أرض الملوك والأهرامات... الولاية الشمالية تختزن فصولاً من تاريخ السودان
تُعد الولاية الشمالية من أغنى مناطق السودان بالتراث والآثار السياحية وذلك من خلال حضارات مروي، كرمة ونبتة والممالك المسيحية النوبية، كما تضم مواقع أثرية تعود إلى آلاف السنين إلى جانب آثار إسلامية ونوبية.
آية إبراهيم
السودان ـ شهدت مدينة دنقلا عاصمة الولاية الشمالية، حراكاً سياحياً وثقافياً تزامن مع الاحتفال باليوم العالمي للسياحة، ضمن فعاليات "دنقلا عاصمة السياحة 2026" التي امتدت خمسة أيام، وشملت برامج وأنشطة سياحية وثقافية وتراثية بمشاركة الجهات المختصة والمهتمين بالقطاع.
تأتي هذه الفعاليات في وقت يواجه فيه قطاع السياحة في الولاية تحديات كبيرة منذ اندلاع الصراع بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع في نيسان/أبريل 2023، والتي انعكست على حركة السياحة وأدت إلى تراجع تدفق السياح الأجانب بصورة شبه كاملة، ما فرض على الولاية البحث عن بدائل للحفاظ على أحد أهم مواردها الاقتصادية.
وفي هذا السياق، اتجهت الولاية الشمالية إلى تنشيط السياحة الداخلية، من خلال تطوير البنية التحتية السياحية وتنويع المنتجات والوجهات، إلى جانب تنظيم الفعاليات الثقافية والتراثية، في محاولة لتعويض خسائر القطاع واستعادة حيويته. وقد بدأت هذه الجهود تؤتي نتائج ملموسة مع تسجيل نمو ملحوظ في حركة السياحة الداخلية، بما يعكس قدرة القطاع على التكيف مع تداعيات الحرب وفتح مسارات جديدة لتنشيطه.
مواقع أثرية توثق حضارات السودان القديمة
ويعد جبل البركل من أبرز رموز الحضارة النبتية بالولاية الشمالية، إذ كان مركزاً دينياً مهماً لعبادة آمون، ويضم معابد وتماثيل وآثاراً ملكية وهو جزء من موقع جبل البركل ومواقع المنطقة النبتية المدرج في قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (UNESCO) منذ العام 2003.
كما تمثل كرمة والدفوفة حضارة كرمة التي ازدهرت تقريباً بين 2500 و1500 قبل الميلاد وتتميز بالدفوفة الغربية الضخمة ومقابر الملوك والآثار العمرانية. وتُعد من أهم المواقع لفهم بدايات الدولة والحضارة السودانية القديمة، وتبرز أهرامات نوري كمقبرة ملكية نبتية مهمة، تضم أهرامات ملوك أبرزهم الملك تهارقا. وهي أيضاً ضمن منظومة مواقع المنطقة النبتية المسجلة لدى منظمة اليونسكو، التي أكدت في نيسان/أبريل الماضي، أهمية حماية التراث في الولاية الشمالية، وربطت ذلك بتنوع أصولها السياحية وباختيار دنقلا عاصمة للسياحة 2026.
آثار ضاربة في جذور الحضارات السودانية القديمة
تقول نجلاء إبراهيم وهي مسؤولة في المجلس الأعلى للسياحة والآثار بالولاية الشمالية، إن الاحتفال بدنقلا عاصمة للسياحة للعام 2026 يتضمن عدد من البرامج بينها افتتاح المنشآت السياحية الأثرية، معتبرة ذلك إنجاز ضمن المهرجان لعكس تراث الشمالية وثقافتها وحضارتها.
وتشير إلى أن من أبرز الآثار السياحية التراثية بالولاية الشمالية جبل البركل، قنتي، وداي حلفا ومتحف بنقناتي، مؤكدة أن حضارة الشمالية جذورها ممتدة منذ آلاف السنين وهي تعكس تراث وحضارة المنطقة القديمة وتمثل معلم بارز للسياحة العلاجية، الجبلية، الصحراوية والنيلية.
