المرأة في برلمان إقليم كردستان... صعودٌ متدرّج رغم الأزمات السياسية
في الوقت الذي يحيي فيه العالم اليوم العالمي للعمل البرلماني، تسعى النساء في مختلف دول العالم إلى العمل من أجل سنّ قوانين أفضل وزيادة نسبة تمثيلهن في البرلمانات.
هيفي صلاح
السليمانية ـ بينما يحتفي العالم في 30 حزيران/يونيو باليوم العالمي للعمل البرلماني، تواصل النساء في مختلف الدول جهودهن لسن تشريعات أكثر عدالة وتعزيز حضورهن داخل المؤسسات التشريعية. غير أن هذا المشهد العالمي المتقدم يقابله في إقليم كردستان واقعٌ مختلف؛ إذ لا تزال البرلمانيات المنتخبات للدورة السادسة ينتظرن انعقاد الجلسة الأولى للبرلمان، رغم مرور أكثر من 600 يوم على إجراء الانتخابات، في صورة تعكس استمرار حالة الجمود السياسي وتعطّل انطلاق المؤسسة التشريعية.
في هذا العام، يستقبل برلمان إقليم كردستان المناسبة وهو يخرج تدريجياً من مرحلة صعبة اتسمت بالفراغ القانوني نتيجة تأجيل الانتخابات، قبل أن تُجرى أخيراً في تشرين الأول/أكتوبر 2024، إيذاناً ببدء دورة جديدة تُعد في عام 2026 خطوة أساسية نحو استعادة الشرعية الدستورية.
التأسيس وأزمة الشرعية
يعود تاريخ تأسيس برلمان إقليم كردستان، الذي كان يُعرف في بداياته باسم المجلس الوطني لكردستان العراق، إلى أوائل تسعينيات القرن الماضي، وهو ثمرة مباشرة للتحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها تلك المرحلة، ففي ربيع عام 1991 انتفض سكان إقليم كردستان ضد نظام حزب البعث العراقي، وتمكنوا من تحرير معظم مدن وبلدات الإقليم، وبعد الانتفاضة وانسحاب المؤسسات الإدارية والخدمية التابعة لحكومة بغداد في تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه، دخل إقليم كردستان في فراغ قانوني وإداري وسياسي كبير.
ولمعالجة هذا الفراغ، قررت الجبهة الكردستانية الانتقال من أسلوب الإدارة الثورية إلى تأسيس مؤسسات رسمية تستند إلى الأطر القانونية.
ولأول مرة في تاريخ إقليم كردستان، جرت في 19 أيار/مايو 1992 انتخابات عامة وحرة لاختيار ممثلي الشعب، وشهدت الانتخابات إقبالاً واسعاً من المواطنين الذين توجهوا إلى صناديق الاقتراع لانتخاب 105 نائب.
وبعد إعلان النتائج، عقد برلمان كردستان أولى جلساته التاريخية في 4 حزيران/يونيو 1992، حيث أدى النواب اليمين القانونية، وبدأت المؤسسة البرلمانية عملها رسمياً.
وكان من أوائل قرارات البرلمان إصدار القانون رقم (1) لسنة 1992، الذي نظم آلية عمل البرلمان، كما أعلن في تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه اعتماد الفيدرالية إطاراً قانونياً ينظم العلاقة بين إقليم كردستان وبغداد، ومنذ ذلك الحين، أصبح البرلمان أعلى سلطة تشريعية ورقابية في إقليم كردستان.
مسيرة النساء في برلمان إقليم كردستان
مدّد برلمان إقليم كردستان في دورته الخامسة ولايته القانونية عام 2022، إلا أن المحكمة الاتحادية العليا في العراق قضت في أيار/مايو 2023 بعدم دستورية قرار التمديد، وأصدرت حكماً بحل البرلمان، وأدى هذا القرار إلى دخول إقليم كردستان في فراغ تشريعي كبير استمر قرابة عامين.
وفي نهاية المطاف، وبعد إجراء عدة تعديلات على قانون الانتخابات وتغيير نظام الدوائر الانتخابية، أُجريت انتخابات الدورة السادسة لبرلمان إقليم كردستان في 20 تشرين الأول/أكتوبر 2024.
ورغم التقلبات السياسية التي شهدها الإقليم، لا يمكن الحديث عن تاريخ البرلمان من دون الإشارة إلى "الثورة الصامتة" التي قادتها النساء الكرديات تحت قبة البرلمان، وهي مسيرة بدأت تأخذ منحى جديداً بعد انتفاضة عام 1991.
