الزي الصبري... ذاكرة حية للتراث اليمني الأصيل

في مواجهة اندثار الأزياء الشعبية، تعود "الزنة الصبرية" إلى الواجهة بمبادرات نسائية تسعى لإحياء حياكتها ونقوشها الأصيلة، وحماية هذا الموروث من الاندثار، وتحويله في الوقت ذاته إلى مصدر دخل للنساء.

رانيا عبد الله

اليمن ـ لم يكن "القميص الصبري" مجرد قطعة قماش تُغزل بخيوط، بل هو ذاكرة حية تختزل أصالة المكان ورمز الهوية، فقد أبدعت النساء منذ القدم على حباكة نقوشه المتفردة والمتنوعة.

في الوقت الذي تتهدد الأزياء الشعبية بالاندثار أمام الموضة والأزياء المعاصرة، تعود حباكة القميص الصبري إلى الواجهة من جديد عبر مبادرات نسائية تسعى للحفاظ على الموروث الثقافي والزي الشعبي الصبري، وإعادة الرونق والهيبة للزنة الصبرية بتفاصيلها ونقاشتها المتنوعة، لتظل شاهدة على جمال الزي الصبري، ومصدر رزق للنساء في قرى صبر.

حرص "مجلس نساء صبر" على إعادة صون "الزنة الصبرية" وجودة حياكتها من خلال إقامة ورشة تدريبية للنساء من قرى مختلفة من مديرية جبل صبر، تضمن التدريب التعريف بأنواع النقوش، والتدريب على حباكة تلك النقوش يدوياً وآلياً، ومن ثم عمل معرض للأزياء التي أنتجتها النساء وكان هذا النشاط بالتعاون مع منظمة "يمن سلام" والذي استمر من 12 ـ 24 آب/أغسطس، وقد حظيت الأزياء في المعرض بإعجاب الزوار واندهاشهم بالنقوش المتنوعة.

 

هوية ومصدر دخل

خديجة شمسان، واحدة من المتدربات، تقول "نسعى للتمسك بهذه المهنة ولا نريد تركها نهائياً لأنها تمثل تراثنا ونحن نحب هذا التراث ونعتز به. كنا نتمنى الاستمرار في هذه الدورة التدريبية، لكن الأيام المخصصة انتهت قبل أن نتمكن من إتقان كافة النقشات والتفاصيل بشكل كامل، لأن الزي الصبري له عدة نقشات متنوعة ولكل نقشة متفردة عن الأخرى".

وتطالب بالدعم والمساندة لتستمر في ممارسة مهنتها وتطبيق هذه النقشات التراثية، لأنها تواجه مشكلة نفاذ الأقمشة وعدم توفر مكان مخصص للعمل في منازلهن "القماش الذي قُدم لنا خلال التدريب لم يكن كافياً، وقمنا بجهودنا الذاتية بتوفيره دون أن نقف عاجزات، ونتمنى أن نحصل على الدعم الكافي وتوفير الأقمشة والمساحة المناسبة للعمل بعد انتهاء هذا المشروع".

من جهتها قالت المتدربة غزال علي محمد "عدنا لخياطة القميص الصبري بهدف إحياء هذا التراث الذي كاد أن يندثر ويكتفي بالبقاء كذكرى. نتمنى من الجهات المعنية تقديم الدعم وتوفير مكان مخصص لممارسة هذه الحرفة لنضمن استمراريته لتمارسه الأجيال من بعدنا".

وتضيف "عملي في حباكة القميص يهدف أولاً إلى توفير مصدر دخل، وثانياً للحفاظ على التراث من الضياع، ونحن بحاجة ماسة لدعمنا بمكان مخصص ومستلزمات العمل للحياكة لنتمكن من الاستمرار".

 

نقشات مختلفة

وقالت غانية الحميدي رئيسة مجلس نساء صبر "حرصنا في المجلس على إعادة إحياء حباكة هذا القميص لحماية التراث الذي شارف على الاندثار. ومن أجل الحفاظ عليه، نسقنا مع 'مؤسسة سلام يمن' لإقامة هذا النشاط، لنسهم في إعادة الرونق للتراث التعزي والصبري بدلاً من استبداله بنقشات حديثة دخيلة على تراثنا وعاداتنا وتقاليدنا".

