النساء السوريات وصناعة المستقبل

مقال بقلم عضوة أكاديمية جنولوجيا والناشطة الاجتماعية محاسن مدلله 

كما نعلم جميعاً فإن النساء السوريات لا يشكلن كياناً واحداً برؤية موحدة وأن تنوع الآراء والتصورات حول مستقبل سوريا هو أمر طبيعي يعكس تعقيد التجربة السورية نفسها وتعدد مساراتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، إلا أن هذا التنوع لا يلغي وجود قواسم مشتركة عميقة تتقاطع عندها تجارب النساء السوريات داخل البلاد وفي بلدان اللجوء على حد سواء.

خلال إقامتي في لبنان برزت هذه الانشغالات المشتركة بوضوح من خلال اللقاءات المباشرة والنقاشات الطويلة التي عكست حجم التحديات، كما عكست في الوقت نفسه قوة الأمل والإرادة، ما زالت أعداد كبيرة من النساء السوريات يتحملن عبء الإعالة الكاملة لأسرهن بعد فقدان الزوج أو الأب أو الأخ أو نتيجة الاعتقال أو الاختفاء القسري أو الهجرة القسرية، وهن يؤدين هذا الدور في ظل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي عرفها العالم في العقود الأخيرة، حيث تراجعت فرص العمل وتآكلت سبل العيش وارتفعت معدلات الفقر بشكل غير مسبوق.

ومع ذلك لم تتوقف النساء عن السعي لتأمين الحد الأدنى من الكرامة لأسرهن، معتمدات على ما يتوفر من أعمال غير رسمية أو مساعدات إنسانية محدودة أو شبكات تضامن اجتماعي هشة، ويشكل الأمن الشخصي للنساء السوريات هاجساً يومياً في ظل انتشار العنف وتراجع سيادة القانون وتفكك المنظومات الاجتماعية التقليدية، ولا تزال ظواهر زواج القاصرات والزواج المبكر والقسري مستمرة بل وتتفاقم في بعض البيئات بوصفها استجابة قسرية للضائقة الاقتصادية والخوف من المستقبل، الأمر الذي يضاعف من هشاشة أوضاع الفتيات ويحرمهن من التعليم ومن حق الاختيار ومن فرص المشاركة الكاملة في المجتمع. إلى جانب ذلك تعيش الكثير من النساء السوريات ألماً مركباً ناتجاً عن فقدان الأحبة سواء كانوا قتلى أو مفقودين أو معتقلين وهو ألم يتجدد مع غياب الحقيقة والعدالة ومع طول أمد الانتظار الذي يحول الحزن إلى حالة دائمة. ورغم ثقل هذا الحمل النفسي والعاطفي تواصل النساء إدارة شؤون الحياة اليومية وتربية الأطفال والحفاظ على تماسك الأسرة والمجتمع المحلي.

النساء اللواتي التقيت بهن في لبنان قدمن من مختلف المناطق والخلفيات والانتماءات واختلفت تجاربهن، لكن ما جمعهن هو الإحساس العميق بالمسؤولية تجاه سوريا وتجاه مستقبلها، فقد عبرن جميعاً عن أمل كبير وعن طاقة لا تنضب وعن التزام واضح بسوريا أفضل سوريا تقوم على العدالة والمساواة والكرامة الانسانية، وأكدن رغبتهن الصريحة في أن يكن جزءاً من صياغة مستقبل بلادهن لا بوصفهن متلقيات للقرارات.

قالت لي العديد منهن أنهن يردن مقعداً حقيقياً على طاولة القرار، وأن لديهن الكثير ليقدمنه من خبرات ومعرفة وتجارب وأنهن لن يقبلن بعد اليوم بالإقصاء أو التهميش أو التمييز على أساس الجنس، وأنهن يستعددن لليوم الذي يكن فيه من بين مهندسي نهضة سوريا اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وسياسياً، لأنهن استحققن ذلك ودفعن ثمناً باهظاً من أجله. تسعى النساء السوريات إلى وضع حد للعنف والتمييز وانعدام الأمان ويسعين في الوقت ذاته إلى إنهاء حالة الانقسام التي مزقت المجتمع السوري، ويدركن أن تحقيق ذلك يتطلب إعادة بناء الثقة وترميم النسيج الاجتماعي والانطلاق نحو عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان. تجمع النساء على ضرورة وجود قطاع أمني مهني يحمي جميع المواطنين دون تمييز، ويخضع للمساءلة القانونية ويعمل في إطار دولة القانون، كما يطالبن بعدالة قائمة على الاجراءات القانونية الواجبة لا على الانتقام أو الإفلات من العقاب، ويرين أن تحقيق الأمن الحقيقي لا ينفصل عن تحقيق العدالة.

