ابتزاز رقمي يلاحق الطالبات... معاناة صامتة بلا حماية

في مدينة بدليس شمال كردستان تعرّضت طالبة جامعية للابتزاز عبر صور مُولّدة بالذكاء الاصطناعي، وتقدّمت بشكوى إلى مركز الشرطة، لكن لم يتم التعامل مع شكواها بجدية، بل قيل لها "لا تنشري صورك واهتمي بدروسك"، ما حمّل الضحية المسؤولية بدلاً من حمايتها.

مميهان هلبين زيدان

بدليس ـ تتزايد الجرائم ذات الطابع الجنسي ضد الطالبات في الجامعات، حيث تُضاف كل يوم حالات جديدة إلى هذا النوع من الجرائم.

في موغلا، قُتلت بينار غولتكين، وفي ديرسم كلستان دوكو، وفي وان روجين كابايش، إضافة إلى العديد من الطالبات اللواتي لا تُذكر أسماؤهن، حيث تُسلب حياتهن نتيجة عنف الدولة الذكوري، وعدم اتخاذ تدابير كافية، وسياسات الإفلات من العقاب.

 

تعرضت لابتزاز ممنهج وتبحث عن العدالة

في ظل غياب العدالة للطالبات الجامعيات، تروي زينب آكاتش (21 عاماً ـ لم تكشف عن اسمها الحقيقي لأسباب أمنية)، وهي طالبة في جامعة بدليس إيرن؛ قصة تعرضها للابتزاز منذ عام 2023، وتقول إنها عندما كانت تبلغ 18 عاماً أي في عام 2023، تم التلاعب ببعض صورها واستخدامها لابتزازها وتهديدها، وأن صورها أُخذت من حسابها على إنستغرام، وتم تحويلها باستخدام الذكاء الاصطناعي إلى صور ذات محتوى جنسي.

وأضافت "هذا الشخص انتظر حتى أبلغ 18 عاماً، لأن أول تهديد وصلني كان في يوم عيد ميلادي. هذه الصور ليست حقيقية، لكن تم تهديدي بها عبر حساب لا أعرفه. طلب مني صاحب الحساب أن أرسل له صوراً عارية، وإلا سينشر تلك الصور. شعرت بالخوف وأغلقت جميع حساباتي على مواقع التواصل".

وأشارت إلى أنها عاشت لفترة طويلة في خوف من أن يصدق المحيطون بها هذه الصور المفبركة، ولذلك لم تتقدم بشكوى رسمية في البداية، مؤكدة أن الابتزاز توقف لفترة "كوني طالبة جامعية في مدينة صغيرة، لم أرغب في انتشار هذه القصة. ربما كان الناس سيعتقدون أن من حقهم مضايقتي بعد نشر تلك الصور لذلك خفت ولم أبدأ أي إجراء قانوني".

 

التهديدات عادت من جديد

وأوضحت زينب أنها توقفت عن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لفترة طويلة، لكنها عادت لاستخدامها لاحقاً، لتتفاجأ بعد ثلاث سنوات، في عام 2026، بعودة التهديدات من جديد، وأضافت أنها تلقت رسائل من حسابات مختلفة تدّعي امتلاك صور لها "ظننت أنه لا يملك شيئاً، وأنه حذف الصور مع مرور الوقت، لكن عندما راجعت هاتفي، والرسائل القديمة، وحساباتي السابقة، أدركت أن الشخص نفسه هو من يعاود تهديدي".

كما أشارت إلى أنه تم إنشاء حسابات باسمها ونشر صور مفبركة ذات طابع جنسي باستخدام الذكاء الاصطناعي "هددني بأنه إذا لم أدخل في علاقة جنسية معه، سيرسل الصور إلى معارفي، لكن لم يكن لدي أي نية للاستجابة، لأنني أعلم أن الأمر لن يتوقف، بل سيستمر في ابتزازي بلا نهاية".

 

"العديد من النساء يتعرضن لنفس التهديدات"

وأكدت زينب أن جميع الحسابات التي هددتها عبر وسائل التواصل كانت حسابات مزيفة، مشيرةً إلى أنه منذ ذلك اليوم وحتى الآن تم التواصل معها عبر ما لا يقل عن 10 حسابات وهمية مختلفة، مضيفةً أن العديد من الطالبات في الجامعة يتعرضن لتهديدات مشابهة.

