الإعلام الرسمي يهمّش النساء في سوريا… والإعلام البديل يتحول إلى نافذة لرفع أصواتهن

في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ سوريا تبرز أهمية إيصال قضايا المرأة للرأي العام، ولكن هذا المسعى يصطدم بالإعلام الرسمي الذي لا يمنح النساء المساحة الكافية للتعبير عن آرائهن، ويدفع أكثر نحو استخدام وسائل التواصل الافتراضي.

سوركل شيخو

قامشلو ـ بعد سنوات طويلة من الحرب والأزمات الإنسانية والسياسية والاجتماعية، التي لا تزال تلقي بظلالها على سوريا في إطار ما يمكن وصفه بـ "الحرب الصامتة والخفية"، تواجه النساء السوريات صعوبات كبيرة في إيصال أصواتهن والمشاركة الفاعلة في رسم مستقبل بلادهن.

على الرغم من الأدوار الريادية والمهمة التي لعبتها النساء السوريات على الأرض وفي إدارة شؤون المجتمع وأسرهن، فإن تمثيلهن الحقيقي وأصواتهن المستقلة ما زالت تواجه عقبات عديدة، وغالباً ما تُقمع.

وتشير سامية كردي محررة مجلة آفاق المرأة إلى أن جهاديي هيئة تحرير الشام، التي بقيت لسنوات مدرجة على قوائم الإرهاب لدى قوى دولية، تتولى إدارة سوريا منذ نحو عام ونصف، من دون أن يخضع قادتها للمساءلة أو المحاكمة أمام المحاكم الدولية "انعكس هذا الواقع أيضاً على قطاع الإعلام، إذ لا تتوافر في سوريا مساحة تتيح للمواطنين، ولا سيما النساء، التعبير بحرية عن آرائهن أو مناقشة قضاياهن على شاشات الإعلام من دون الخوف من العنف أو القتل أو الاختطاف".

وتوحيد الخطاب الإعلامي لدعم قضايا المرأة في سوريا، والانتقال بملف المرأة من المعالجات السطحية والمؤقتة إلى تبني استراتيجية وطنية وإنسانية شاملة، يُعد خطوة مهمة بحسب تأكيدها.

وقالت سامية كردي أيضاً إن النساء السوريات تعرضن خلال السنوات الماضية لصعوبات كبيرة نتيجة النزوح والفقر والأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد "على الرغم من كل هذه التحديات، حافظت النساء على ثقتهن بأنفسهن، وسعين إلى تحقيق خطوات مهمة في مجالات التعليم والعمل والمبادرات الإنسانية، لكن بعد التغيرات السياسية التي شهدتها سوريا، ولا سيما عقب سقوط نظام البعث البائد، دخلت البلاد مرحلة جديدة من التحول".

 

العقلية الذكورية وممارسات السلطة تحدّان من مشاركة النساء

آمال النساء السوريات اصطدمت بالعقلية الذكورية السائدة كما تؤكد "في الحقيقة، كانت النساء يأملن أن تكون هذه المرحلة مرحلتهن، بحيث يتمكنّ من إثبات أنفسهن أكثر وتجاوز العقبات التي لطالما أعاقت حريتهن، وأن يحققن تقدماً أكبر، لكن الواقع هو أن العقلية الأبوية وهيمنة الرجال ما زالت تسيطر على البلاد، بل أصبحت أكثر حضوراً".

وأضافت أن الإعلان الدستوري تضمن أيضاً مظاهر من التمييز بحق النساء "المجتمعات التي تُبنى على العقلية الأبوية هي مجتمعات غير ديمقراطية، وغير عادلة، وتفتقر إلى المشاركة، وعلى العكس من ذلك، فإن المجتمعات التي يبنيها النساء والرجال معاً تكون أكثر ديمقراطية، وأكثر مشاركة، وأكثر تعددية، ومن هذا المنطلق نسعى إلى مستقبل أفضل، وقد شكل نموذج الإدارة الذاتية أحد أكثر النماذج العالمية تقدماً، كما أن ثورة المرأة حظيت باهتمام دولي واسع، واستقطبت أنظار النساء في مختلف أنحاء العالم، لأن المرأة أصبحت صاحبة حق وصاحبة قرار".

