خيوط الصوف ترسم حكاية امرأة مع القفة المغربية
تتقاطع في تجربة نزهة حبيبي خيوط الصوف الملونة مع سعف الدوم، لتمنح القفة التقليدية شكلاً جديداً، في مسار حرفية تعلمت الزخرفة بنفسها، وحولت مهارتها إلى مشروع نسجت تفاصيله بيدها.
حنان حارت
المغرب ـ تحتفظ الحرف التقليدية بمكانتها في الحياة اليومية، لكنها تتغير مع الوقت لتواكب الأذواق والحاجات الجديدة. ومن بين هذه الحرف تبرز القفة المغربية المصنوعة من سعف الدوم، التي لم تعد تقتصر على وظيفتها التقليدية، بل أصبحت مساحة للزخرفة والابتكار.
تجلس الصانعة التقليدية نزهة حبيبي أمام قفة منسوجة من الدوم، تحيط بها بكرات من الصوف الملون وإبرة لا تكاد تفارق يديها، تمرر الخيط بهدوء بين فتحات القفة، قبل أن تتوقف للحظة لتتأمل ما أنجزته، ثم تضيف غرزة جديدة.
في هذا العمل اليدوي الدقيق، الذي يتطلب الصبر والوقت، وجدت مساحة للإبداع ومصدراً للدخل، كما أنها لم تتلق تدريباً متخصصاً في هذه الحرفة، بل تعلمت تفاصيلها بنفسها، فبدأت بالرسم على القفف وتزيينها، ثم أخذت تجربتها تتطور تدريجياً إلى أن باتت لها طريقتها الخاصة في العمل.
حين تتحول القفة إلى مساحة للإبداع
تقول نزهة حبيبي إن القفف التي كانت تعمل عليها في البداية كانت بسيطة، وإنها فكرت في إضافة لمستها الخاصة إليها، استجابة لرغبات الزبائن.
وتوضح "كانت هذه الحرفة وهذا المنتوج في البداية عبارة عن قفف بسيطة، وأنا من فكرت في تزيينها، كنت أعمل وفق طلبات الزبائن، يأتي أحدهم ويطلب مني شكلاً أو تصميماً معيناً، فأحاول تنفيذه، ومع مرور الوقت، طورت عملي من خلال البحث والتجربة".
وتقول "بعض الكلمات أو التصاميم آخذها من الزبائن، هم يطلبونها مني وأنا أنفذها... أما الألوان، فأحياناً أقترحها أنا، وأحياناً يختار الزبون اللون الذي يريده، وأنا أعمل عليه".
وكان دخولها إلى هذا المجال يحمل تحدياً إضافياً، إذ وجدت أن الرجال كانوا يشكلون الغالبية بين العاملين فيه، لكنها واصلت العمل "عندما دخلت هذا المجال، وجدت أن أغلب من كانوا يعملون فيه رجالاً، لكنني شققت طريقي فيه بثبات، وطورت أسلوبي وخبرتي، حتى أصبح لي اسمي الخاص في هذه الحرفة".
حين غاب المحل وبقيت الحرفة
مع اتساع نشاطها، قررت نزهة حبيبي الاستثمار في مشروعها، فاقتنت متجراً في حي ليساسفة بالدار البيضاء، واستثمرت فيه من مالها الخاص.
داخل المتجر لم تكن تكتفي بعرض منتجاتها وبيعها، بل كان المكان فضاء للعمل والتواصل المباشر مع الزبائن. وهناك واصلت تطوير تصاميمها، كما شاركها أبناءها في العمل، في وقت كانت تأمل فيه أن يتوسع مشروعها ويستمر.
لكن هذا المسار توقف بعد هدم المتجر ضمن مجموعة من المتاجر والمحال التجارية التي تقول إنها هدمت بدعوى إقامتها ضمن بناء عشوائي، ومنذ ذلك الوقت، وجدت نفسها مضطرة إلى نقل منتجاتها وأدوات عملها إلى المنزل.
وتؤكد أنها لم تحصل على أي تعويض حتى الآن، فيما تقول إنها ما تزال تنتظر حلاً لوضع أصحاب المحال المتضررة.
ولم يكن فقدان المتجر بالنسبة إليها مجرد خسارة لمكان تجاري، بل أثر أيضاً على طريقة عملها وعلى قدرتها على الإبداع والتواصل مع الزبائن "بعد هدم المتجر، لم يعد لدي المكان الذي أعرض فيه سلعي، أصبحت كل المنتجات والأدوات في البيت، ولم يعد الإبداع كما كان من قبل".
حاولت نزهة حبيبي البحث عن بدائل، من بينها كراء مكان آخر للعمل، لكنها لم تتمكن من الاستمرار بسبب ارتفاع تكلفة الإيجار مقارنة بقدرتها على تحمله، وأصبحت المعارض الموسمية إحدى الوسائل التي تعتمد عليها لعرض منتجاتها وتسويقها "عندما يكون هناك معرض، أخرج السلع وأعرضها، لكن المعارض ليست دائمة، تقام من وقت إلى آخر، وقد تمر فترة طويلة بين معرض وآخر".
من نساء القرى إلى زبائن المدينة
لا تتوقف تجربة نزهة حبيبي عند مرحلة الزخرفة، فهي تتعاون مع نساء في المناطق القروية يتولين صناعة القفف من الدوم، قبل أن تقتنيها منهن وتتولى هي مرحلة الزخرفة باستخدام خيوط الصوف الملونة.
وتشرح طبيعة هذا التعاون قائلة "هناك نساء في المناطق القروية يصنعن لي هذه القفف أطلبها منهن، ثم أقتني الخيط وأبدأ في زخرفتها وإخراجها في شكلها النهائي، نحن نتعاون مع بعضنا البعض".
وتعكس تجربة نزهة حبيبي جانباً من قدرة الصناعات التقليدية على التطور من خلال الجمع بين المواد والأساليب التقليدية واللمسات الإبداعية الجديدة، فالقفة التي كانت تؤدي وظيفة عملية في الحياة اليومية، تصبح من خلال الزخرفة والتصميم منتجاً يحمل كذلك قيمة جمالية، وفق ذوق الزبون ورؤية الحرفية.
أما بالنسبة إلى نزهة حبيبي، فقد بدأت هذه الرحلة من رغبة بسيطة في تطوير منتوج وجدته أمامها، قبل أن تتحول التجربة إلى حرفة ومصدر للدخل ومساحة للتعبير عن نفسها "هذه المهنة منحتني الراحة، أولاً من الناحية النفسية، ومن ثم المادية".
كما أن إعجاب الزبائن بما تنجزه كان حافزاً لها على الاستمرار، تتذكر كيف كان بعضهم يبدي دهشته أمام طريقة عملها، وكيف كان ذلك يشجعها على تطوير أعمالها وتجريب أفكار جديدة.
ورغم فقدان المحل، لم تتخل نزهة حبيبي عن الحرفة التي تعلمتها بنفسها، فما تزال تعمل على القفف، وتواصل تعاونها مع النساء في المناطق القروية، وتستفيد من المعارض والطلبات لمواصلة نشاطها.