تجربة الرئاسة المشتركة تكسر الذهنية الذكورية وتعيد تشكيل القرار
تجربة الرئاسة المشتركة في إقليم شمال وشرق سوريا كسرت الذهنية الذكورية التقليدية، وعززت حضور النساء الفاعل في صياغة السياسات واتخاذ القرارات وصناعة مستقبل المنطقة.
قامشلو ـ في خطوة لإعادة تعريف مفاهيم السلطة والمشاركة السياسية، برزت تجربة الرئاسة المشتركة في إقليم شمال وشرق سوريا كنموذج عملي لكسر الهيمنة الذكورية المستمرة على مراكز القرار.
أثبتت تجربة الرئاسة المشتركة أن مشاركة المرأة في القيادة ليست مجرد حضور شكلي، بل هي قوة فاعلة قادرة على إعادة صياغة السياسات وتحقيق التوازن المجتمعي.
استمرار لنظام هرمي تاريخي
وقالت المحامية جيلان حمي العضوة في اتحاد المحامين بمقاطعة الجزيرة، أن العنف السياسي ضد المرأة ليس إلا استمرار لنظام هرمي تاريخي قائم على الذهنية الذكورية، مؤكدة أن دخول المرأة إلى ميدان السياسة يزعزع أساس هذا النظام ويكسر نمط السيطرة التقليدي، وأن تجربة الرئاسة المشتركة لم تكن مجرد إجراء إداري، بل ثورة سياسية وثقافية تعكس فلسفة المشاركة الحقيقية وتحويل السلطة من الشكل الهرمي إلى نموذج تشاركي أفقي يشرك الرجل والمرأة على حد سواء في صناعة القرار.
وترى أن الذهنية الذكورية تشكل أول نظام سلطوي عرفه التاريخ، وأن العنف السياسي ضد النساء ليس إلا امتداد لهذا البناء الهرمي القائم على الإقصاء والهيمنة, وأن دخول المرأة مجال السياسة يزعزع أسس هذه المنظومة، مما يدفع بعض القوى إلى ممارسة مختلف أشكال الإقصاء بحق النساء، سواء عبر حرمانهن من مواقع التأثير وصناعة القرار، أو التشكيك بقدراتهن، أو محاربتهن معنوياً وتشويه سمعتهن عندما تظهر المرأة قوة واستقلالية واضحة.
وبينت أن الوصاية السياسية على النساء ما زالت قائمة في بعض المؤسسات، إذ يجري تقليص دورهن بحجج تقليدية مثل قلة الخبرة أو الضغوطات الاجتماعية التي تعتبر المرأة تابعة لغيرها، معتبرةً أن المطلوب اليوم هو ألا يقتصر وجود النساء على مواقع القرار، بل يتطلب حضوراً فاعلاً لهن في صياغة السياسات واتخاذ القرارات باعتبار أن أخطر أشكال العنف السياسي هو عندما يجري استدعاء المرأة لتجميل المشهد لا لتغييره، فتكون موجودة في الصورة وغير موجودة في القرار.
وأشارت جيلان حمي إلى أن بعض النساء تترددن في تولي مواقع القرار بسبب الضغوطات الاجتماعية، في حين لا تزال بعض العقليات الإدارية غير قادرة على التأقلم مع مشروع القيادة المشتركة، رغم ذلك ينص العقد الاجتماعي ومساق العدلة في الإدارة الذاتية بوضوح على حقوق المرأة ودورها "أحد أهم أسس الإدارة الذاتية الديمقراطية هو حرية المرأة، وقد خصصت مواد واضحة لضمان حقوقها ومكانتها وحمايتها".
واعتبرت أن نظام الرئاسة المشتركة المطبق في مؤسسات الإدارة الذاتية يمثل تجسيداً فعلياً لفكر الأمة الديمقراطية، وتحولاً حقيقياً من السلطة الهرمية السلطوية إلى إدارة تشاركية أفقية، يكون فيها الرجل والمرأة وجهين لقرار واحد، انطلاقاً من نصوص العقد الاجتماعي الذي يعتبر جميع أشكال العنف ضد المرأة واستغلالها وتمييزها جرائم يعاقب عليها القانون.
والواقع كما تؤكد جيلان حمي لا يزال بحاجه ماسة إلى قانون خاص بالعنف ضد المرأة، قانون يعرف العنف بدقة، ويحدد أشكاله المختلفة، سواء كانت جسدية أو نفسية أو اقتصادية أو رقمية، كما يرسم العقوبات الرادعة لكل من يمارسه، باعتباره اعتداء صارخاً على ميثاق العدالة الاجتماعية وليس مجرد خلاف داخلي يمكن تجاهله أو تسويته بالتراضي.
