أفغانستان… بلدٌ يدفع ثمن الهجرة منذ عقود
تعيش أفغانستان أزمة هجرة مستمرة منذ عقود، دفعت ملايين المواطنين إلى الفرار من الحرب والفقر والاضطراب السياسي. ومع كل تغير في المشهد الداخلي، تتجدد موجات النزوح، لتجعل من الهجرة واقعاً يومياً يثقل كاهل البلاد ويعمق معاناة شعبها.
بهاران لهيب
أفغانستان ـ تتواصل في أفغانستان واحدة من أطول وأعقد أزمات الهجرة في العالم. فالهجرة هنا ليست مجرد حركة بشرية عابرة، بل قصة ممتدة عبر عقود، تتشابك فيها الحرب مع الفقر، والسياسة مع المناخ، واليأس مع البحث عن حياة أكثر أمناً وكرامة. ملايين الأفغان غادروا بلادهم، بعضهم فراراً من الموت، وآخرون هرباً من مستقبل مجهول.
منذ سبعينيات القرن الماضي، ظل انعدام الأمن العامل الأكثر تأثيراً في دفع الأفغان إلى الهجرة. فبعد انقلاب الـ 27 من نيسان/أبريل 1978، ثم الغزو السوفييتي عام 1979، تحوّلت الهجرة من ظاهرة محدودة إلى نزوح جماعي قسري. حيث كانت العائلات تغادر بحثاً عن النجاة، بعدما أصبحت الحرب جزءاً من الحياة اليومية.
اقتصاد منهار يدفع الناس إلى الرحيل
مع مرور الوقت، لم تعد الحرب وحدها المحرّك الرئيسي للهجرة من أفغانستان. فقد أدّى الانهيار الاقتصادي الحاد، وارتفاع معدلات البطالة، وغياب أي فرص عمل خصوصاً بعد عام 2021 إلى دفع آلاف الشباب إلى سلك طرق الهجرة الخطرة بحثاً عن مصدر رزق يضمن الحد الأدنى من الحياة الكريمة.
قبل هذه التحولات العميقة، كان عدد محدود من الأفغان يغادرون البلاد لأغراض التعليم أو التجارة. لكن مع تفاقم الأوضاع الأمنية والاقتصادية، تحوّلت الهجرة إلى خيار اضطراري للنجاة من الحرب والفقر معاً، وإلى جانب ذلك تبرز القيود الاجتماعية والسياسية المتزايدة، ولا سيما المفروضة على النساء، كعامل أساسي آخر يدفع الأسر إلى الرحيل. فحرمان النساء من التعليم والعمل والمشاركة العامة جعل كثيراً من العائلات ترى في الهجرة الطريق الوحيد لتأمين مستقبل أفضل لبناتها.
كما أسهمت التغيرات المناخية في تعميق أزمة الهجرة، بعدما ضربت موجات الجفاف المتتالية مساحات واسعة من البلاد، وتراجعت مصادر المياه، وتدهورت الأراضي الزراعية. هذا الانهيار البيئي دفع آلاف الأسر الريفية إلى ترك قراها بعدما فقدت مصدر رزقها الوحيد.

وبالنسبة لكثير من الأفغان، باتت الهجرة كلمة ترتبط بالألم والخسارة. فخلال العقود الماضية، ومع كل تحوّل سياسي أو عسكري، كانت موجات جديدة من النزوح تتشكل، ليتجه ملايين الأشخاص نحو إيران وباكستان، أو نحو دول أوروبا والولايات المتحدة بحثاً عن الأمان.
وخلال حرب الفصائل الداخلية بين عامي 1992 و1996، تحوّلت كابول إلى واحدة من أكثر المدن دماراً. في تلك السنوات، لم تكن الهجرة خياراً لتحسين الحياة، بل ضرورة لحماية الكرامة الإنسانية وصون الحياة نفسها.
ومع سيطرة طالبان على الحكم في 27 أيلول/سبتمبر 1996، بدأت موجة جديدة من النزوح، خصوصاً بعد عمليات القتل الواسعة في مزار شريف وباميان وشمال كابول، ما دفع آلاف العائلات إلى الفرار نحو الحدود الباكستانية في ظروف قاسية افتقرت إلى الماء والغذاء.
وفي عام 2001، ومع دخول القوات الأمريكية وتشكيل حكومة جديدة، شهدت البلاد فترة من التحسن النسبي. بين عامي 2002 و2005 عاد مئات الآلاف من المهاجرين من دول الجوار وحتى من أوروبا، في واحدة من أكبر عمليات العودة الطوعية في العالم. ووفق تقرير المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) لعام 2012، عاد أكثر من 5.7 ملايين أفغاني خلال تلك الفترة.
لكن هذا الاستقرار لم يدم طويلاً. فمنذ عام 2014، ومع تصاعد الهجمات الانتحارية والانفجارات وارتفاع معدلات الجريمة والاختطاف، بدأت موجة جديدة من الهجرة.
ثم جاءت نقطة التحول الكبرى عام 2021، مع عودة طالبان إلى السلطة. ففي الأيام الأولى لسقوط كابول، تدفّق آلاف المواطنين إلى المطار في محاولة يائسة لمغادرة البلاد. وأسفر الازدحام والانفجار الذي وقع هناك عن مقتل وإصابة العشرات، بينهم نساء وأطفال. واستمرت عمليات الإجلاء عبر الرحلات العسكرية الأمريكية لأسابيع، نُقل خلالها عدد كبير من الأفغان إلى دول مختلفة، خصوصاً الولايات المتحدة.
