أجساد مستباحة... النساء السوريات في مصيدة الانفلات الأمني

يكشف الانفلات الأمني في سوريا عن مسؤولية سياسية وجنائية مباشرة للقوى المهيمنة، فخلف جدران العجز المؤسساتي الموروث بعد سقوط نظام البعث، تتداخل الأيديولوجيا بالتواطؤ العمدي، لتتحول أجساد النساء إلى ساحة مستباحة لتصفية الحسابات السياسية والثأر الطائفي.

سيلفا الإبراهيم

مركز الأخبار ـ يتجاوز واقع النساء في سوريا اليوم حدود الأرقام، ليعكس عمق مأساة أفرزتها سلطة متطرفة فرضتها القوى المهيمنة، سلطة اختصرت في عام ونصف عقوداً من استبداد نظام البعث، لقد أثبت هذا التحول فشل حراك اكتفى بتغيير الظالم دون اقتلاع الظلم، لتصبح أجساد النساء ساحة مفتوحة لانتهاكات ممنهجة وانفلات أمني جائر.

إن ما تعيشه النساء في سوريا ليس مجرد أرقام صماء أو مواقف عابرة، بل هو نتاج أزمة رُفعت باسم الثورة، لكنها أعادت إنتاج سلطة متطرفة وجائرة صُنعت بأيدي القوى المهيمنة وفي مقدمتها أمريكا وإسرائيل، لقد اختصرت هذه السلطة الجديدة بؤس واضطهاد عقودٍ من حكم البعث في عام ونصف فقط! هذه الفترة كانت كفيلة بإثبات أن معظم الثورات تفشل حين تكتفي بتغيير الظالم دون اقتلاع الظلم، وهو تماماً ما جسده الروائي جورج أورويل في روايته الشهيرة "مزرعة الحيوان".

إذ تشهد سوريا اليوم، منذ اعتلاء جهاديي هيئة تحرير الشام سدة الحكم، حالة عارمة من الانفلات الأمني كانت النساء فيها الضحية الأكبر لهذه الكارثة، ولم يكن هذا التفاقم نتاج فراغ أمني طبيعي يرافق المراحل الانتقالية بعد سقوط نظام البعث، بل لأن السلطة الجديدة نفسها كانت شريكاً رئيساً في ترسيخ الفوضى في المدن السورية، فضلاً عن رعايتها لهجمات طائفية وعرقية ترقى إلى جرائم حرب ضد العلويين، الدروز، والمكون الكردي.

إن ما نتحدث عنه هنا ليس مجرد سرديات أو روايات شفهية يتناقلها المجتمع، بل هو واقع مرير حُفر على أجساد النساء ليعكس الحقيقة الوحيدة لمن يديرون سوريا اليوم، أولئك الذين يتباهون في المحافل الدولية بارتداء البدلات الرسمية وربطات العنق لإخفاء وجههم الحقيقي، وهو واقع جرى توثيقه بالدليل القاطع عبر تحقيقات نشرتها وكالات الأنباء والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان داخل سوريا وخارجها.

 

تقارير تكشف المستور... أجساد النساء ساحة للانتقام

ولعل أبرز ما يرفع الغطاء عن هذا الواقع المرير هو ما كشفه تحقيق موسع لصحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، صدر في نيسان/أبريل من العام الجاري، حيث أكد أن عمليات اختطاف النساء والفتيات من الطائفة العلوية في سوريا باتت أكثر شيوعاً ووحشية مما تقر به، إذ يُستهدفن بدافع الانتقام من ممارسات النظام السابق بعد الإطاحة ببشار الأسد أواخر عام 2024.

وتحققت الصحيفة عبر مقابلات مع الضحايا وأقاربهن من اختطاف 13 امرأة وفتاة علوية، تعرضت 5 منهن للاغتصاب، وعادت اثنتان حاملين نتيجة الاعتداءات، ويسرد التحقيق قصصاً مروعة، منها اختطاف فتاة تبلغ من العمر 16 عاماً في أيار/مايو 2025 واحتجازها لأكثر من مئة يوم تعرضت فيها للتخدير والاغتصاب المنتظم حتى عادت حاملاً بعد دفع فدية بالآلاف.

كما روت شابة تبلغ من العمر 24 عاماً احتجازها لثلاثة أسابيع تعرضت خلالها للضرب، والاغتصاب، والتشويه بشفرات الحلاقة، وحلق شعر رأسها وحاجبيها قبل دفع فدية مالية. وفي المقابل، أرسلت عائلة أخرى فدية بقيمة 17 ألف دولار دون أن يُطلق سراح ابنتها.

وتتقاطع هذه المعطيات مع تحقيقات أخرى، كتحقيق "بي بي سي" في شباط/فبراير من العام الجاري الذي وثق البعد الأيديولوجي الديني المتطرف لعمليات الاختطاف، وتكفير الضحايا وإجبارهن على ممارسات دينية قسرية، كما أشارت منظمة العفو الدولية لإنكار السلطات وتقاعس الأجهزة الأمنية عن إحراز تقدم بالتحقيقات رغم إبلاغها بوجود أنماط أذى تشمل الإيذاء الجسدي والإجبار على الزواج، بما يشمل القاصرات.

بالمقابل نفت سلطات هيئة تحرير الشام الاستهداف الممنهج للنساء والفتيات العلويات، وزعمت عدم تحققها إلا من حالة واحدة فقط.


