حفيظة شقير: حين نغيّر وضع النساء سيتغير وضع المجتمع إلى الأفضل (2)

تسعى عدة أطراف في تونس للقضاء على مكتسبات النساء التي ناضلت من أجلها لعقود، ومحاولة إقصائهن وإعادتهن إلى ما قبل الاستقلال، وهو ما تحذّر منه نسويات تونس اللواتي أكدن أن المعركة اليوم أصعب من تلك التي تم خوضها زمن الديكتاتورية

 
زهور المشرقي
تونس ـ .
وتأتي التحذيرات في وقت باتت فيه الحكومات التي تعاقبت على السلطة لا تهتم بقضايا النساء ولا تعتبرها أولوية وجب البت فيها ومعالجتها خاصة مع ارتفاع جرائم القتل والعنف الاجتماعي والجنسي والسياسي والاقتصادي.
وتقرّ الدكتورة حفيظة شقير، أشهر النسويات التونسيات في الدفاع عن حقوق النساء، وهي المختصة في القانون ومن مؤسسات الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات ومن قائدات الحركة النسوية بتونس، في حوار خاص مع وكالتنا، أن تغيير وضع النساء سيساهم في تغيير وضع المجتمع إلى الأفضل، مشددةً على أن هناك تخوفاً من المدّ الرجعي الذي جاء بعد أحداث 2011 الذي يهدف إلى القضاء على مكتسبات النساء في تونس.
 
أصدرت تونس منذ حوالي نصف قرن منظومة من القوانين وصادقت على عدة اتفاقيات دولية خاصة بحقوق النساء... هل التونسيات اليوم بحاجة إلى الاكتفاء بالاعتراف بالحقوق أم وجب العمل على تطبيقها؟
نعم، أعتبر أن الاعتراف بالحقوق مهم ولكنه غير كافٍ، حيث وجب إيجاد ضمان للتمتع بها وحمايتها، فالمرأة لديها الحق في المساواة في الإرث وفي الأجور ولكن بعض المؤسسات لا تحترم هذا الحق، أيضاً فيما يخص الضمان الاجتماعي، لا تتمتع الكثير من النساء بهذا الحق لأن وضعهن يتسم بالهشاشة.
القانون مهم لكنه غير كافٍ ولذلك وجب وضع آليات للتنفيذ وهذا دور تعمل عليه منظمات حقوق الإنسان والهيئات الدستورية المستقلة ومؤسسات الدولة والوزارات للنجاح في نشر ثقافة المساواة، وأعتبر أن المشكلة الأساسية تكمن في التساهل مع نشر ثقافة التمييز وليس في مجهودات توعية الناس بحقوق الإنسان، وكل الإشكاليات في الواقع تعود إلى العقليات الذكورية البالية المسيطرة التي وجب محاربتها بالعمل والتوعية بمساهمة مختلف الهياكل التي ذكرناها مع وسائل الإعلام طبعاً. 
 
شهدت تونس بعد الثورة تدافع حركات تحمل أجندات رجعية ما هدّد بتراجع كبير في المكتسبات التي حققتها المرأة... ما مدى تأثيرها وكيف يمكن مقاومة حركات الشدّ إلى الوراء؟
نعم هناك مدّ رجعي في البلاد يسعى إلى السيطرة، وأول ضحاياه النساء والفتيات... نعم هذه الحركات تنادي فعلاً بالرجوع إلى الوراء باسم الدين والخصوصيات الثقافية... وإذا أردنا فعلاً تحقيق المساواة والديمقراطية الحقيقية وجب الاتفاق على المبادئ المشتركة التي تربطنا ببعض نحن كتونسيين مهما كانت اختلافاتنا الفكرية والدينية والجنسية، والذين يتحدثون اليوم عن المبادئ الإنسانية يجب أن نتفق معهم على أن العدل والمساواة والحريات واحترام الكرامة الإنسانية أشياء لا تتجزّأ، وهي أشياء بسيطة يمكن أن نتفق بشأنها معاً بغض النظر عن الاختلاف، ونسعى إلى وضع تناقضاتنا جانباً من أجل المصلحة العليا للبلاد، فحتى مفاهيم التنمية تغيّرت وباتت تقوم على دور النساء.
أرى أن أول مبادئ الديمقراطية الحقيقية قبول الاختلاف والآخر والتسامح... نحن نعيش ضمن مجتمع إسلامي عربي متوسطي، والدين مسألة شخصية، هذا صحيح، وهو جزء من هويتنا ولكن لا يمكن أن نوظّفه لتقييد حقوق الإنسان سواءً بالنسبة لعقوبة الإعدام أو حقوق الأقليات أو حقوق النساء، ويجب استغلال الخصوصيات الثقافية لإثراء حقوق الإنسان بصفة عامة وشمولية لاعتبارها لا تتجزّأ، وهذا مهم لتجاوز الصراعات والعراقيل المماثلة أمام تنمية حقيقة وتتطور المجتمع ككل.
إن الوضع الذي ما فتئ يتردى منذ عشر سنوات دفعنا إلى التفكير والعمل معا للتصدي للتيارات الرجعية التي توقفت عقارب ساعتها عند خلافة بائدة والمعادية للدولة المدنية الحداثية.
نحن نعيش في بلد برغم كل النقائص، يستند إلى حركة إصلاحية مهمة، فمنذ عام 1857 تبلور "عهد الأمان" وهو بمثابة إعلان حقوق الإنسان والمواطن، ثم تبعه دستور 1861 وصولاً إلى دستور 1959 حيث ناضلنا كثيراً من أجل ضمان حقوق النساء والمواطنين. 
 