الآثار في الشمالية لا تنتمي إلى حضارة واحدة، بل تمثل تعاقب حضارات كرمة ونبتة ومروي والممالك النوبية المسيحية وغيرها، وترى اليونسكو أن هذه المواقع تقدم شاهداً استثنائياً على الحضارة النبتية والمروية.
تُعد حضارة الولاية الشمالية من أعرق الحضارات في السودان، إذ تمتد جذورها إلى نحو سبعة آلاف عام، ومنها انطلقت ملامح حضارية وثقافية امتدت آثارها إلى مناطق أخرى، وصولاً إلى مصر.
تعزيز فرص التنمية السياحية والاقتصادية
وتؤكد الأستاذة الجامعية والمهتمة بالتراث والسياحة اشتياق محمد عثمان، أن هذا الإرث الحضاري العريق يمثل مصدر فخر واعتزاز بالسودان وشعبه، باعتبار أن السودان أرضٌ زاخرة بالحضارات والتاريخ.
وترى أنه من المهم التعريف بهذا الإرث وإبراز قيمته الحضارية والثقافية للعالم أجمع، بما يعكس عراقة السودان ودوره في مسيرة الحضارة الإنسانية، مشددة على أن الشمالية زاخرة بالسياحة وأن منطقة الكرو من المناطق العريقة بالآثار إضافة لجبل البركل وأهرامات نوري والكثير من المناطق الأثرية التي تمثل عامل جذب للسياحة في السودان.
السياحة في الشمالية ليست أثرية فقط؛ فالولاية تمتلك أيضاً النيل والجزر والشلالات والمناظر الصحراوية والقرى النوبية والتراث الشعبي، وهي عناصر يمكن دمجها مع السياحة الأثرية، وتشكل المواقع السياحية قيمة اقتصادية أساسية لصناعة سياحية تشمل الإرشاد السياحي، النقل، الإقامة، الحرف اليدوية، المطاعم والمنتجات الثقافية، إضافة إلى جذب الباحثين والبعثات الأثرية والزوار من داخل السودان وخارجه.
تنوع سياحي
تقول عبير بابكر، المسؤولة بالمجلس الأعلى للسياحة والآثار بالولاية الشمالية، إن الولاية تتمتع بتنوع سياحي كبير، يجمع بين التاريخ العريق والطبيعة الخلابة والتراث الثقافي المتنوع، موضحة أن السياحة الأثرية والتاريخية بالولاية تتمثل في عدد من المواقع المهمة، أبرزها جبل البركل، وكرمة، ودنقلا العجوز، وقلعة عكاشة، ووادي حلفا، بما تزخر به هذه المواقع من شواهد على الحضارات السودانية القديمة.
وأضافت أن الولاية تتميز كذلك بالسياحة النيلية والبيئية، خاصة في مناطق وجزر مقرات وبدين وصاي، إلى جانب السياحة الصحراوية وسياحة الغابات والنيل. كما تشمل مقوماتها السياحة الثقافية والتراثية، التي تتجسد في التراث النوبي، والحرف اليدوية، والمأكولات الشعبية، وما يتميز به المجتمع المحلي من كرم الضيافة.
وأشارت إلى أن السياحة الزراعية تمثل جانباً آخر من المقومات السياحية بالولاية، من خلال إنتاج التمور والمانجو والموالح، فيما تتمثل السياحة العلاجية في الاستفادة من الرمال وأشعة الشمس.
وأكدت أن الولاية الشمالية تمثل وجهة سياحية تجمع بين عبق التاريخ النوبي وإرث الحضارات القديمة، وسحر الطبيعة النيلية والصحراوية، بما يجعلها واحدة من المناطق التي تزخر بتنوع سياحي وثقافي وطبيعي فريد.
ورغم استمرار تداعيات الصراع التي أضعفت جاذبية الولاية الشمالية سياحياً، إلى جانب نقص الاستثمارات واحتدام المنافسة مع ولايات أخرى، تظل آفاق تعافي القطاع قائمة، خاصة مع إمكانية تطوير البنية التحتية والخدمات.