الثوب السوداني… ذاكرة لا تمحى وهوية تتحدى النزاع
ثوب المرأة السودانية ليس مجرد زي تقليدي، بل هو رمز متجذر في الهوية منذ آلاف السنين، ورغم أن النزاع والنزوح أثرا على حضوره اليومي، إلا أنه لم يطمس، وظل حاملاً لرسائل سياسية وثقافية، وانتقل إلى العالمية كجزء من التراث.
ميرفت عبد القادر
السودان ـ سيظل الثوب السوداني عصياً على الاندثار أمام صيحات الموضة العالمية؛ فهو الرداء الذي يجمع بين الوقار والأنوثة، وبين إرث الجدات وطموح الحفيدات.
الثوب السوداني ليس مجرد قطعة قماش تلف بها المرأة جسدها، بل هو حكاية ممتدة عبر آلاف السنين، يروي تاريخاً وهويةً وذاكرةً جماعية، ويعد الزي الرسمي والأصيل للمرأة السودانية، ورمزاً للاحترام، وعلامة فارقة في الثقافة الشعبية التي تزخر بالتراث والموروثات.
حكاية الثوب السوداني
عندما تدخل المرأة السودانية أي محفل، يسبقها الثوب بهيبته وألوانه، تبدأ الطقوس بحركة رشيقة، حيث تضع المرأة طرف الثوب الذي يُسمى محلياً بـ "الرأس" فوق كتفها، ثم تديره بمهارة حول خصرها وجسدها، لتكتمل اللوحة بوضع الطرف الأخير فوق الرأس بوقار يضفي لمسة من الغموض والجمال.
لم يكن الثوب وليد الصدفة، بل هو نتاج تمازج حضاري قديم، تعود جذوره إلى الحضارات الكوشية القديمة، حيث تظهر النقوش الملكات (الكنداكات) بملابس شبيهة بالثوب المعاصر، حيث كان الثوب قديماً يصنع من القطن السوداني الخالص، ويعرف بأسماء مثل "القنجة" و"الفركة".
وارتدته الملكات النوبيات كزي ملكي يليق بمكانتهن، وظل حتى اليوم يحمل دلالات خاصة لكل مناسبة، يتنوع في ألوانه وخاماته، وقد يطرز بالأحجار الكريمة والكريستال ليعكس الفخامة والذوق الرفيع.
ومع تطور الحياة، دخلت عليه خامات جديدة وألوان مبتكرة، فأصبح أكثر تنوعاً، مواكباً للموضة العالمية، دون أن يفقد جذوره، فخلال عصر النهضة دخلت الأقمشة السويسرية والإنجليزية، فظهرت أقمشة "التوتال" الفاخرة، والتي أصبحت ركيزة أساسية في خزانة كل امرأة سودانية، وقد اشتهر الثوب بأسماء تعكس الأحداث الجارية، فنجد أثواباً سميت بأسماء معارك، أو زيارات لمسؤولين، أو حتى اختراعات حديثة، مما جعله "جريدة" تمشي على الأرض.
لغة الألوان والمناسبات
الثوب السوداني لا يتحدث لغة واحدة، بل يتغير لونه وخامته بتغير الحالة والمناسبة، فـ "الثوب الأبيض" على وجه الخصوص له مكانة مميزة، ارتبط بالمعلمات والموظفات، يرمز للنقاء والجدية والوقار، وأصبح زياً للمرأة التي فقدت زوجها، لكنه أيضاً رمز للسلام والتفاؤل.
بينما ثوب "الجرتق" الأحمر، فهو طقس زواج عريق يعود إلى الأصول النوبية الفرعونية، يرمز للحياة الجديدة والحماية من العين والحسد، وهو عبارة عن قطعة أساسية في عرس السودانيين، ترتديه العروس ليعلن عن بداية حياة جديدة.
ترافقه إكسسوارات تقليدية مثل الحريرة الحمراء رمز الترابط، والهلال الذهبي إشارة للنور والبركة، والضريرة العطرية رمز الطهارة، ورغم قدسية اللون الأحمر، بدأت بعض المصممات مثل مهايت الشفيع التي أوضحت أنها تعمل على إدخال ألوان جديدة، كالأزرق والأبيض، وأضافت تغييرات في شكل الثوب التقليدي لتواكب العصر، وهو ما أثار جدلاً قبل أن يتقبله المجتمع تدريجياً.
