراكي النار على سيارة عائلة كردية دون سابق إنذار، مما أسفر عن مقتل طفل وإصابة والده بجروح خطيرة.
انتظار دام شهراً كاملاً
وشهدت مدينة سراوان واحدة من أكثر الانتهاكات إثارة للصدمة في الأيام الأخيرة؛ فبعد مرور ثلاثين يوماً على مقتل أربعة مواطنين بلوش في عملية نفذتها القوات العسكرية والأمنية، لم تُسلَّم إلى ذويهم سوى جثة واحدة، بينما بقيت الجثث الثلاث الأخرى محتجزة، ما أبقى عائلاتهم في حالة انتظار، ورغم تواصل العائلات مع الجهات المسؤولة خلال الأسابيع الماضية وتدخل شيوخ المنطقة وأمنائها لمتابعة القضية، لم يصدر أي رد بشأن موعد تسليم الجثث. ويؤكد خبراء حقوق الإنسان أن هذا الامتناع، إلى جانب انتهاكه لكرامة الإنسان، يشكّل شكلاً من أشكال العقاب الجماعي وبث الخوف ومنع إقامة مراسم الحداد والإجراءات القانونية.
هدف دائم للضغوط الأمنية
وإلى جانب ازدياد عمليات الإعدام لا تزال عائلات أولئك الذين يسعون إلى تحقيق العدالة أحد الأهداف الرئيسية للضغوط الأمنية التي تمارسها الجمهورية الإسلامية، وفي الكثير من الحالات تواجه العائلات التي ترغب في معرفة مصير أحبائها، أو استلام الجثث، أو إقامة مراسم الحداد، تهديدات واستدعاءات واستجوابات وضغوط أمنية، وأصبح رفض تسليم جثث الموتى، وتقييد الجنازات، ومنع مراسم الحداد، والضغط على الناجين، نمطاً ثابتاً في التعامل مع العائلات التي تسعى إلى تحقيق العدالة؛ وهي سياسة تهدف إلى منع تشكيل المطالب بالعدالة وإسكات أصوات الضحايا.
بلوشستان
وفي بلوشستان يستمر العنف الممنهج، ففي مدينة راسك وردت أنباء عن قيام قوات بملابس مدنية بإطلاق النار مباشرة على شاحنات الوقود دون سابق إنذار، كما أفادت مصادر محلية بمطالبات بمبالغ طائلة للإفراج عن المركبات المصادرة، وهو ما زاد من الضغوط الاقتصادية على الأسر الفقيرة.
وقُتل ثلاثة مواطنين بلوش على الأقل وأُصيب العشرات بجروح في غارات عسكرية أمريكية خلال اليومين الماضيين، وقُتل صيادان بلوشيان في سيريك، وتوفي موظف في مطار إيرانشهر، وفي تشابهار أيضاً قُتلت بروين سيباهي وهي امرأة بلوشية تسكن في حي جنكلوك جراء انفجار وذخيرة، وأُصيب أفراد من عائلتها.
نطاق القمع
وتُظهر سلسلة الأحداث التي وقعت في الأيام القليلة الماضية أن نطاق انتهاكات حقوق الإنسان لا يقتصر على منطقة واحدة فقط، فقد شهدت مدن شيراز، إيلام، مريوان، كرماشان، كاشان سمنان، سبزوار، سراوان تافتان، زاهدان، راسك إيرانشهر، سيريك، جاسك، كوناراك، شابهار أمثلة على الإعدام أو قتل المواطنين أو إطلاق النار من قبل القوات العسكرية أو انتهاك حقوق عائلات الضحايا.
صمت المجتمع الدولي
ويعتقد نشطاء حقوق الإنسان أن الزيادة في عدد عمليات الإعدام، وقتل عمال البناء وناقلي الوقود والمواطنين، والنقل السري للسجناء المحكوم عليهم بالإعدام، ورفض تسليم جثث القتلى، والضغط المستمر على عائلات أولئك الذين يسعون إلى تحقيق العدالة، قد استمرت في ظل وضع لم يكن فيه رد فعل المجتمع الدولي متناسباً مع أبعاد هذه الانتهاكات الواسعة النطاق لحقوق الإنسان.
ويرى المراقبون أن غياب الضغط الدولي الفعال والمساءلة قد أوصل رسالة إلى الجمهورية الإسلامية مفادها أن التكلفة السياسية لمثل هذه الإجراءات ضئيلة؛ وهي قضية قد تؤدي إلى استمرار دوامة الإعدامات والقمع والإفلات من العقاب وزيادة الضغط على العائلات التي لا ترغب إلا في معرفة الحقيقة، وإعادة جثامين أحبائها، وتحقيق العدالة.