العنف ضد النساء في ليبيا... منظومة تبرير تتقدم على الحماية
مقال بقلم الصحفية الليبية راضية عبد السلام
من الاحتجاز داخل المنازل إلى القتل في الأماكن العامة، ومن الضغط للحفاظ على الزواج إلى الاعتراض على التشريعات الحمائية، تكشف الوقائع عن أزمة تتجاوز الجرائم الفردية إلى بيئة اجتماعية وقانونية لا تزال حماية النساء فيها موضع نزاع.
لا تكمن خطورة العنف ضد النساء في تعدد أشكاله فحسب، بل في الظروف التي تسمح باستمراره: سلطة أسرية تتحول إلى وسيلة للإكراه، وأعراف تضع سمعة العائلة فوق سلامة المرأة، وخطاب يبحث عن مبررات للجاني، وإطار تشريعي لا يوفر، وفق ما تثيره هذه الوقائع، حماية متكاملة وفعالة.
في ليبيا، تتقاطع هذه العوامل في قضايا متباينة، من احتجاز فتاة داخل منزل أسرتها في درنة، إلى مقتل نساء في الشوارع، ووفاة سارة عطية الطبرقي بعد إضرام النار في جسدها، والعثور على جثمان شابة في قضية زلّة. ولا تثبت هذه الوقائع وجود مسار واحد أو دوافع متطابقة، لكنها تطرح سؤالاً جوهرياً: ما الذي يجعل سلامة المرأة قابلة للتفاوض داخل الأسرة، وما الذي يضمن حمايتها خارجها؟
الأسرة ليست ضمانة للحماية
تكشف واقعة احتجاز فتاة داخل شقة سكنية في منطقة شيحا بمدينة درنة، وفق المعلومات المتداولة عن تحريرها من قبل عناصر وزارة الداخلية، عن الوجه المغلق للعنف الأسري. فقد أشارت الرواية إلى تقييدها بسلسلة بمشاركة إخوتها الأربعة ووالدتهم، في واقعة تنقل العنف من دائرة الاعتداء إلى سلب الحرية داخل المنزل.
تكمن أهمية القضية في أنها تتحدى التصور الذي يعامل الأسرة باعتبارها مساحة آمنة بطبيعتها. فالقرابة لا تمنع العنف، وقد تتحول سلطة أفراد الأسرة، في بيئة تهيمن عليها علاقات القوة غير المتكافئة، إلى وسيلة للسيطرة على حركة الفتاة وقراراتها.
وتظهر مشكلة مشابهة في الروايات المرتبطة بوفاة سارة عطية الطبرقي، الأم لطفلين، بعد أسبوع من المعاناة إثر إضرام النار في جسدها. فقد ربطت معلومات متداولة معاناتها بالعنف الأسري والضغوط التي واجهتها بشأن استمرار الزواج.
ومع ضرورة التمييز بين القضيتين، تبرز قضية واحدة تتعلق بحق المرأة في رفض الأذى وطلب الحماية، من دون أن تتحول الأسرة إلى جهة تفرض عليها استمرار علاقة مؤذية أو تحرمها من حريتها.
العنف يتجاوز جدران المنازل
لا يظل العنف حبيس المجال الخاص؛ فقد يظهر علناً في الشارع، أو يتخذ شكل القتل، أو يبقى بلا حسم لسنوات. ففي تموز/يوليو 2026، أثار تداول مقطع مصور لجلد امرأة في مكان عام بمدينة سبها، تنفيذاً لحكم قضائي وفق المعلومات المتداولة، نقاشاً حول العقوبة الجسدية والكرامة الإنسانية. وتتطلب معالجة هذه الواقعة التمييز بين توثيق تنفيذ حكم قضائي وبين تقييم الأساس القانوني للعقوبة ومدى توافقها مع التزامات حقوق الإنسان.
كما أعادت جرائم قتل نساء، من بينها مقتل خنساء المجاهد في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، والهجوم المسلح الذي أودى بحياة امرأتين في تاجوراء في آب/أغسطس 2026 وفق المعلومات الواردة، تسليط الضوء على تعرض النساء للعنف في المجال العام أيضاً.
وتظل قضايا أخرى، مثل اختفاء النائبة سهام سرقيوة، حاضرة في النقاش بشأن مصير النساء اللواتي يتعرضن لانتهاكات خطيرة، والحاجة إلى كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عنها.
جسد المرأة تحت سلطة الآخرين
عُثر على جثمان شابة داخل صندوق مركبة قرب الطريق الرابط بين زلة وودان، عقب بلاغ عن اختفائها. ووفق بيان أمني منشور في 12 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، سلّم مشتبه به نفسه بعد أعمال بحث وتحرٍّ، وأقرّ بالواقعة وفق البيان، مع اتخاذ الإجراءات تمهيداً لاستكمال التحقيقات القانونية.
أما التفاصيل المتداولة بشأن صلة المشتبه به بالضحية أو الدافع المحتمل للجريمة، ومنها رواية تربط الواقعة بنتيجة تحليل هرمون الحمل، فتحتاج إلى تحقق مستقل. ولا يجوز تحويل نتيجة طبية أولية إلى دليل على سلوك المرأة أو استخدامها لتبرير الاعتداء عليها.