أما الأثواب ذات الألوان الزاهية، فتملأ بيوت الأفراح والزيارات الاجتماعية، وتبدع النساء في اختيار الألوان التي تناسب بشرتهن السمراء، من "الخمري" الدافئ إلى "الفيروزي" المنعش.
الثوب كرمز للصمود
كان الثوب أيضاً بمثابة رسالة سياسية وثقافية، عند استقلال السودان عام 1956، حيث أشارت مهايت الشفيع إلى أن الثوب السوداني لم يعد مجرد زي رسمي، بل أصبح يحمل رسالة محددة من خلال تصميمه، لقد أصبح الثوب السوداني رمزاً حاملاً لدلالات ورموز معينة. وفي ثورة ديسمبر، عاد الثوب الأبيض ليكون رمزاً للمرأة الثائرة، حتى في الحرب، صممت أثواب تحمل رسائل دعم، لتؤكد أن الثوب ليس زياً فحسب، بل وسيلة للتعبير عن الموقف والهوية.
رأينا العالم ينبهر بصورة "الكنداكة" في الحراك الشعبي وهي ترتدي الثوب الأبيض وتلقي الأشعار، مما أعاد تذكير الجيل الجديد بأن هذا الرداء هو سلاح ثقافي يحمي الهوية من التلاشي.
لكن النزاع ترك أثره، النزوح واللجوء إلى دول الجوار جعل ارتداء الثوب يتراجع في الحياة اليومية، إذ أصبح مقيداً في ظروف العمل والتنقل، ومع ذلك، ساهم وجود السودانيات في المهجر في نشر الثقافة السودانية، حيث ظهر الثوب في المهرجانات والاحتفالات العالمية، وأصبح مرغوباً حتى لدى غير السودانيات، وهو ما أكدت عليه مهايت الشفيع، مشيرةً إلى أنه أصبح مقيداً جداً فيما يتعلق بالتحرك والعمل وظروف النزوح واللجوء فالنساء لا يستطعن ارتدائه في رحلات النزوح الطويلة والشاقة أو ارتدائه في الدول الأخرى ما أدى إلى تراجع ارتداء الثوب السوداني.
ورغم أن النزاع قلل من بعض الطقوس والعادات، وأدى إلى تدمير المتاحف والمكتبات، إلا أن الهوية لم تطمس بالكامل، الثوب ظل حياً، ترتديه النساء داخل السودان وخارجه، ويعاد تقديمه بتصاميم حديثة تسهل ارتداءه وتجعله أكثر جاذبية "يسهم وجود السودانيات في بلدان متعددة في إبراز الثقافة السودانية، ولا سيما التعريف بالأزياء القومية عبر المهرجانات والاحتفالات".
وأوضحت أنها عملت على تصاميم جديدة للثوب السوداني تساعد الفتيات غير المعتادات على لبس الثوب من ارتدائه بسهولة وكذلك النساء الأجنبيات "النزاع لم يطمس الهوية السودانية بشكل كامل خاصة فيما يتعلق بالأزياء الفلكلورية والتراثية السودانية بل ساهم في نقلها وإظهارها للعالمية".
ولكن يبقى الثوب السوداني رمزاً لهوية المرأة السودانية، شاهداً على تاريخها ونضالها، وعلى قدرتها على الحفاظ على تراثها رغم التحديات، وقد وجهت المصممة مهايت الشفيع رسالة للنساء السودانيات بالحفاظ على الهوية السودانية وعدم السماح بطمسها خاصة الثوب السوداني رمز هوية المرأة السودانية، ودعت مصممات الأثواب السودانية الحفاظ على الأصالة مع الانفتاح على الابتكار، حتى يظل الثوب السوداني حاضراً في أكبر المحافل والمهرجانات، لا كزي محلي فقط، بل كهوية عالمية تحمل روح السودان.