وتضيف "المتدربات أبدعن بشكل لافت بالرغم من أنهن كنّ قد نسين تفاصيل حباكة القميص، ولكن بفضل التدريب حققنا نتائج ممتازة سواء في الحباكة اليدوية أو الخياطة عبر الماكينة"، مشيرة إلى أن الهدف الأساسي هو إحياء التراث الصبري. وتتمنى من كافة المتدربات ارتداء القميص الصبري الأصيل في مختلف المناسبات ليعرف الجميع أهميته وجماله وتستعيد هذه القطعة شهرتها ورونقها بين الأزياء التراثية اليمنية.

وحول طبيعة الحباكة وأنواعها وأسعارها، أوضحت "الحباكة تنقسم إلى نوعين: حباكة يدوية وحباكة بالماكينة. الحباكة اليدوية أجمل بكثير وقيمتها الثمينة تجعل أسعار القميص المحبوك يدوياً غالية جداً، والإقبال على شرائه وارتدائه أكبر بكثير من القمصان المحبوكة بالماكينة أو المصنوعة عبر الكمبيوتر".

وتوضح غانية الحميدي نوع مستحسن لدى الأمهات والجدات، حيث تقول "والدتي كانت ترتدي دائماً قمصاناً تعتمد الحبكة المحمدية، وهي عبارة عن قميص بأكمام تُلف إلى الخلف، وهذا التصميم مشهوراً جداً. كما تتعدد النقشات والتطريزات حسب المناطق الصبرية؛ فهناك الحدناني وهو نوع ممتاز ومغلق من الأمام بدون فتحة جانبية، وهناك نقشات الحصباني، المسراخ، وتير، ووادي البير. هذا التنوع يؤكد أن القميص الصبري ليس نوعاً واحداً بل يزخر بتصاميم ونقشات متعددة تبرز تنوع التراث الصبري".

 

أمهات يحرصن على ارتداء القميص

لم تغفل وكالتنا على اللقاء بالأمهات اللواتي يحرصن على ارتداء القميص الصبري، ولا يفرطن به، بل تتنوع خزانتهن بالأشكال والنقوشات المختلفة منه، حيث تقول صفية علي في العقد السابع من عمرها "تعودنا منذ القدم أن تكتمل زينتنا بجمال القميص الصبري؛ ترتديه المرأة وتتزين لتكون في أبهى حلة. في الماضي، كنا نرفض تماماً ارتداء أي بدائل حديثة ولا نرتدي إلا هذه القمصان التراثية التي أحبها كثيراً".

من جانبها توضح جميلة أحمد سبب تمسكهم بهذه القمصان "إنها جزء لا يتجزأ من تقاليد مجتمعنا ومناسباتنا وكل ما يهم المرأة. نحن النساء المتقدمات في السن ما زلنا ملتزمات بهذا الزي ونحبه، وعلى عكس الجيل الجديد الذي اتجه للملابس الحديثة".

وتطالب بمن يمتلكون مهارة حباكة القميص المعلمين والمدربين باستمرار تدريب الفتيات الصغيرات والكبار على حباكة الزي الصبري لكي يبقى هذا الذوق حاضراً ومطلوباً لدى الجميع ولا يندثر.

وبالنسبة لـ زعفران محمد، فالزي الصبري "الزنة الصبري"، يمثل أصل الزينة والفرح "للأسف بدأ هذا الزي يندثر بسبب تفضيل البعض للقمصان الحديثة المستوردة وترك الخياطة التراثية، إضافة إلى انتشار اللثام والأغطية الحديثة التي غطت على ملامح زينا التقليدي".

وتتمنى أن تعود النساء لارتداء الزنان والقمصان الصبرية بجميع أشكالها الطويلة والقصيرة، كما تشجع الفتيات الصغيرات على تعلم هذه الحرفة لكيلا يضيع هذا التراث.