وفي الدورة الأولى لبرلمان الإقليم عام 1992، كانت مشاركة النساء محدودة للغاية؛ إذ لم تتمكن سوى خمس نساء من الفوز بعضوية البرلمان من أصل 105 مقاعد، أي بنسبة تقارب 4.7%، واقتصر دورهن على عضوية اللجان دون مواقع قيادية.
وبعد نضال طويل، عُدِّل قانون انتخابات برلمان كردستان عام 2004، ليُخصص 25% من مقاعد البرلمان للنساء، حيث تمكنت البرلمانيات من الوصول إلى مواقع أكثر تأثيراً مثل نواب رؤساء اللجان.
وتواصل هذا الصعود في الدورتين الثالثة والرابعة (2009 و2013)، إذ بلغت نسبة النساء 30% (34 مقعداً)، وتولّت البرلمانيات خلالها رئاسة لجان مهمة داخل البرلمان.
أما الدورة الخامسة عام 2018 فمثّلت منعطفاً بارزاً؛ إذ حافظت النساء على 30% من المقاعد، لكنهن حققن تقدماً نوعياً بتولّيهن رئاسة البرلمان ومنصب أمينة السر، ما رسّخ حضورهن في أعلى هرم المؤسسة التشريعية.
إنجازات البرلمانيات في مجال التشريع
لم يكن حضور النساء في البرلمان مجرد زيادة في عدد المقاعد، بل استطعن من خلال لجنة الدفاع عن حقوق المرأة والتنسيق بين الكتل البرلمانية المختلفة، المساهمة في إقرار عدد من القوانين التاريخية التي أحدثت تغييراً مباشراً في حياة الأسرة والمجتمع.
ومن أبرز هذه الإنجازات إصدار قانون مناهضة العنف الأسري رقم (8) لسنة 2011، كما أسهم تعديل قانون الأحوال الشخصية العراقي المطبق في إقليم كردستان في الحد بشكل كبير من تعدد الزوجات، وتعزيز حماية حقوق المرأة عند الطلاق.
وفي الإطار نفسه، جرى تجريم ختان الإناث بموجب قانون مناهضة العنف الأسري، إلى جانب تعديل قانون العقوبات العراقي وإلغاء المواد التي كانت تمنح أحكاماً مخففة للرجال الذين يرتكبون جرائم قتل النساء بذريعة "الشرف".
الانتقادات والتحديات أمام البرلمانيات
ورغم هذه الإنجازات التاريخية التي حققتها البرلمانيات خلال الدورات المختلفة، فإن أداءهن التشريعي لم يخلُ من الانتقادات، فقد وجّه مراقبون سياسيون ومنظمات مدافعة عن حقوق المرأة جملة من الملاحظات، كان أبرزها تبعية العديد من البرلمانيات لقرارات أحزابهن، إذ لم تتمكن نسبة كبيرة منهن من التحرر من هيمنة القيادات الحزبية ذات الطابع الذكوري، وخلال الأزمات السياسية الحادة، قدّمت كثيرات، بحسب المنتقدين، مصالح أحزابهن وبرامجها على القضايا المتعلقة بحقوق المرأة والأسرة، الأمر الذي أضعف التعاون بين البرلمانيات المنتميات إلى الكتل المختلفة.
كما يُعد نظام الكوتا محوراً آخر للانتقاد؛ إذ يرى مراقبين أن عدداً من النساء اللواتي وصلن إلى البرلمان عبر الكوتا اقتصر دورهن على شغل المقاعد، دون نشاط تشريعي أو رقابي ملحوظ، سواء من خلال تقديم مشاريع قوانين أو المشاركة الفاعلة في جلسات البرلمان.
ويؤخذ أيضاً على البرلمانيات تركيز نشاط عدد منهن على لجنة المرأة أو الملفات الاجتماعية، مع حضور محدود في القضايا السيادية الكبرى، مثل الموازنة، والنفط والغاز، والإصلاح الاقتصادي والأمن، مما قلل من تأثيرهن في مراكز صنع القرار.
إضافة إلى ذلك، واجهت بعض البرلمانيات ضغوطاً اجتماعية وخشية من ردود الفعل أو من حملات الهجوم التي تشنها التيارات المحافظة عبر وسائل التواصل الافتراضي، وهو ما حال دون تبني مواقف أكثر جرأة في الدفاع عن تعديل القوانين التي تحمي الحقوق المدنية للمرأة، أو اتخاذ مواقف حاسمة تجاه جرائم قتل النساء.
