اليوم العالمي للأسرة... ندوة تكشف هشاشة الروابط العائلية في تونس

بمناسبة اليوم العالمي للأسرة، نظّمت وزارة الأسرة ندوة سلطت الضوء على التحديات التي تهدد تماسك الأسرة التونسية، من تفكك وضغوط اقتصادية ونفسية، فيما أكدت المشاركات ضرورة تطوير السياسات الداعمة للأسرة وتكثيف برامج التوعية والإرشاد الأسري.

نزيهة بوسعيدي

تونس ـ ساهم التفكك الأسري وتراجع الروابط العائلية، مع انتشار العائلة النواتية والانشغال بالتكنولوجيا والأزمات الاقتصادية، في إضعاف منظومة القيم وتدهور جودة الحياة، ما أدى إلى تراجع الوئام الأسري وتصاعد الشعور بعدم الاستقرار والرغبة في الهجرة.

احتفلت تونس على غرار بقية دول العالم، باليوم العالمي للأسرة في وقت تواجه فيه الأسرة تحديات متزايدة وظواهر تفكك تستدعي دعماً حقيقياً لضمان تماسكها واستقرارها. وفي هذا السياق، نظمت وزارة الأسرة، أمس الخميس 14 أيار/ مايو، ندوة تحت شعار "الأسرة المتماسكة والحاضنة لأفرادها أساس الأمان المجتمعي"، مؤكدةً ان التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة، خاصة صعوبة الحصول على عمل وغياب الاستقرار المهني، تؤثر سلباً على تماسك الأسرة واستقرارها، ومشددةً على دعم مقومات الاستقرار داخل الأسرة.
 

"التماسك الأسري درع لا غنى عنه"

وعلى هامش الندوة، أوضحت المختصة في علم النفس الاجتماعي خديجة محيسن أن الندوة خُصّصت لمناقشة سبل تعزيز التماسك الأسري في ظل الضغوطات النفسية التي تواجهها الأسرة المعاصرة، مؤكدةً أن التحولات المتسارعة جعلت الأسرة تواجه ضغوطاً اجتماعية واقتصادية ورقمية وثقافية، وهي ضغوط لا تُضعف الفرد فحسب، بل تُضعف الأسرة ككل وتمسّ نسيجها الداخلي "أن التماسك الأسري أصبح درعاً واقياً لا غنى عنه، لافتةً إلى أن غلاء المعيشة وضعف الدخل أثقلا كاهل الأسر وولّدا توتراً يومياً إضافياً".

وتطرقت إلى التحولات الرقمية والانتشار المفرط للشاشات اللذان باتا يشغلان أفراد الأسرة ويضعفان التواصل الحقيقي بينهم مضيفةً أن التفكك الاجتماعي والعزلة الحضرية والاتجاه نحو الأسرة النواة خلقا هشاشة داخل البنية الأسرية، إلى جانب أزمة قيم وصراع بين الموروث الثقافي ومتطلبات الحداثة، ما أربك الهوية الأسرية "أن الضغوطات النفسية تدخل المنزل كالموجات المتلاحقة وتؤثر في تفاعلاته اليومية، كما أن إدراك هذه التأثيرات يمثل الخطوة الأولى نحو التغيير، وهو ما برز في شهادات من انتفعن بالتعهد النفسي والإرشاد الأسري لمواجهة هذه الضغوط".

وعن الرهانات المعاصرة للأسرة التونسية، أكدت أنها رهانات غير مسبوقة تستوجب وعياً جديداً ومهارات متجددة، حتى يكون الفرد قادراً على إدراك الضغوطات التي يواجهها والتعامل معها، مبيّنةً أن إعادة بناء الثقة بعد فترات الأزمات والتوتر، والتفاوض على الأدوار داخل الأسرة في ظل تغيّر المرجعيات التقليدية، أصبحا من الضرورات الملحّة.

