الأمان... حق لم يصل إلى جميع النساء..!

مقال بقلم الصحفية المغربية حنان حارت

كنت، كعادتي، أتصفح وكالات الأنباء والمواقع الإخبارية، فمتابعة الأخبار ليست مجرد عادة، بل جزء من مهنتي كصحفية. أحرص كل يوم على معرفة ما يحدث في العالم، لكن ما لفت انتباهي هذه المرة لم يكن حدثاً سياسياً أو اقتصادياً، بل أنني، مرة أخرى، وجدت نفسي أمام أخبار تنتهي جميعها عند المرأة.

كانت البداية من الهند، لم يكن ما استوقفني هذه المرة خبر الجريمة وحده، بل استمرار الاحتجاجات التي أعقبتها. فبعد أسابيع من اغتصاب وقتل طفلة في الحادية عشرة من عمرها في ولاية البنغال الغربية، لا يزال الغضب يملأ الشوارع، ولا تزال الأسئلة نفسها تتردد: كيف يمكن أن تتكرر هذه الجرائم رغم تشديد القوانين؟ ولماذا لا تزال النساء والفتيات يشعرن بأن الأمان حق يصعب الوصول إليه؟ 

انتقلت بعدها إلى خبر آخر، وهذه المرة من السودان، لم يكن الحديث عن جريمة واحدة، بل عن واقع وثقته الأمم المتحدة، التي تحدثت عن مئات حوادث العنف الجنسي منذ اندلاع الصراع في نيسان 2023، استهدفت مئات النساء والفتيات. هناك، لم يعد الاغتصاب مجرد اعتداء فردي، بل تحول، بحسب الأمم المتحدة، إلى سلاح حرب يستخدم لبث الرعب وتمزيق المجتمعات.

وأغلقت الخبر، لأجد عنواناً آخر يفرض نفسه، هذه المرة من ليبيا، لم يكن يتعلق بجريمة وقعت اليوم، بل بخبر يحمل بارقة عدالة مؤجلة، فقد أعلنت المحكمة الجنائية الدولية إحالة مسؤول سابق في سجن معيتيقة إلى المحاكمة بتهم تشمل الاغتصاب والتعذيب، في خطوة أعادت إلى الواجهة ملفات انتهاكات ظلت سنوات تنتظر المساءلة، وكأن العدالة، وإن تأخرت، تحاول أخيراً أن تجد طريقها إلى الضحايا.

أغلقت شاشة هاتفي للحظة، لكن الأخبار بقيت مفتوحة في ذهني.

ثلاثة أخبار، ثلاث دول، ثلاثة سياقات مختلفة، ومع ذلك، بدا لي أنني أقرأ الخبر نفسه. مرة تكون الضحية طفلة، ومرة امرأة هربت من الحرب، ومرة ناجية تنتظر العدالة منذ سنوات. تتغير التفاصيل، لكن المشهد يتكرر بصورة مؤلمة.

وأنا أتابع هذه الأخبار من المغرب، لا أراها أحداثاً تخص بلداناً بعيدة. صحيح أن لكل مجتمع ظروفه وتعقيداته، لكن ما يجمع هذه الوقائع أكبر من اختلاف الجغرافيا. ففي كل مرة، تكون المرأة هي الحلقة الأضعف، ويصبح جسدها مساحة يمارس عليها العنف، سواء في زمن السلم أو في زمن الحرب.

وربما لهذا السبب لم تعد هذه الأخبار تمر أمامي كما كانت من قبل، لم تعد مجرد عناوين في نشرات الأخبار، بل تحولت إلى أسئلة تلاحقني: لماذا تتقدم البشرية في مجالات لا حصر لها، بينما تعجز، حتى اليوم، عن ضمان أبسط الحقوق للنساء، وهو الحق في الأمان؟

أخشى أحياناً أن تكون المشكلة الأكبر ليست في تكرار هذه الجرائم، بل في اعتيادنا عليها، أن نستيقظ على خبر اغتصاب، فنغضب لدقائق، ثم نمضي إلى الخبر التالي. أن تتحول المأساة إلى رقم جديد، وأن يصبح الألم جزءاً من الروتين اليومي الذي تفرضه سرعة الأخبار.

هنا تحديداً، أجد أن مسؤولية الصحافة تتجاوز نقل الوقائع، فالصحفي لا يكتفي بإخبار الناس بما حدث، بل يساعدهم أيضاً على ألا ينسوا، وعلى أن يروا الصلة بين الأحداث التي تبدو متفرقة، فما يحدث في الهند ليس معزولاً عن السودان، وما يحدث في ليبيا ليس قصة انتهت بمجرد فتح ملف قضائي. كلها تذكير بأن معركة النساء من أجل الأمان والكرامة لم تنته بعد.

لا أكتب هذه الكلمات لأنني أملك حلولاً جاهزة، ولا لأنني أظن أن مقال رأي سيوقف العنف ضد النساء، بل أكتب لأن الكتابة، بالنسبة إلي، هي مقاومة للنسيان. وكلما تصفحت الأخبار، أدركت أن وراء كل عنوان امرأة لها اسم، وحكاية، وأحلام لم تكتمل. وما أخشاه ليس أن تتكرر هذه الجرائم فحسب، بل أن نعتاد قراءتها، وأن تصبح جزءاً من روتين الأخبار اليومي.

ومن المغرب، وأنا أراقب هذا العالم الذي يبدو صغيراً على شاشة هاتف، وكبيراً في مآسيه، أزداد قناعة بأن الدفاع عن حق النساء في الأمان ليس قضية تخص بلداً بعينه، ولا شأناً نسوياً فحسب، بل هو معيار حقيقي لمدى إنسانية العالم الذي نريد أن نعيش فيه.