الاستفزازات الإقليمية واستراتيجية العيش المشترك
مقال بقلم الناشطة السياسية هدية يوسف
نحن الكرد لطالما دعونا إلى السلام والديمقراطية. ومن أجل ذلك، عبّرنا مراراً عن استعدادنا، انطلاقاً من قبولنا الاندماج في منظومة الدولة السورية، عن رغبتنا في القول: كفى حرباً، كفى نزوحاً، وكفى دماراً. لقد قدّمنا كل أشكال التضحية والبطولة، نحن وشعبنا، ومع ذلك ما زلنا مستعدين للسلام والاستقرار والحياة الحرة والديمقراطية. وشعبنا يستحق ذلك أيضاً. لم يعد الكرد كما كانوا في السابق؛ فقد بنوا كيانهم وذاتهم، وأصبحوا موجودين وراسخين، ولن تتمكن أي وحشية أو شوفينية أو عنصرية من محوهم مرة أخرى.
يستطيع الكرد خوض الثورة بالسلاح أيضاً، لكن الديمقراطية والسلام لا يتحققان بالسلاح، بل يتحققان بالنضال القانوني والشرعي. ولا شك أن النضال في مواجهة الجهل أمر بالغ الصعوبة، لكننا نؤمن بالمستوى الذي وصل إليه شعبنا. فهو سينتصر بالتأكيد بقيادة قادته، وسيعزز تنظيمه أكثر فأكثر. ولهذا، فإن الوحدة شرط أساسي للانتصار. كما ينبغي أن نتحلى بالحكمة والحنكة في سياستنا الرامية إلى بلوغ أهدافنا وتحقيقها؛ فهذا شرط لا بد منه، ويجب ألّا نقع في فخ الحرب بين الكرد والعرب.
كونوا يقظين في مواجهة المؤامرات والقوى الظلامية!
ما يحدث هو مؤامرة. فخلايا داعش، والمجموعات المرتبطة بتركيا، والعنصريون العرب، يخدعون الشعب العربي أيضاً. لقد خدعوا مئات الأشخاص واستدرجوهم إلى المسيرة تحت شعار رفع العلم السوري ودعم الدولة. وقد تحدث كثيرون عن ذلك استناداً إلى ما بثّته وسائل إعلام الدولة. وفي الواقع، كانت مثيري الفتنة وأتباع داعش من مختلف المدن والمناطق قد حشدوا أنفسهم داخل هذه المسيرة. وكان هدفهم تخريب الاستقرار، وإفشال مسار الاندماج القائم على أسس ديمقراطية، وإعادة إحياء مرحلة الحرب التي شهدتها عفرين وسري كانيه/رأس العين.
إنهم يريدون إقامة دولة عنصرية ودينية متشددة وداعشية، فيما يزداد الجهل القائم عمقاً يوماً بعد يوم. وربما شارك كثيرون في هذه المسيرة من أجل المطالبة بحقهم في العيش بكرامة وتوافر مقومات الحياة. كما اعتقد بعضهم أن المسيرة نُظّمت دعماً للعلم السوري، لكنهم لم يكونوا يعلمون أن قوى داعش والعنصريين والقوى الخارجية تقف وراء هذه المؤامرة. لقد تسللت هذه القوى الظلامية والخفية إلى صفوف المسيرات، ونفذت أعمالاً تخريبية، وحاولت جرّ محافظة الحسكة إلى الحرب.
في حين أن الشعب السوري يعيش اليوم في ظل انعدام الإمكانات وارتفاع الأسعار والفقر. ولم يعد الناس قادرين على تأمين سبل عيشهم شيئاً فشيئاً. وينساق الفقراء والمحتاجون وراء ألاعيب القوى الخارجية، معتقدين أن مشكلاتهم ستُحل بهذه الطريقة. لكن خلال هذه المسيرة، رُفعت أعلام داعش والعراق وجبهة النصرة، إلى جانب رموز الفاشية التركية، المتمثلة في الذئب الرمادي، وشعارات الانتقام وقطع الرؤوس. إن هذا الوضع يدفع سوريا عموماً نحو الفوضى، ونحو إنكار بعض المكونات، ولا سيما إنكار وجود الكرد، كما يدفعها نحو كارثة جديدة على غرار كارثة داعش.
وسائل التواصل والسياسات الإقليمية في مواجهة النظام الديمقراطي
إنهم يؤججون غضب شعبنا ويدفعونه إلى الحرب. وقد أدت قوات الأمن دوراً كبيراً في الحيلولة دون وقوع اضطرابات واسعة النطاق. لكن من جهة أخرى، فإن هذه الحكومة، من خلال قراراتها المتعلقة بثقافتنا ولغتنا ووجودنا، فتحت الطريق أمام هذه المسيرات. وتقع المسؤولية عن هذا الوضع على عاتق مسؤولي الدولة؛ إذ ينبغي لهم اعتقال المخربين وعناصر داعش والعصابات التركية ومحاسبتهم.
ومن الجيد أيضاً أن شعبنا لم يقع هذه المرة، كما في المرات السابقة، في ألاعيب هذه القوى المتآمرة. فلولا ذلك، لكان الوضع قد تدهور بشدة. ولهذا، من الضروري ألا ينجر الشعب السوري إلى مثل هذه الألاعيب.
هذا الوضع ليس منفصلاً عن المسار الجاري في تركيا. فالدولة التركية تسعى من خلال سياساتها المعادية لكرد روج آفا، إلى عرقلة المسار الجاري في شمال كردستان وروج آفا. كما تريد إضعاف يد قيادتنا، وحصر حقوق الكرد في أضيق نطاق ممكن ضمن الدستور التركي المستقبلي. وهي تحارب الحكم الذاتي الكردي وتتدخل لمنعه. وتفعل الأمر نفسه في روج آفا وجنوب كردستان أيضاً. أما هدفها الأساسي، فهو تقديم مصالحها على كل شيء، وممارسة عدائها من خلال سياسات وأساليب متنوعة.
الوحدة والتمسك بالثورة
إننا ندين هذه المواقف والسياسات التركية، وسياسات الحكومة السورية، وممارسات القوى المتآمرة. وندعو الشعبين العربي والكردي إلى التحلي باليقظة وعدم الوقوع في ألاعيب تلك القوى المتآمرة. فلا يمكن بناء هذا البلد وإرساء الاستقرار والحرية فيه إلا من خلال قبول بعضنا بعضاً والعيش المشترك.
ومن أجل نيل حقوق الحرية والديمقراطية، ينبغي لشعبنا الحفاظ على وحدته، وإفشال هذه المخططات من خلال التنظيم والعمل الجماهيري واتباع الأساليب السلمية. إن شعبنا الذي نهض بفضل تضحيات الشهداء، يجب عليه أن يحافظ على ثورته ونضاله من خلال التنظيم والعمل، وأن يتمسك بمكتسباته، وألّا يتراجع إلى الوراء.