الأرقام تكشف زيف إنكار السلطة

في ذات السياق التوثيقي، يتقاطع تقرير "اللوبي النسوي السوري" المنشور في أيار/مايو من العام الجاري تحت عنوان "الحرب على الكرامة"، بشكل مباشر مع ما كشفته الصحافة العالمية، ليؤكدا معاً من خلال رصد انتهاكات عام 2025 أن اختطاف النساء والفتيات ليس مجرد حوادث معزولة، بل هو نمط ممنهج من العنف القائم على النوع الاجتماعي والاستهداف الطائفي، يُستخدم كأداة ضغط وإذلال للمجتمعات المحلية في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق.

حيث وثق التقرير 82 حالة اختطاف في مناطق الساحل وحمص وحماة، استهدفت الإناث اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 و40 عاماً، الغالبية العظمى منهن بنسبة 90 بالمئة كنّ من النساء، بينما شكلت القاصرات 10 بالمئة، والصادم في هذه الإحصائية أن 60 بالمئة من إجمالي المختطفات ما زلن في عداد المفقودات حتى اليوم.

وفي السويداء، سُجلت 190 حالة اختفاء خلال مجازر تموز/يوليو 2025، أُفرِج عن الناجيات منها لاحقاً عبر وساطات وعمليات تبادل، مع تسجيل حالات وفاة مؤسفة.

وتتطابق شهادات هذا التقرير مع تحقيق "نيويورك تايمز" في كيفية تعرض الضحايا للاختطاف من المنازل والطرقات، ونقلهن عبر حواجز تابعة للسلطة، بالتزامن مع ممارسة العنف الجنسي والجسدي، ومحاولات فرض تغيير الهوية الدينية قسراً، وهي معطيات أيدتها تقارير دولية أخرى كتوثيق لجنة التحقيق الدولية لـ 21 حالة، وخلص التقرير المحلي انسجاماً مع الاستنتاجات الدولية إلى أن استجابة السلطة الانتقالية تتسم بالقصور والإنكار، متوجهاً بمطالبات حثيثة لفتح تحقيقات مستقلة، ومساءلة الجناة، وتوفير الدعم الشامل للناجيات.


خريطة الانتهاكات الشاملة وتمدد الفوضى الأمنية

أن المشهد يزداد قتامة حين نخرج من إطار استهداف الأقليات في مناطق الساحل والسويداء، إذ يأتي تقرير المرصد السوري لحقوق الإنسان ليؤكد شمولية هذه الفاجعة عبر خريطة انتهاكات ممتدة تشمل حلب، وريف دمشق، وإدلب، والرقة، والحسكة، مما يوضح أن الانفلات الأمني استحال تهديداً وجودياً يطارد المرأة السورية أينما وُجدت.

كما تكشف المعطيات عن تحول خطير في أنماط الجريمة، فالأذى لم يعد محصوراً في الخطف والابتزاز السياسي والمادي، بل امتد ليتغلغل داخل الجدران المغلقة عبر تصاعد حدة القتل الأسري تحت مسمى "جرائم الشرف"، لينتزع من النساء حتى حقهن في الأمان الأسري.

وتكتمل هذه الصورة السوداوية بإحصائية مروعة وثق فيها المرصد السوري مقتل 35 امرأة منذ مطلع العام في جرائم جنائية وسياقات مختلفة، هذا التواتر الرقمي يصادق على تحذيرات التقارير السابقة، إن انهيار منظومة العدالة وعجز الأجهزة الأمنية عن بسط القانون، لم ينتج فراغاً مؤقتاً، بل خلق بيئة مثالية لإعادة إنتاج العنف بشتى أشكاله ضد النساء.


جرائم حرب وإفلات من العقاب في مرآة التقارير الأممية والدولية

تضع التقارير الأممية والدولية الصادرة بين عامي 2025-2026 هذه الانتهاكات في سياق قانوني صارم، موجهة اتهامات مباشرة لجهاديي هيئة تحرير الشام بالتواطؤ المبني على التمييز الأيديولوجي والطائفي وليس مجرد العجز.

وتتلخص الإدانات الدولية في اعتبار هذه الممارسات جرائم حرب قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، إذ أكدت لجنة التحقيق الدولية المستقلة وجود نمط مقلق يستهدف الأقليات كالعلوية، ويشمل القتل والتعذيب والاختطاف، كما أشار خبراء الأمم المتحدة إلى حملة مستهدفة ضد النساء والفتيات تقوم على أسس جندرية وطائفية متقاطعة، تشمل الاعتداء الجنسي وإجبار القاصرات على الزواج.

من جهة أخرى، تدين منظمات كالعفو الدولية الهوية الأيديولوجية المتطرفة للفصائل الحالية، حيث يغذي فكرها الراديكالي خطابات التكفير والتشفي الانتقامي ضد الفئات المحسوبة على النظام السابق، مما نزع الحماية القانونية عن الأقليات.

ويتجلى هذا التواطؤ في الإنكار الممنهج والإفلات من العقاب، حيث تتقاعس الأجهزة الأمنية عن التحقيق وتلوم أهالي الضحايا، في حين صُممت آليات المحاسبة الرسمية لاستثناء انتهاكات القوى المسيطرة الحالية وحصرها في الماضي، هذا السلوك اعتبرته الأمم المتحدة ترسيخاً لبيئة الإفلات من العقاب التي تقتل أي أمل في الإصلاح المستقبلي وتدمر السلم الأهلي.

رغم التوثيق الأممي والدولي الحاشد الذي يضع هذه الفظائع في خانة جرائم الحرب، يبقى الموقف الدولي عاجزاً عن فرض أدوات حقيقية للمحاسبة، وفي ظل هذا التقاعس والإفلات الممنهج من العقاب، تستمر عمليات الاختطاف والقتل بحق النساء السوريات دون أي رادع، لتظل أجسادهن تدفع الكلفة الأقسى لسلطة جائرة غيبت العدالة والقانون.