كما تؤكد النساء على الدور الحيوي للمجتمع المدني وللنشاط النسوي وللمنظمات النسائية في عملية التعافي وإعادة البناء وفي مراقبة الأداء العام وفي الدفاع عن حقوق الفئات المهمشة، ويعتبرن أن المجتمع المدني يشكل ركيزة أساسية لا غنى عنها لأي انتقال سياسي حقيقي ومستدام. تتطلع النساء السوريات إلى تجديد اجتماعي شامل يقود إلى المصالحة الوطنية والتماسك الاجتماعي ويعيد الاعتبار لقيم التضامن والمسؤولية المشتركة ويؤسس لسلام طويل الأمد، سلام لا يقتصر على غياب العنف بل يقوم على العدالة والكرامة والمشاركة.

إن المشاركة السياسية والاقتصادية والمدنية الفاعلة للنساء يجب أن تعزز بشكل ممنهج، ومن خلال سياسات واضحة تضمن وصول أكبر عدد ممكن من النساء إلى مواقع صنع القرار فهن لسن فقط ضحايا الصراع، بل فاعلات أساسيات وصانعات لمستقبل سوريا. على امتداد التاريخ دافعت المرأة السورية عن بلدها وكانت مسيرتها حافلة بالتضحيات والشجاعة والالتزام العميق بالعدالة والمساواة، وقد خاطر العديد منهن بحياتهن ودفع بعضهن الثمن الأعلى دفاعاً عن حقوق الإنسان والكرامة.  

في مواجهة الأوقات العصيبة التي تمر بها سوريا يبحث الكثيرون عن كلمات تليق بحجم الألم والخسارة، غير أن ما هو أكثر أهمية اليوم هو التمسك بالأمل وبالالتزام الجماعي بإعادة البناء من أجل حاضر أفضل ومستقبل أكثر إشراقاً، ورغم كل التحديات تبقى النساء السوريات ينظرن إلى الأمام ويركزن على ما يمكن بناؤه لا على ما دمر.

اليوم تتجدد المسؤولية الجماعية لضمان المشاركة الفاعلة للنساء السوريات في جميع مسارات العمل الوطني والسياسي فهن يسعين لأن تفضي سنوات الصراع إلى واقع جديد يكرس المشاركة السياسية واحترام إسهامات جميع السوريين.

وعندما نتأمل الأثر العميق الذي تركته النساء السوريات عبر التاريخ يصبح من الضروري تكريم شجاعتهن والاعتراف بدورهن المحوري، فهن يذكرننا بأن طريق السلام يبنى بعزيمة من يجرؤون على الحلم بوطن تكون فيه للمرأة مكانة كاملة على طاولة القرار، ومعاً ستواصل النساء السوريات بقوتهن وشجاعتهن صناعة مستقبل أكثر شمولاً وإنسانية لسوريا التي يحلمن بها.

كما قالت إميليا ايرهارت "إن أصعب شيء هو اتخاذ القرار بالتصرف أما الباقي فمجرد مثابرة"، وهي مقولة تجسد بدقة مسيرة النساء السوريات اللواتي اتخذن قرار الفعل رغم كل المخاطر وما زلن يثابرن من أجل وطن يستحق الحياة، وفي التوسع في البعد الاقتصادي لتجربة السوريات تبرز الحاجة إلى الاعتراف بالدور المركزي الذي اضطلعن به في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الأسري والمجتمعي، فقد وجدن أنفسهن مضطرات لدخول مجالات عمل جديدة لم تكن متاحة لهن سابقاً، والعمل في ظروف قاسية وغير مستقرة دون حماية قانونية أو اجتماعية.

ومع ذلك طورن أشكالاً مبتكرة من التكيف واعتمدن على المهارات المتاحة وعلى التعلم الذاتي وعلى شبكات الدعم النسائية المحلية التي شكلت بدائل غير رسمية لأنظمة الحماية الغائبة. لكن لا تزال هناك هشاشة اقتصادية عميقة تتطلب معالجة جذرية من خلال سياسات شاملة تعترف بالعمل النسائي وتؤمن له الحماية والكرامة وتفتح آفاق الانتقال إلى الاقتصاد المنظم وتوسيع فرص التدريب والوصول إلى التمويل الصغير ودعم المبادرات النسائية المنتجة، ولا يمكن الحديث عن التمكين الاقتصادي دون ربطه بالتعليم والتدريب المهني وضمان وصول الفتيات إلى المدارس والجامعات.

