انتفاضة Jin Jiyan Azadî تعيد تعريف الحرية في المجتمع الإيراني
.
غلافيز أورين
تجاوزت انتفاضة "Jin Jiyan Azadî" حدود كونها رداً مباشراً على مقتل جينا أميني، إذ تحولت خلال فترة قصيرة إلى حركة اجتماعية واسعة كشفت طبقات عميقة من الأزمات البنيوية التي ظلت كامنة تحت القمع والخوف والصمت لسنوات طويلة، لذلك لا يمكن اختزال معناها في أرقام الاحتجاجات أو الاعتقالات أو الإعدامات ولا في توقيت الانتفاضة أو ذروتها، رغم أنها بلغت مستوى غير مسبوق وهزت البنية السياسية والاجتماعية في إيران بأكملها، فقد مثلت واحدة من أبرز التحولات في التاريخ الإيراني المعاصر، لأنها طرحت سؤالاً جوهرياً حول العقلية التي تنظم الحياة داخل المجتمع.
وفي جوهر هذا الشعار تفهم الحرية بوصفها ممارسة تُبنى من داخل العلاقات الاجتماعية ومن القوة التي يصنعها الإنسان في حياته، لا كمنحة تُعطى من سلطة ما ثم تُسحب متى شاءت، ومن هذا المنظور لم تكن الانتفاضة مواجهةً لقانون أو مؤسسة بعينها، بل اعتراضاً على منظومة فكرية تُصنف الحياة وتتحكم بمساراتها.
وفي هذا الإطار، لم تعد المرأة مجرد فئة اجتماعية بل تحولت إلى محور تاريخي ظل مهمشاً في الأنظمة الاستبدادية، حيث يُنظر إليها كجسد تُفرض عليه القرارات من الخارج، ومع الانتفاضة انتقلت المرأة من موقع المشكلة إلى موقع إنتاج الحل، لتصبح ركيزة في إعادة تعريف الوجود الاجتماعي، فقول المرأة: "لي رأي في جسدي وحياتي وقراراتي" يمثل تأسيساً لوعي جديد في مواجهة نظام يسعى إلى إدارة الحياة من خارجها، وهكذا يغدو الوجود الاجتماعي والهويات المتشكلة داخل المجتمع جوهراً للحياة، لا مجرد امتداد بيولوجي.
أبرز ما حققته انتفاضة "Jin Jiyan Azadî" أن النساء لم يكتفين بتحدي القيود، بل وجهن سؤالاً جوهرياً إلى أنفسهن والمجتمع: من يقرر مصيري ولماذا؟ فتحول هذا السؤال من موقف فردي إلى قضية اجتماعية تكشف أن السيطرة على جسد المرأة تعني بالضرورة السيطرة على الأسرة والقانون والتعليم والعمل والثقافة ما يجعل حرية المرأة شرطاً لحرية المجتمع كله.
وفي مواجهة العزلة التي يفرضها النظام الرأسمالي والاستبدادي، شقت النساء طريقاً نحو مفهوم جديد للحياة والحرية، إذ لم تعد الحياة مجرد استمرار للوجود، بل ممارسة تُبنى بالهوية والاختيار والكرامة، فالحرية بلا حياة تصبح فكرة فارغة، والحياة بلا حرية تتحول إلى وجود آلي، ومن هذا المنظور تطرح الثورة أسئلة تتجاوز السياسة إلى الفلسفة: هل يمكن لمجتمع أن يكون حراً فيما يُحرم نصفه من تقرير مصيره؟ وهل تُعرف حرية المجتمع دون المرأة؟ هذه الأسئلة تعيد صياغة معنى الحياة والحرية بوصفهما أبعاداً متكاملة لمفهوم واحد.
يتضح في انتفاضة "Jin Jiyan Azadî" أن الحرية لا تُختزل في رفع الحظر أو التخلي عن الحجاب، فالقضية أعمق من الرمز ذاته، ما قامت به النساء الإيرانيات كان خطوة أولى في مسار طويل، إذ لم يكن الهدف مجرد رفض السلطة، بل إعادة تعريف الحرية بوصفها قدرة الإنسان على بناء حياته بوعي ومسؤولية وإرادة، ومن هذا المنطلق تصبح الحرية رغبة طبيعية ومسؤولية تاريخية تتطلب فهم الظروف التي تنتج انعدام الحرية ومواجهتها والعمل على تغير شروط الحياة المشتركة.