كيف يمكن تحقيق التحرر في ظل سطوة ذكورية واستعادة هوية المرأة المسلوبة والخروج من أصفاد الصورة النمطية التي صنعها المجتمع؟
السطوة الذكورية هي نظام أبوي، وهذه العقلية لا يمكن تغييرها إلا عبر توحيد الجهود من أجل فرض وجود المرأة في المجتمع، وأعتبر أن تفاقم ظاهرة العنف مثلاً في العالم لا في تونس فقط، يعود إلى تغيّر العلاقات حيث إن الرجل لم يعد يقبل بوجود المرأة في الفضاءات العامة، ليحصر دور النساء في الفضاء الخاص فقط من خلال  تربية الأطفال والاعتناء بالشؤون المنزلية، والحال أن القانون جسّد هذا التقسيم التقليدي للأدوار في المنطقة العربية، وبرغم ذلك برزت في تونس حركات نسوية عديدة انخرطت بقوة في النضال من أجل تحرر المرأة برغم سطوة العقلية الذكورية وصعوبة محاربتها لتحقيق مجتمع متساوٍ متناسق.
لدينا مناضلات اتّسمن بالجرأة على غرار نوال السعداوي التي قدّمت مقاربات مهمة حول وضع النساء وطالبت بضرورة وجودهن في مواقع القرار، وبفصل الدين عن الدولة، وكتبت كتباً كثيرة انتصرت فيها للمرأة وشجعتها على التحرر.
وأذكر أننا حين أسّسنا الجمعيات النسوية والنوادي الثقافية ثم الحركة الديمقراطية النسوية كان ذلك لتأسيس خطاب بديل للخطاب النسوي السائد الذي ظل ينطلق من الخطاب الأبوي الذي يستمد قوته من الدين، وأيضاً من تأثيرات نظام الرأسمالية الذي يخلق نوعاً من الفوارق... كما أصبحنا نرى سيطرة الرأسمالية التي أنتجت الحركات الشعبوية التي لا تعترف لا بدستور ولا قوانين ولا أحزاب... إذن لا بد من إعادة بناء مجتمع يقوم على المساواة والحرّية واحترام القانون وحق الاختلاف.
 
لتغيير الذهنية الذكورية كيف يمكن التوفيق بين الإعلام والمجتمع المدني والمنظمات الحقوقية؟
يلعب الإعلام أولاً دوراً كبيراً ومهماً في تغيير هذه العقليات، لكننا نعلم جيداً أن هناك حصصاً تلفزيونية تكرّس العقلية الذكورية، ولم يتمكن العالم من التعاطي مع حقوق النساء بصفة موضوعية مع احترام كرامة النساء والإنسانية بصفة عامة، كذلك العمل يكون عبر دعم وجود النساء في مراكز القرار من أجل تبني القضايا النسوية والسعي لتحقيق المساواة التامة وإنجاز مكتسبات أخرى... تحدثنا عن الاتحاد العام التونسي للشغل وهو أكبر مؤسسة تغيب عنها النساء وتتمركز فيها بصفة ضئيلة.
 
في الختام، ما المطلوب من النساء في تونس للحدّ من العوامل السلبية في ظلّ سطوة الذهنية الذكورية وضعف تطبيق القانون وهشاشة التنفيذ والإفلات من العقاب وازدياد نسب العنف ضد النساء؟
طبعاً هي عوامل شدّ إلى الوراء، والمطلوب هو استمرار منظمات المجتمع المدني في الضغط على السلطة وتكثيف التحرك في أوساط النساء لتوعيتهن بحقوقهن والدفاع عنهن أمام مؤسسات الدولة، إدارية كانت أو قضائية أو تنفيذية، وضرورة نزع الخوف... كما أعتبر أن توحيد الجهود بين مختلف المنظمات الحقوقية والنسوية من شأنه أن يسهم في تغيير وضع المجتمع إلى الأفضل، ليكون خالياً من التمييز بمختلف أنواعه، يعترف بالاختلاف ويحترم حريات الآخر ويقر بدور النساء في التنمية وفي العملية الاقتصادية والسياسية.