فالتحليل الطبي لا يصدر حكم أخلاقي، والاشتباه لا يبرر العقاب، ولا تمنح القرابة أي شخص سلطة تقرير مصير امرأة. وإذا ثبت أن الشكوك المتعلقة بحياتها الشخصية كانت جزءاً من خلفية الاعتداء، فإن القضية ستطرح سؤالاً أكثر عمقاً عن ثقافة تضع جسد المرأة تحت رقابة الأسرة، وتتعامل مع خياراتها باعتبارها شأناً جماعياً لا حقاً فردياً.
ولا تقتصر المسؤولية الصحفية هنا على نقل الروايات المتداولة؛ بل تشمل حماية الضحية من إعادة محاكمتها اجتماعياً، وعدم تقديم الاتهامات أو التفاصيل الشخصية غير المثبتة بوصفها حقائق.
تبرير الجاني وإقصاء الضحية
عقب جرائم العنف ضد النساء، تظهر أحياناً روايات تستدعي الغضب أو المرض النفسي أو السحر أو الشرف لتفسير أفعال الجناة. وقد تُضاف إليها الإشارة إلى التدين أو السمعة الحسنة، وكأن صورة الشخص في المجتمع تنفي احتمال ارتكابه جريمة أو تخفف مسؤوليته عنها.
لا تكمن المشكلة في البحث عن دوافع الاعتداء، بل في تحويل التفسيرات إلى أعذار تسبق التحقيق. فالغضب لا يبرر القتل، والتدين لا يمنح حصانة من المساءلة، والمرض النفسي لا يجوز استخدامه كتفسير تلقائي للعنف من دون تقييم متخصص وأدلة.
ويكتسب خطاب الشرف خطورة خاصة عندما يحوّل سلوك المرأة أو سمعتها إلى محور القضية، ويُهمّش الاعتداء الذي تعرضت له. فبدل أن يكون السؤال عن الأدلة والمسؤولية والعدالة، يصبح النقاش عن مدى امتثال الضحية لتوقعات الأسرة والمجتمع.
بهذه الآلية، لا تُمحى الضحية من الرواية فحسب، بل يُعاد إنتاج المعايير التي تسمح بالسيطرة عليها. وتتحول الجريمة إلى حادثة فردية معزولة، فيما تبقى علاقات القوة والضغوط الاجتماعية التي قد تسهم في تطبيع العنف خارج دائرة المساءلة.
التشريع بين الحاجة إلى الحماية والاعتراضات الاجتماعية
لا يمكن فصل مناقشة العنف عن البيئة القانونية التي يفترض أن تمنعه وتحاسب مرتكبيه. وفي هذا السياق، يثير الجدل حول مشروع قانون مكافحة العنف ضد المرأة المعروض على مجلس النواب سؤالاً عن قدرة التشريع الليبي على توفير حماية واضحة وشاملة للنساء.
وقد أوردت تقارير ومواقف متداولة اعتراضات على المشروع، من بينها تصريحات منسوبة إلى مفتي ليبيا الصادق الغرياني تصف القانون بأنه مفهوم غربي مفروض، وتتحفظ على بعض نصوصه. كما أُثيرت مسألة مذكرة التفاهم المتعلقة باتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة "سيداو"، وما نُقل عن حكم قضائي صدر في 14 أيلول/سبتمبر 2022 بشأنها.
وتحتاج التفاصيل القانونية المتعلقة بالحكم، وطبيعة المذكرة وآثار القرار، والوضع التشريعي الحالي لمشروع القانون إلى مراجعة النصوص الرسمية والمصادر القضائية الموثوقة. كما ينبغي التمييز بين الاعتراضات الدينية أو السياسية على مشروع قانون وبين الوضع القانوني الملزم فعلياً.
غير أن جوهر المسألة الحقوقية يظل واضحاً: لا يكفي إعلان رفض العنف ضد النساء إذا لم يصاحبه إطار قانوني يوفر سبلاً عملية للوقاية والحماية والإبلاغ والمساءلة.
أما المجتمع، فلا يمكن أن يكون شريكاً في الحماية إذا استمر في لوم الضحية، أو الضغط عليها للبقاء في علاقة مؤذية، أو البحث عن أعذار للجاني، أو التعامل مع حقوق المرأة بوصفها تهديداً للقيم الأسرية.
من احتجاز فتاة داخل منزل أسرتها، إلى الضغط على امرأة للاستمرار في زواج مؤذٍ، ومن الاعتداءات في المجال العام إلى جرائم القتل، تتباين الوقائع لكن الأسئلة الحقوقية تتقاطع: من يملك سلطة اتخاذ القرار بشأن حياة المرأة؟ ومن يحميها إذا أصبح مصدر الخطر داخل أسرتها؟ وما قيمة الإدانة الاجتماعية إذا لم تتحول إلى حماية قانونية ومحاسبة فعلية؟