 كما شددت على أهمية حماية الطفولة من المحتوى الرقمي وضرورة تغيير السياسات في هذا الاتجاه، مضيفةً أن من بين الرهانات الكبرى صون الصحة النفسية، معتبرةً أن الاهتمام بها يجب أن يكون أولوية لا مجرد رفاهية فردية.

وخلصت الى القول أن التماسك الأسري لا يبنى في لحظات الرفاه فقط بل يتجذر أكثر حين يختار أفراد الأسرة البقاء مع بعضهم البعض في أصعب الظروف واللحظات، مؤكدةً على أهمية دور المختصين في الإرشاد الأسري وفي ورشات المهارات الوالدية ودعم الأطفال والمراهقين، إلى جانب الإسهام في توجيه السياسات العامة والبرامج الرسمية.

وأوضحت أن التماسك الأسري لا يعني غياب المشكلات، بل يعني امتلاك الشجاعة لمواجهتها معاً للوصول إلى أسرة صامدة قادرة على تحويل الأزمات إلى دروس مشتركة "أنصح بالوعي بمصادر الضغط، والاستثمار في التواصل، وتخصيص وقت حقيقي للحديث والاستماع داخل البيت، وطلب الدعم عند الحاجة، وعدم التردد في اللجوء إلى المختصين حين يشعر الفرد بأن الأمر يفوق قدرته".

وأكدت على ضرورة تنمية مهارات التواصل والإبداع داخل الأسرة، مشيرةً إلى أنه لا يمكن منع استعمال الهاتف الجوال تماماً، لكن يمكن منع استخدامه أثناء وجبة العشاء باعتبارها اللحظة الوحيدة التي تجمع أفراد العائلة "ليس من المهم عدد الساعات التي يقضيها أفراد الأسرة معاً، بل جودة هذا الوقت، إضافة إلى أهمية تقبّل أفراد الأسرة لبعضهم البعض وقدرتهم على مواجهة الضغوطات المحيطة بهم".


         


        

عوامل صحية ونفسية

وقالت الدكتورة نجلاء بالشيب، المندوبة الجهوية للأسرة والعمران البشري بولاية تونس وممثلة وزارة الصحة، إن للتفكك الأسري أسباباً صحية متعددة تتوزع بين عوامل عضوية جسدية وأخرى نفسية، موضحة أن الأسباب العضوية تتمثل في الأمراض الوراثية أو الإعاقات التي قد تنتشر داخل الأسرة عند غياب الفحوصات الطبية قبل الزواج أو عند عدم خضوع المرأة الحامل للمتابعة الصحية اللازمة خلال فترة الحمل "أن عدم الكشف المبكر عن هذه الإعاقات قد يؤدي إلى ظهور مشكلات زوجية واضطرابات نفسية لدى الزوجين، إضافة إلى أعباء اقتصادية كبيرة ما يجعلها من العوامل المؤثرة بعمق في استقرار الأسرة".

ولفتت الانتباه الى تأثير الأمراض النفسية على تماسك الأسرة مثل الاضطرابات القطبية وانفصام الشخصية، مؤكدةً أن هناك أيضا ظاهرة بدأت تستشري في المجتمع وهي ظاهرة الإدمان بكل أنواعه الإدمان الرقمي الإدمان على المواد المخدرة الإدمان على الكحول وباتت هذه الظاهرة من أهم الأسباب للتفكك الاسري.

وللوقاية من مثل هذه المشكلات الصحية التي قد تتسبب في التفكك الأسري، أكدت نجلاء بالشيب على ضرورة البدء بالعيادة الطبية قبل الزواج، لما توفره من تقصٍّ مبكر للأمراض الوراثية والإعاقات المحتملة داخل الأسرة، مشددةً على أهمية المتابعة العلاجية المستمرة لدى مختص نفسي أو طبيب نفسي في حالات الإدمان أو عند وجود أمراض نفسية داخل العائلة.