وقالت إنها بعد نشر الصور، توجهت إلى مركز الشرطة لتقديم شكوى "ذهبت إلى وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية، لكنهم قالوا لي: لا يمكننا فعل شيء، حتى لو عوقب الآن يمكنه استخدام هذه الصور بعد 3 أو 5 سنوات، كما أن العثور على هذا الشخص أو هؤلاء الأشخاص قد يستغرق شهوراً. تحدثوا معي وكأنهم يريدون إقناعي بالتراجع عن الشكوى. لم يأخذوا الأمر على محمل الجد إطلاقاً".

وبذلك أكدت أنه لم يتم اتخاذ أي إجراء بخصوص شكواها. لم تُسجّل شكوى في المركز، بل قُدّمت لها "نصائح" من قبيل "لا تنشري صورك".

كما أشارت زينب إلى أن عناصر الشرطة في المركز الذي قصدته لتقديم الشكوى قالوا لها "اذهبي واهتمي بدروسك، ويمكنك العودة لاحقاً. إذا تعرضتِ لتحرش جسدي، فحينها تعالي"، ووجّهوا لها اللوم قائلين "علينا استخدام وسائل التواصل بحذر، ولا ينبغي أن نُظهر أنفسنا، ولا أن ننشر صوراً يظهر فيها وجهنا بوضوح"، وبهذا، تم تحميلها المسؤولية بدلاً من التعامل الجاد مع قضيتها.

 

نقابة المحامين ستتقدم بشكوى قضائية

وبينت زينب أنها تخشى من وصول الجاني إلى حسابات عائلتها وأصدقائها على وسائل التواصل، مؤكدةً أنها ستتقدم بشكوى إلى النيابة العامة عبر محاميات مركز حقوق المرأة التابع لنقابة محامي بدليس لافتةً إلى احتمال أن تكون الصور بحوزة أكثر من شخص، محذّرة من الأضرار التي قد تتعرض لها بسبب طول الإجراءات.

ولفتت إلى أن الشرطة تقول "لا نستطيع العثور عليه، ولا يمكننا تحديد عنوان الـIP، وإذا كان مصدره من أمريكا فإن ذلك يستغرق وقتاً طويلاً، قد يصل إلى 3 أو 4 أشهر"، وأضافت أن مثل هذه الإجراءات الطويلة تُرهق الشابات نفسياً.

 

"أخاف من الخروج"

وروت زينب آكاتش معاناتها التي بدأت مع التهديدات وما تزال مستمرة "ذهبت عدة مرات إلى طبيب نفسي. هذا الوضع صعب جداً بالنسبة لي، لأنني لا أستطيع الذهاب إلى أي مكان بمفردي. أفكر دائماً هل سيحدث شيء؟ هل سيتحرش بي أحد؟ لذلك لا أخرج كثيراً. وفي المقابل، هذا الشخص يعيش حياته بشكل طبيعي، وأنا متأكدة أنه يفعل ذلك مع العديد من النساء، لأنه يتصرف باحترافية، وهو يستهدف النساء اللواتي تبلغ أعمارهن 18 عاماً فما فوق، لأنه لو كنا دون 18 عاماً لاعتُبر ذلك استغلالاً للأطفال وربما كان التعامل مع القضية أسرع".

كما أكدت وجود حوادث تحرش مشابهة يتم التستر عليها في جامعة إيرن "أعرف العديد من الصديقات اللواتي تعرضن للتحرش، بعضهن يتعرضن للعنف الجسدي والجنسي حتى نهاية الدراسة الجامعية، وكثيرات يتم تهديدهن بصور تم الحصول عليها قسراً، أو يتم تخديرهن بالكحول أو المخدرات ثم يتعرضن للاعتداء. أريد أن يُكشف هذا كله. إذا لم يتم الاهتمام بي أو بصديقاتي أو بأي امرأة أخرى، وإذا لم تكن العقوبات رادعة، فإن هؤلاء سيواصلون جرائمهم. يتم التقاط صور للنساء في بداية الدراسة، ويستمر ابتزازهن حتى التخرج".

 

دعوة لزميلاتها في الجامعة: ارفعن أصواتكن

وأشارت زينب إلى أن أكثر من 10 طالبات جامعيات تعرضن للابتزاز بصورهن خلال العام الماضي، مما دفع بعضهن إلى الانتحار، داعيةً جميع النساء اللواتي يتعرضن للتهديد والتحرش إلى كسر الصمت "لا أستطيع إيصال صوتي بمفردي. إذا كنا عدة أشخاص، ربما يُسمع صوتنا أكثر لذلك أتحدث الآن باسم الجميع. أرجو من كل امرأة تعاني مثلما أعاني أن تتكلم".

من جهته، أعلن مركز حقوق المرأة في نقابة محامي بدليس الذي يتولى الدفاع عن زينب آكاتش، أنه سيتقدم بشكوى رسمية لكشف الجاني ومحاسبته.