"قرار"... حين تتحول معاناة النساء إلى قصة سينمائية

ترى ميديا محمد أن السينما ليست مجرد أداة للتصوير، بل وسيلة لرواية الحياة كما هي، وسعت من خلال فيلم "قرار" لتوثيق ما يعيشه المجتمع، وإبراز قصص النساء التي قد تبقى بعيدة عن الضوء.

رونيدا حاجي

الحسكة ـ في الثقافة الكردية، شكلت المواويل والموسيقى والسينما ركائز أساسية في حفظ اللغة وصون الذاكرة والتراث، وكانت المرأة حاضرة على الدوام بوصفها فاعلاً أساسياً في هذه المجالات الثقافية والأكاديمية.

منذ عامي 2011 و2012، شهدت روج آفا توسعاً ملحوظاً في إنشاء المراكز الثقافية وأكاديميات الفنون، في إطار سعي المجتمع إلى ترسيخ نموذج يقوم على المساواة بين الجنسين. وفي هذه المؤسسات الناشئة، اضطلعت النساء بأدوار قيادية وإدارية بارزة، كما شهدت الساحة الفنية تنامياً لافتاً في إنتاج الأفلام والأعمال الوثائقية التي تناولت تفاصيل الحياة المحلية والاجتماعية، وركزت بصورة خاصة على تجارب النساء وقصصهن.

وتعد ميديا محمد من بين الوجوه النسائية التي برزت في المشهد الثقافي والفني في روج آفا، وهي طالبة في المعهد العالي للفنون التابع لأكاديمية الهلال الذهبي.

في مستهل حديثها أكدت ميديا محمد التي شاركت في إخراج فيلم "قرار" (Biryar)، على أهمية السينما بوصفها وسيلة لحفظ الذاكرة ونقل تجارب النساء وقصصهن إلى العالم، وإيصال أصواتهن إلى فضاء أوسع يتجاوز حدود المكان.

 

"نريد أن نُظهر حياتنا الحقيقية"

وحول الدور الذي يؤديه المعهد العالي لفنون الهلال الذهبي في روج آفا في تطوير حضور النساء في مختلف المجالات الفنية، قالت "بعد ثورة روج آفا وخاصة ثورة المرأة التي تأسست في إطارها، اضطلع المعهد العالي للفنون التابع لأكاديمية الهلال الذهبي بدور بالغ الأهمية في المجال الفني. ويعمل على تطوير حضور النساء وتعزيز دورهن في مختلف الفنون، سواء في الموسيقى أو الرسم أو المسرح أو السينما".

وأوضحت أن لكل مجال من هذه المجالات الفنية خصوصيته ومسؤوليته، مشيرةً إلى أن السينما تمثل بالنسبة إليها أداة مهمة لتوثيق حياة المجتمع وإبراز أبعادها التاريخية والاجتماعية "يُعرف مجتمعنا هنا من الناحيتين التاريخية والاجتماعية. ونحن نريد أن نروي من خلال الكاميرا حقيقة حياتنا، وأن ننقل التطورات التي تحدث في هذه المنطقة، وأن نسلط الضوء، بوصفنا نساء، على قصص النساء داخل المجتمع".

وأضافت "من المهم أن نطرح سؤالاً، من سيحمل مسؤولية هذه القصص ويحافظ عليها؟ ومن سيوثق البطولات التي تُصنع على أرض وطننا، وكذلك المعاناة والصعوبات التي يعيشها الناس، سواء بسبب الحرب أو التهجير أو غيرهما؟".

 

 

"قرار" قصة من الحياة الواقعية

ولفتت ميديا محمد إلى أن النساء في مجال السينما أخذن على عاتقهن مسؤولية إنتاج الأفلام ورواية قصصهن بأنفسهن، مشيرةً إلى أن فيلم "قرار" يستند إلى قصة حقيقية "لقد تحملنا نحن النساء مسؤولية العمل في مجال السينما. وفيلمنا (قرار) مستوحى من قصة حقيقية عاشت تفاصيلها فتاة هنا. كانت طالبة وصديقة لنا، فاخترنا أن ننقل جانباً من حياتها من خلال الفيلم".

وأشارت إلى أن الشخصية الرئيسية في الفيلم، سوزة، لا تمثل مجرد شخصية درامية، وإنما تحمل دلالات أوسع، إذ يمكن أن تكون صورةً لنساء وشباب كثر يعيشون واقع الحرب والتهجير وما يرافقه من تحديات.

وأضافت "سوزة ليست مجرد شخصية في الفيلم؛ يمكن أن تكون أنا، أو أنت، أو أي شخص يشاهد الفيلم. فهي تعكس الصعوبات التي يعيشها هذا الجيل، وتطرح سؤالاً حول كيفية تمسك الإنسان بحلمه وسط الحرب، وكيف يمكنه أن يواصل بناء حلمه وتحقيقه رغم التهجير الذي فُرض على هذا الشعب، ورغم الحياة القاسية التي يعيشها".

 

ثماني سنوات من التهجير

سوزة البالغة من العمر 22 عاماً، فتاة من عفرين وطالبة في السنة الأولى بقسم السينما في المعهد العالي للفنون التابع لأكاديمية الهلال الذهبي. عاشت ثماني سنوات من التهجير في مدرسة تحولت إلى مأوى لعائلات عفرين.