فالحرية لا تتحقق في مجتمع يحكمه التمييز والعنف والظلم، ولا يكتمل ما لم تنعكس في العلاقات اليومية بين الناس، كما أن مستوى العيش المشترك يرتبط مباشرة بفهم المجتمع للحرية، لأن حياة بلا حرية تتحول إلى وجود آلي، والحرية بلا حياة تصبح فكرة مجردة، لذلك فإن لحظة الحرية التي تفتحها الثورة ليست حدثاً عابراً، بل بوابة نحو إمكانات أوسع، تعيد صياغة العلاقة بين الإنسان وواقعه، وتمنح معنى جديداً للحياة المشتركة.
ما الذي غيره مفهوم الحرية في الحياة في إيران؟
وأحد أبرز إنجازات انتفاضة "Jin Jiyan Azadî" كان التحول العميق في الخطاب السياسي؛ إذ لم تعد قضية المرأة محصورة في إطار "حقوق المرأة"، بل أصبحت محوراً في فهم المجتمع لنفسه. فعندما تهتف امرأة في الشارع، فهي لا تطالب بحقوقها فحسب، بل تضع العلاقة بين السلطة والحياة تحت اختبار تاريخي، وتكشف هشاشة منظومةٍ حكمت المجتمع قرونًا طويلة.
وخلال هذه العملية، خرجت النساء من الأدوار التقليدية التي رسمتها السلطة والمجتمع، وظهرن كقائدات فكريات واجتماعيات، وكاتبات وفنانات ومعلمات وطالبات، مقدمات نموذجاً جديداً للمرأة ودورها، هذا التحول أعاد تعريف الحرية نفسها؛ فلم تعد مجرد حق يُطلب من السلطة، بل قوة للتنمية الذاتية والتنظيم الذاتي والحكم الذاتي، ما جعل حضور النساء في الثورة إعادة صياغة لمفهوم الحرية ولطبيعة الفعل السياسي في إيران.
النساء الكرديات وكشافة بلادهن
واحتلت المرأة الكردية موقعاً محورياً في انتفاضة "Jin Jiyan Azadî" منذ انطلاقها بصوت جينا أميني، لتتحول قضايا المرأة والهوية والحرية إلى محور للنقاش العام في إيران، ولم تكن ريادة المرأة الكردية حدثاً طارئاً، بل امتداداً لدور تاريخي في مقاومة الظلم والضغوط السياسية، فقد شاركت النساء بوصفهن فاعلات في صياغة التاريخ وانتقلن من موقع من يٌفترض حمايتهن إلى موقع من يحمي نفسه ومجتمعه، ما شكل تحولاً عميقاً في العقلية السائدة.
ورغم القمع والاعتقالات والإعدامات التي استخدمتها السلطة لترسيخ الخوف، تحولت هذه الإجراءات إلى عامل يعزز حضور رموز الثورة ويعمّق المطالبة بالعدالة، وبعد أربع سنوات يتضح أن إنجازات الثورة لا تُقاس بالقوانين، بل بقدرتها على تغيير لغة المجتمع وأسئلته، إذ بدأت النساء بإعادة تعريف علاقتهم بالجسد والأسرة والعمل والسياسة والقانون.
وتبين هذه التجربة أن الحرية لا تُبنى في لحظة احتجاج، بل في مجتمع قادر على تنظيم نفسه وصياغة حلول جماعية، وبناء الحرية في تفاصيل الحياة اليومية، فالحرية ليست فراغاً تتركه السلطة، بل علاقات جديدة تقوم على الكرامة والمساواة والمسؤولية المشتركة، ومن هنا يصبح السؤال الجوهري: كيف تتحول قوة الشارع إلى قوة راسخة في الحياة اليومية؟ الجواب يكمن في التنظيم والتوعية والإبداع وبناء المؤسسات.
وعندما تتكامل المرأة والحياة والحرية داخل مجتمع منظم، تتحول الثورة من احتجاج إلى مشروع لبناء نمط حياة جديد، يضع الإنسان أمام إمكانية أن يرى ذاته في الحياة التي يصنعها.