وترى أن وجود مثل هذا القانون لا يهدف فقط إلى حماية النساء بعد وقوع الأذى، بل إلى خلق بيئة قانونية رادعة تمنع حدوث العنف وتكرس مفهوم الكرامة الإنسانية باعتبارها حقاً غير قابل للتصرف "التحرير الحقيقي لا يتحقق عبر القوانين وحدها، مهما كانت متقدمة وشاملة، بل يتحقق عندما يتحول القانون نفسه إلى أداة حماية مباشرة تشعر النساء بالأمان، وحين تتعزز آليات تطبيقه لتصبح جزءاً من الحياه اليومية، فالتحرر يبدأ أيضاً من داخل المرأة، عندما تتخلص من تلك المخاوف المتراكمة التي غرستها الذهنية السلطوية عبر آلاف السنين، وعندما تمتلك الثقة في قدرتها على مقاومه الظلم والدفاع عن صوتها والمشاركة الفاعلة في المجتمع".
وبينت أن "بناء ثقافة احترام المرأة هو مسار طويل يتطلب تغييراً في الوعي الجمعي، وإصلاحاً في المؤسسات، ودعماً مستمراً يضمن أن تكون كرامة المرأة وحريتها ركيزة أساسية لأي تقدم اجتماعي حقيقي. المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من كوتا التمثيل العددي إلى كوتا التأثير، بحيث تكون المرأة فاعلة في القرار, وليست مجرد نسبة شكلية، وهذا يمثل انتقالاً من المساواة العددية إلى الفلسفة الوجودية التي تعطي المرأة دورها الحقيقي في صناعة التغيير".
وشددت على أن العنف السياسي ضد النساء ليس حالة طارئة، بل منظومة كاملة صاغتها الذهنية الذكورية كي تبقي المرأة بعيدة عن مراكز القوة، خشية من قدرتها على إعادة تشكيل ميزان السلطة "حملات التشويه والإقصاء الرمزي وتهميش النساء داخل المؤسسات, ليست إلا أدوات مدروسة لمنع صعود المرأة إلى موقعها الطبيعي كشريكة كاملة في القرار السياسي".
تجربة رائدة
وتعد تجربة الرئاسة المشتركة في إقليم شمال وشرق سوريا رائدة بالنسبة للمنطقة والعالم "أثبتت تجربة الرئاسة المشتركة أنها ليست إجراء شكلي، بل مشروع مقاومة سياسية وثقافية أعاد تعريف مفهوم الإدارة، وأثبت أن القيادة لا يمكن أن تكون أحادية بعد اليوم. نجاح هذا النموذج هو نجاح تاريخي، لأن انتصار القيادة المشتركة يعني سقوط أحد أقدم أشكال الهيمنة في التاريخ".
وأوضحت أن المرأة حين تدخل السياسة لا تدخلها كفرد فقط بل كذاكرة أجيال، ولذلك فان حضورها يعيد تشكيل النقاش، ويعيد صياغة السياسات، ويعيد تعريف العدالة الاجتماعية "المؤسسات التي تخشى صعود النساء إنما تخشى التغيير نفسه، لأن المرأة تميل بطبيعتها إلى خلق حلول تشاركية تكسر عقلية السيطرة والانفراد".
ولفتت إلى أن المرحلة القادمة تحتاج لوعي اجتماعي أوسع, لأن القوانين مهما كانت قوية لن تكون كافية دون دعم مجتمعي واع يؤمن بأن المستقبل السياسي يحتاج النساء بقدر ما يحتاج الرجال, وأن بناء مجتمع ديمقراطي لا يكتمل إلا حين تعكس مواقع القرار إرادة المجتمع لا صورته فقط.
واختتمت المحامية جيلان حمي حديثها بتوجيه رسالة إلى نساء العالم قالت فيها إنه "على كل امرأة أن تعرف أن وجودها في ساحة السياسة ليس امتيازاً يعطى لها، بل حق تنتزعه بإرادتها، وعلى كل امرأة أن تدرك أن صوتها قوة، وأن خطواتها تصنع أثراً، وأن حضورها في القرار ليس مجرد مشاركة، بل هو فعل مقاومة، وفعل بناء، وفعل تحرير، فالمرأة ليست تابعاً لأحد، بل شريكة كاملة في كتابة مستقبل هذه الأرض، وأن ثورة النساء هي ثورة إنسانية ستعيد تشكيل الوعي، والسلطة، والعلاقات، وتفتح أفقاً جديداً نحو مجتمع حر وديمقراطي وعادل للجميع".