وعن دور سوزة في الفيلم قالت"بعد ثماني سنوات من التهجير، عاشت سوزة في مدرسة أصبحت مأوى لعائلات عفرين. وبعد اتخاذ قرار العودة إلى عفرين، تجد نفسها بين العودة إلى الوطن بعد ثماني سنوات من الشوق، وبين البقاء هنا. إنها تريد أن تصبح سينمائية تعرّف بوطنها، وتنقل معاناة وطنها ومقاومته".

 

"كلا القرارين يكمل أحدهما الآخر"

وأوضحت ميديا محمد أن سوزة في الفيلم تجد نفسها بين عالمين وقرارين؛ إما العودة إلى وطنها بعد ثماني سنوات من الشوق، أو البقاء في المكان الذي توجد فيه وتحقيق حلمها في السينما، مشيرةً إلى أن سوزة تعيش بين مدرستين.

وتابعت "إحدى المدرستين هي المدرسة التي أصبحت مأوى لعائلتها، والأخرى هي المكان الذي يأوي أحلامها. على سوزة أن تتخذ قراراً: هل ستذهب أم ستبقى وتحقق حلمها؟ كلا القرارين يكمل أحدهما الآخر. فببقائها، ستصبح جواباً لوطنها، وبذهابها ستضع حداً لشوق استمر سنوات. نحن لا نريد أن نكشف نهاية الفيلم. ومن يشاهد الفيلم سيعرف قرار سوزة".

 

"الفيلم عمل جماعي للنساء"

وسلّطت ميديا محمد الضوء على الطابع الجماعي للعمل الذي شارك فيه الطلاب والمدرسون خلال مراحل إعداد الفيلم، مؤكدةً أن اختيار "قرار" للمشاركة في مهرجان كبير جاء ثمرةً لهذا الجهد المشترك "الفيلم هو ثمرة عمل جماعي. اجتمعنا معاً كنساء وبروح جماعية، ومن خلال هذا العمل حاولنا أن نجيب عن سؤال أساسي: لماذا نريد دراسة السينما؟ لقد تحوّلنا إلى رسالة تحمل قصة صديقتنا ووطننا، ووضعنا معاناتهما أمام الكاميرا. ويسلط الفيلم الضوء على تفاصيل حياة النازحين، وعلى واقع جيل يحاول مواصلة تعليمه وتحقيق طموحاته في ظل الحرب والظروف القاسية".

وأضافت "بالنسبة لنا لا يمثل الفيلم مجرد عمل سينمائي، بل هو جزء من حياة إنسان عاش تجربة التهجير طوال ثماني سنوات. لقد حاولنا أن نجسد في الفيلم حياة هذا الإنسان بعد ثمانية أعوام من التهجير، بكل ما حملتها تلك السنوات من تفاصيل مؤلمة وجميلة، ومن تجارب وصعوبات وذكريات".

 

"اختيار الفيلم يمنحنا معنويات كبيرة"

وأكدت ميديا محمد أن جهود الطلاب والمدرسين ومحبتهم كان لها دور كبير في إنجاز الفيلم، وقالت إن اختيار "قرار" للمشاركة في مهرجان كبير يمثل معنويات كبيرة بالنسبة إليهن "هذا جهد جماعي ومحبة جماعية من النساء. كنا ثلاث طالبات، وبكاميرا واحدة أنجزنا هذا العمل. واليوم نحصد ثمرة جهدنا وجهد مدرسينا، بالنسبة لنا، فإن اختيار الفيلم في مهرجان كبير هو أكبر نجاح يمكن أن نحققه لمشاركة قصة نساء وطننا مع البلدان الأخرى".

 

"نريد أن نوصل قصص نساء وطننا إلى العالم"

وأشارت ميديا محمد إلى أن النساء العاملات في مجال السينما اضطلعن بمسؤولية مهمة "لا أحد يعرف تفاصيل الحياة في وطننا، وثقافتنا، وصعوباتنا، وأفراحنا، ومقاومة النساء في حياتهن. لذلك نحن نتحمل مسؤولية نقل ذلك. نحن، كنساء كرديات، نريد أن نسلط الضوء على المجتمع الكردي هنا، وأن نجعله نموذجاً للعالم أجمع. فما تعيشه النساء هنا يمكن أن يكون نموذجاً لجميع نساء العالم".

 

"الفن قادر على إحداث تغيير كبير في المجتمع"

وسلطت ميديا محمد الضوء على قوة الفن وتأثيره في المجتمع، وقالت إن الفن يمكن أن يكون قوة تُحدث تغييرات وتحولات كبيرة "نحن بوصفنا مجتمعاً كردياً، نرى أن الفن هو تاريخنا. ومن خلال الفن حافظنا على أشياء كثيرة حتى يومنا هذا، وسنواصل القيام بذلك".

ودعت الفتيات الموهوبات والقديرات إلى التوجه إلى المعهد العالي للفنون، وأن يصبحن شاهدات على القصص التي تُعاش هنا، واختتمت حديثها بالقول "ندائي إلى كل فتاة موهوبة تريد أن تكون شاهدة على جميع القصص التي تُعاش هنا: لتتقدم إلى المعهد، ولتتمسك بأحلامها. ففي ظل حياة الحرب الطويلة تُسحق الأحلام. لذلك علينا ألا نسمح بسحق الأحلام، وأن نحافظ على قصص نساء وطننا".