وتشير هذه التجربة إلى أن زيادة عدد النساء في البرلمان وحدها ليست كافية، بل إن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز على نوعية الأداء واستقلالية البرلمانيات، حتى يصبحن قوة حقيقية قادرة على إحداث التغيير.
التحديات الأولى التي واجهت البرلمانيات الأوائل
عندما دخلت أول خمس نساء إلى قاعة برلمان إقليم كردستان عام 1992، لم يكن الطريق ممهداً أمامهن، بل واجهن تحديات كبيرة فرضتها ظروف مجتمع خرج لتوه من الدكتاتورية والحروب الداخلية، وهيمنت عليه البنى العشائرية والتقاليد المحافظة.
وكان أبرز تلك التحديات سيطرة العقلية الذكورية والعشائرية، إذ كان يُنظر إلى السياسة والتشريع بوصفهما مجالاً يخص الرجال، كما أن المجتمع وحتى القيادات الحزبية لم تكن تثق بقدرة المرأة على إدارة شؤون الدولة أو المشاركة في سن القوانين، لذلك، وجدت البرلمانيات أنفسهن تعملن داخل برلمان يشكل الرجال فيه نحو 95% من الأعضاء، وكانت آراؤهن كثيراً ما تُهمَّش أو لا تُؤخذ بالجدية الكافية.
كما أنهن افتقرن في تلك المرحلة إلى أي ضمانات قانونية تكفل تمثيل المرأة، إذ لم يكن نظام الكوتا قد أُقر بعد، ما اضطر النساء إلى منافسة الرجال داخل الهياكل الحزبية التقليدية، وكانت ترشيحات النساء تتم غالباً بمبادرة من الأحزاب أو لتحسين صورتها الديمقراطية، وليس باعتبارها حقاً طبيعياً ومستحقاً.
إلى جانب ذلك، أدت حالة العنف وعدم الاستقرار السياسي، واندلاع الحرب الأهلية بين عامي 1994 و1998، إلى شل الحياة المدنية والمؤسسات التشريعية، وانتقلت السلطة الفعلية إلى منطق السلاح والقوة العسكرية، وفي ظل هذه الظروف، تراجع صوت النساء، وتعرضت مشاركتهن في الحياة السياسية إلى التهميش.
عوائق اجتماعية واقتصادية أمام البرلمانيات
من جهة أخرى، شكّلت القيود الاجتماعية والاقتصادية عائقاً إضافياً أمام عمل البرلمانيات، إذ لم تكن كثيرات منهن يتمتعن بالاستقلال المالي، وكانت الأحزاب والعائلات تتحكم إلى حد كبير في مصادر دخلهن ودعمهن.
كما كان يُنظر إلى مشاركة النساء في الاجتماعات السياسية الليلية المتأخرة واحتكاكهن بالرجال داخل العمل السياسي باعتبارها، وفق أعراف ذلك الوقت، نوعاً من "التجاوز الاجتماعي"، وهو ما خلق ضغوطاً نفسية واجتماعية كبيرة على البرلمانيات وعلى عائلاتهن في آن واحد.
ويضاف إلى ذلك ضعف الخبرة السياسية المسبقة لدى معظم النساء، نتيجة عقود طويلة من حكم نظام البعث من جهة، ومن جهة أخرى هيمنة الرجال على العمل المسلح في الجبال، ما جعل النساء بعد الانتفاضة يبدأن من الصفر، ويضطررن إلى تعلم مهارات التشريع والعمل البرلماني وبناء العلاقات السياسية (اللوبي) أثناء وجودهن داخل المؤسسة نفسها.
النتائج والآفاق: أزمة مستمرة في تشكيل الحكومة
في اليوم العالمي للعمل البرلماني، يدخل برلمان كردستان مرحلة جديدة بعد تجاوز فترة الجمود عبر انتخابات تشرين الأول/أكتوبر 2024، لتُستأنف دورة جديدة من العمل التشريعي في مسيرة تمتد لأكثر من 34 عاماً، أثبت فيها البرلمان، رغم كل التحديات، أنه منصة للتغيير، خصوصاً عبر المشاركة الفاعلة للنساء.
لكن خلف هذا المشهد، تبرز حقيقة أكثر تعقيداً تتمثل في استمرار أزمة تشكيل الحكومة، والتي خلقت حالة من الإحباط لدى الشارع، فبينما تعثرت عملية تشكيل الحكومة بعد أزمات عام 2022 وتمديد عمر البرلمان، ورغم إجراء الانتخابات في تشرين الأول/أكتوبر 2024، لا تزال القوى السياسية حتى عام 2026 عاجزة عن التوصل إلى اتفاق بشأن تشكيل الكابينة الحكومية الجديدة.