ولفتت إلى دور الإعلام فيما يخص طرح قضايا المرأة "يجب أن يكون الخطاب الإعلامي في سوريا محايداً، وأن يسلط الضوء على قضايا النساء، فالإعلام يؤدي دوراً أساسياً في إبراز معاناة النساء، وفي تمكينهن من إيصال أصواتهن والاستماع إليهن، ولا سيما أننا نمر بمرحلة شديدة الحساسية، كما ينبغي للإعلام أن يبرز إنجازات النساء، وأن يضمن لهن حرية التعبير دون التعرض للضغوط، كذلك يجب الابتعاد عن استخدام المصطلحات التي تنتقص من إنسانيتهن أو هويتهن الشخصية أو وجودهن".

وأضافت سامية كردي أن الإعلام يُعد السلطة الرابعة في كل دولة، ولذلك فهو قادر على التأثير في الرأي العام "على كل امرأة شابة أن تؤمن بنفسها، وأن تتحلى بإرادة قوية، وأن تخطو خطوات واثقة، فمستقبل سوريا الجديدة لن يُبنى إلا عندما تكون المرأة في طليعة كل مشروع حر وديمقراطي، لأن المرأة تمتلك رؤية للمستقبل".

وترى أن إيصال صوت النساء في سوريا خلال هذه المرحلة أمر بالغ الأهمية "في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ سوريا، يجب رفع صوت النساء، بغض النظر عن وجهات نظرهن أو مقارباتهن أو حواراتهن. يجب أن يُسمع صوتهن الآن، لأن سوريا لا تزال تمر بمرحلة إعادة البناء وإعادة تشكيل مستقبلها".

 

غياب المساحة الآمنة في الإعلام الرسمي

ولا تنكر أن الواقع اليوم مختلف تماماً، إذ يجري "تهميش أصوات النساء"، وتتعرضن لمختلف أشكال العنف "تواجه النساء في سوريا تحديات متزايدة في إيصال أصواتهن والمشاركة في النقاش العام، بالتزامن مع مرحلة سياسية تعيد رسم ملامح مستقبل البلاد".

وتبين أنه جراء محدودية حضور قضايا المرأة في وسائل الإعلام الرسمية، تتجه كثير من النساء إلى المنصات الرقمية بوصفها مساحة للتعبير عن آرائهن، وطرح قضاياهن، والمطالبة بحقوقهن.

وحول المسؤوليات الملقاة على عاتق الإعلام النسوي والإعلام السوري عموماً، قالت سامية كردي "نحن، كصحفيين، يجب أن نرفع صوت النساء، وأن نتابع قضاياهن، وأن ننقلها إلى الرأي العام، حتى نصل إلى سوريا ديمقراطية، تعددية، ولا مركزية، لأن مستقبل سوريا سيُبنى بأيدي النساء".

ولمواجهة وسائل الإعلام التقليدية والتي تنطق باسم السلطة تؤكد رئيسة تحرير مجلة آفاق المرأة سامية كردي أنه على النساء التوجه نحو الإعلام البديل المتمثل بوسائل التواصل الافتراضي "على الرغم من الظلم والانتهاكات التي يتعرضن لها، سواء في الحياة العامة أو خلف جدران السجون، وبما أن وسائل الإعلام الرسمية لا تمنح النساء المساحة الكافية للتعبير عن آرائهن، فعليهن اللجوء إلى وسائل التواصل الافتراضي، لمناقشة قضاياهن، وإيصال رسائلهن إلى الجميع، والتحرر من القيود المفروضة عليهن، فداخل كل امرأة قوة عظيمة، والمرأة التي تؤمن بنفسها قادرة على تحقيق ما يبدو مستحيلاً".