أما في مجال العدالة الانتقالية، فتؤكد النساء السوريات على ضرورة اعتماد مقاربة شاملة تضع الضحايا في صلب العملية وتضمن الحق في الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر وعدم التكرار، وترى النساء أن غياب العدالة لا يعني فقط استمرار الألم بل يهدد إمكانات المصالحة ويغذي دورات جديدة من العنف. أن مشاركة النساء في تصميم وتنفيذ آليات العدالة الانتقالية ضرورية لضمان شمولها وحساسيتها للنوع الاجتماعي، كما تشدد النساء على أهمية معالجة الانتهاكات الخاصة التي تعرضن لها خلال سنوات النزاع، سواء كانت عنفاً قائماً على النوع الاجتماعي أو تهميشاً اقتصادياً أو اقصاء سياسياً، وتؤكدن أن العدالة الحقيقية لا تتحقق دون الاعتراف بهذه الانتهاكات واتخاذ خطوات ملموسة لمعالجتها ضمن إطار قانوني ومؤسساتي واضح.

وتعتبر النساء أن إصلاح القطاع الأمني يجب أن يكون جزءاً لا يتجزأ من أي عملية انتقالية ناجحة وأن إشراك النساء في هذا الاصلاح سواء من خلال مواقع القرار أو من خلال الرقابة المدنية يساهم في بناء مؤسسات أكثر مهنية واستجابة لاحتياجات المجتمع.

وفي محور المجتمع المدني لعبت النساء السوريات دوراً ريادياً من تأسيس وإدارة مبادرات محلية ومنظمات إنسانية وحقوقية وتعليمية وصحية ملأت الفراغ الذي خلفه تراجع مؤسسات الحكومة، وخلال سنوات الصراع كانت هذه المبادرات في كثير من الأحيان خط الدفاع الأول عن كرامة الإنسان وعن السلم المجتمعي، وقد أظهرت التجربة أن النساء يمتلكن قدرة عالية على بناء الثقة وعلى العمل عبر الانقسامات وعلى إدارة النزاعات المحلية بوسائل سلمية الأمر الذي يجعل من دعم قيادتهن في المجتمع المدني خياراً استراتيجياً لتعزيز التماسك الاجتماعي ومنع تجدد العنف.

وفي المجال السياسي، تواجه النساء السوريات تحديات بنيوية وثقافية تحد من مشاركتهن الفاعلة رغم امتلاكهن الكفاءة والخبرة ويتطلب تجاوز هذه التحديات إصلاحات قانونية تضمن المساواة وتكافؤ الفرص إلى جانب جهود توعوية طويلة الأمد تغير الصور النمطية وتعيد تعريف القيادة بوصفها خدمة ومسؤولية لا امتيازاً. إن اعتماد إجراءات خاصة مؤقتة مثل الكوتا يمكن أن يشكل أداة فعالة لتسريع مشاركة النساء في الحياة السياسية شرط أن يقترن ذلك ببناء القدرات وبضمان بيئة سياسية آمنة وداعمة تحترم التعددية وتنبذ العنف والاقصاء.  

ولا يقل البعد الثقافي أهمية عن غيره إذ لعبت النساء دوراً محورياً في الحفاظ على الذاكرة الجماعية، وفي التعبير عن الألم والأمل من خلال الأدب والفن والموسيقى والمسرح، واستخدمن الثقافة كأداة للمقاومة السلمية وللتعبير عن تطلعات مجتمع يتوق للحرية والكرامة. إن الاعتراف بالدور الثقافي للنساء ودعمه يشكل جزءاً أساسياً من عملية التعافي ومن إعادة بناء الهوية الوطنية على أسس جامعة تحترم التنوع.

وفي الختام فإن مستقبل سوريا لا يمكن أن يُبنى دون مشاركة كاملة وفاعلة للنساء السوريات في جميع المجالات وعلى جميع المستويات فهن لسن فقط نصف المجتمع، بل يشكلن قوة محركة للتغيير وركيزة أساسية لبناء دولة عادلة وقادرة وشاملة. إن تمكين النساء هو خيار وطني واستراتيجي وشرط لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية وأن أي مسار يتجاهل هذا الدور محكوم عليه بالفشل.

 تثبت الخبرة الدولية في حالات النزاع وما بعد النزاع أن المجتمعات التي أقصت النساء من عمليات صنع القرار دفعت ثمناً باهظاً من الاستقرار والتنمية. كما أن تبني مسارات سلام أكثر صلابة واستدامة يقتضي إدماج النساء، وأن النساء السوريات بما يمتلكن من تجربة ومعرفة وارتباط عميق بالمجتمع، يشكلن ركيزة لا غنى عنها لأي مشروع وطني جامع. ويتطلب دعم مشاركتهن إرادة سياسية واضحة، والتزاماً مؤسسياً طويل الأمد، وشراكة حقيقية مع المجتمع الدولي تقوم على الاحترام والتمكين لا على الوصاية. ومع أن الطريق ما زال صعباً وشاقاً أمام النساء السوريات، فإنهن يواصلن النضال من أجل حياة كريمة، وبناء المستقبل، وصون سوريا التي تستحقها أجيالها القادمة.