ووفق تقرير خدمات الأبحاث في الكونغرس الأميركي (CRS) الصادر في آذار/مارس 2025، لا يزال آلاف الأفغان الذين نُقلوا إلى الولايات المتحدة يعيشون في أوضاع إقامة مؤقتة، ويواجهون مستقبلاً غامضاً وغير مستقر.
الترحيل الواسع للمهاجرين من إيران وباكستان
على مدى عقود، شكّلت إيران وباكستان الوجهة الأولى للمهاجرين الأفغان، إذ استقبل البلدان ملايين الفارّين من الحرب والفقر وعدم الاستقرار. غير أنّ السنوات الأخيرة شهدت تحوّلاً حاداً في سياسات البلدين تجاههم، مع اعتماد إجراءات أكثر صرامة أدّت إلى موجات ترحيل واسعة.
ففي تقرير صادر عن المنظمة الدولية للهجرة (IOM) في تشرين الثاني/نوفمبر 2023، تَبيّن أنّ أكثر من 1.3 مليون أفغاني أُعيدوا من باكستان خلال عام واحد، وأنّ جزءاً كبيراً من هذه العودة كانت قسرياً. وفي السياق نفسه، حذّرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) في تقرير حزيران/يونيو 2024 من الارتفاع الكبير في وتيرة عودة المهاجرين من إيران، حيث سجّلت بعض الأيام دخول أكثر من 10 آلاف شخص عبر معبر إسلام قلعة إلى داخل الأراضي الأفغانية.
وتأتي هذه العودة الجماعية في وقت تفتقر فيه أفغانستان إلى القدرة على استيعاب هذا التدفق البشري الهائل. فغياب المأوى، وانعدام فرص العمل، وضعف الخدمات الأساسية يجعل العائدين في مواجهة أزمة إنسانية خانقة، تتفاقم في ظل الوضع الأمني والسياسي الهش داخل البلاد.

تهديد بالترحيل
لا يقتصر القلق المتعلق بالهجرة الأفغانية على دول الجوار، بل يمتد إلى أوروبا والولايات المتحدة، حيث يعيش آلاف الأفغان في أوضاع قانونية غير مستقرة. ففي عدد من الدول الأوروبية، ارتفعت معدلات رفض طلبات اللجوء خلال السنوات الأخيرة، ما وضع الكثير من المهاجرين أمام احتمال الترحيل.
وتحذّر منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير صدر في شباط/فبراير 2024 من أنّ إعادة الأفغان إلى بلد يخضع لسيطرة طالبان وهي جماعة مسلّحة ارتكبت انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، قد تعرّضهم لخطر الاضطهاد وسوء المعاملة.
وفي الولايات المتحدة، لا يزال وضع آلاف الأفغان الذين نُقلوا عقب أحداث 2021 غير محسوم. يعيش هؤلاء في إطار إقامات مؤقتة، وسط غموض يكتنف مستقبلهم القانوني والاجتماعي.
العودة إلى بلد غير آمن
العودة إلى أفغانستان ليست نهاية رحلة الهجرة، بل بداية مرحلة جديدة من المخاطر. فقد وثّقت تقارير عديدة عمليات استجواب ومراقبة وتهديد طالت العائدين، خصوصاً أولئك الذين عملوا مع جهات دولية أو أقاموا لفترات طويلة خارج البلاد.
ورغم ادعاء طالبان أنها وفّرت الأمن، فإن شهادات كثيرة تشير إلى عكس ذلك. فالنساء والناشطات المدنيّات يواجهن قيوداً صارمة، وخوفاً دائماً من القمع، إضافة إلى الفقر والبطالة وغياب أي فرص للحياة الكريمة.
أما الأطفال العائدون، فيقعون في دائرة الحرمان من التعليم. وقد حذّرت يونيسف في تقريرها الصادر في كانون الثاني/يناير 2025 من أنّ ملايين الأطفال في أفغانستان خارج المدارس، وأنّ العودة القسرية للمهاجرين تزيد الوضع سوءاً.
ورغم انتشار لافتات الترحيب بالعائدين في شوارع كابول وعدد من الولايات، تكشف تقارير محلية ودولية عن عشرات حالات الاعتقال والقتل التي طالت عناصر أمنية سابقة، وناشطين مدنيين، وصحفيين، في ظل محاولات واضحة لإخفاء هذه الانتهاكات عن الرأي العام.
مسارات الهجرة الخطرة
تُعدّ طرق الهجرة التي يسلكها الأفغان من أخطر المسارات في العالم. فشبكات تهريب البشر، والعبور عبر حدود غير آمنة، والمخاطر التي تهدد الحياة في الصحارى والجبال والبحار، كلها جزء من الواقع القاسي الذي يواجهه المهاجرون. كثيرون يفقدون حياتهم قبل الوصول إلى وجهتهم، بينما يعيش آخرون لسنوات طويلة في أوضاع قانونية هشة داخل دول المقصد، بلا حماية واضحة أو مستقبل مضمون.
تتجذّر أزمة الهجرة الأفغانية في مزيج معقد من العوامل الداخلية والخارجية. فالحرب المستمرة، والفقر المتفاقم، وانعدام الاستقرار السياسي، والقيود الاجتماعية الصارمة، إضافة إلى السياسات المتشددة التي تتبعها بعض دول الاستضافة، كلها عناصر تتداخل لتغذي موجات الهجرة المتتابعة.
لا يمكن معالجة هذه الأزمة دون مقاربة شاملة تعالج جذورها. فالحلّ المستدام يبدأ بـ إحلال السلام، وتحسين الوضع الاقتصادي، وضمان حقوق الإنسان داخل أفغانستان. ومن دون ذلك، ستظلّ دوامة الهجرة والعودة القسرية مستمرة، وسيبقى ملايين الأفغان يبحثون عن حياة آمنة وكريمة خارج وطنهم.