هل تصبح مبادرة "سينما الأربعاء" الشرارة التي تعيد أمجاد سينما تعز؟
في مدينة تعز، ينبعث شغف السينما من جديد عبر مبادرة "سينما الأربعاء"، التي تجمع الشباب في مساحة ثقافية حرة تعيد للأفلام دورها في تشكيل الوعي المجتمعي، وتفتح باباً لحوار معرفي يعيد الحياة لفضاءات المدينة الثقافية.
رانيا عبد الله
اليمن ـ يظل الأثر الثقافي شاهداً حياً على الحراك المعرفي والفني الذي تميزت به مدينة تعز؛ فالوقوف اليوم على أطلال دور السينما في المدينة يعيد إلى الأذهان ذاكرة العصر الذهبي الذي عاشته، كحاضنة للفنون والوعي الثقافي. ففي الوقت الذي كانت تتعدد فيه دور العرض السينمائي بتعز، سجلت المدينة مرحلة استثنائية خلال ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، قبل أن يطالها التراجع والاندثار التدريجي.
في أوج ذلك الازدهار المشترك بين شطري اليمن قبل الوحدة، عندما كانت شاشات العرض تجمع العائلات والمثقفين بلغ إجمالي دور السينما حوالي 49 داراً سينمائياً في اليمن، حظيت مدينة عدن بالحصة الأكبر منها تلتها صنعاء والحديدة وتعز؛ لتبقى هذه الشواهد جزءاً أصيلاً من حكاية مجتمع يمني شغوف بالحياة ومنفتح على قيم الجمال والسينما.
سينما الأربعاء بداية الغيث
من أروقة دور السينما الكبرى المندثرة إلى قاعة صغيرة تحتضن فكرة فريدة تبرز مبادرة "سينما الأربعاء" التي بدأت في شباط/فبراير 2025 ولا تزال مستمرة بشكل دوري كل يوم أربعاء، كأول تجربة شبابية رائدة لإعادة الروح إلى ثقافة السينما في مدينة تعز جنوب غرب اليمن، بعد عقود طويلة من الغياب القسري. وفي قلب بيت الصحافة ومؤسسة "ارنيادا" للتنمية الثقافية، كمساحة ثقافية مستقلة، يلتقي المهتمين أسبوعياً، لمشاهدة الأفلام، وتحليلها في فضاء ثقافي يسعى لإعادة السينما إلى الفضاء العام، وخلق بيئة حوارية معرفية تتيح مساحة واسعة للنقد والنقاش الفكري والاجتماعي.
وفي إطار رصد هذا الحراك، تتابع وكالتنا ميدانياً أجواء هذه العروض، وتوثق عبر مقابلات مع النساء والفتيات الحاضرات، أبعاد هذا الحضور اللافت ودوره في استعادة الفضاء الثقافي للمدينة، ومشاركة المرأة في صناعة التغيير وتشكيل الوعي المجتمعي عبر الفن السابع.
توضح منسقة المشروع صفية المقطري، أن هذا النشاط يأتي للخروج من الضغوط اليومية من خلال إنشاء سينما مصغره من أجل إعادة احياء السينما، قائلة "للأسف السينما اندثرت، ونحن نحاول في المستقبل أن يتوسع هذا المشروع".
مبادرة "سينما الأربعاء"، لم تكن فرصة لمشاهدة الأفلام فقط فهي مساحة مناسبة لتحليل تلك الأفلام ومناقشتها في جو ثقافي لتبادل المعارف والأفكار، وتضيف صفية المقطري "من خلال الأفلام التي نعرضها نحاول أن نفهم سياقات وثقافات مجتمعات مختلفة، ويتم مناقشة الأفلام بعد مشاهدتها، من خلال هذا النقاش نحاول طرح وجهة نظرنا كشباب، والاستفادة من النقاشات المطروحة عن الفيلم"، مشيرة إلى أن الحاضرين أغلبهم من خلفيات ومجالات مختلفة كالإعلام والتصوير والإخراج "من خلال هذه المبادرة نحاول إيجاد مساحات ثرية بالنقاش، ونعزز ثقافه الحوار وثقافه الاختلاف".
جيل لا يعرف السينما
من جهتها ترى زينب الزهيري التي لم تعيش تجربة مشاهدة الأفلام في دور السينما، أن هذه المبادرة تعتبر فرصة لها وللشباب والشابات من جيلها رغم بساطتها "سمعنا من الكبار عن السينما ولكننا لا نعرفها، وسينما الأربعاء تجعلنا نعيش تجربة مماثلة للسينما التي لم نلحق أن نراها أو نستمتع بأجوائها".
وتضيف "هذه التجربة جميلة رغم بساطتها، فرغم عدم تمكني من الحضور المستمر، إلا أنني أشعر بالحماس والفائدة معاً"، متمنية أن تتوسع هذه التجربة ويصبح المكان صالة عروض للأفلام يعرض فيه أفلام عربية وأفلام يمنية ويحتضن الشباب الشغوفين، وصانعي الأفلام أيضاً، فمن غير المعقول أن نكون في عصر هذا التطور وإنتاج أفلام مختلفة ولا زلنا محرومين من دور السينما التي تعتبر ركن أساسي من العمل الثقافي.
جهود رسمية ومشتركة
وفي موازاة هذه الجهود الشبابية المستقلة، بدأت الملامح الرسمية تتجه صوب استعادة الحواضن الثقافية والفنية في المدينة؛ إذ شكلت الزيارة التفقدية الأخيرة في شهر آذار/مارس لمدير عام مكتب الثقافة بتعز وبالتعاون مع ممثلين عن منظمات المجتمع المدني و"بيت الصحافة"، لمبنى "سينما سبأ" المغلق، منذ سنوات طويلة، خطوة أولى نحو دراسة إعادة ترميم وتأهيل دور السينما القديمة.
هذا التحرك الرسمي لبحث إحياء "سينما سبأ" كمساحة ثقافية عامة بعد عقود من الإغلاق، يتقاطع بشكل حيوي مع نضال المبادرات المحلية، ويؤكد على أهمية تضافر الجهود لتهيئة فضاءات آمنة ومستدامة تدعم الحراك التنويري، وتضمن للشباب منابر حرة للتعبير وصناعة الوعي الجمالي، لكي يظل الأثر الثقافي لتعز مستمراً.