'أي حلول مؤقتة هي وقود للحرب وليست عملية سلام'

عقد إلا عام، هو عمر الحرب المستمرة في اليمن، فمنذ اشتعال الحرب في عام 2015 بدأ من انقلاب الحوثيين على الدولة وتدخل دول التحالف العربي لمساندة الشرعية تفاقمت الحرب وأثرها الكارثي على حياة المدنيين.

نور سريب  
اليمن ـ
الأزمة اليمنية إحدى أكبر الأزمات الإنسانية في العالم حيث أن هناك 21.6 مليون يمني ويمنية يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدات، فالحرب فاقمت الضعف الذي تعاني منه النساء والفتيات وزادت من حدة عدم المساواة القائمة بين الجنسين وانعدام التمكين السياسي وغيبت إشراك الكوادر النسوية في مسارات السلام اليمنية والمشاورات التي تقام بين الحكومة المعترف بها دولياً والحوثيين. 
على مدى سنوات الحرب لم تمل المدافعات والناشطات في الإطار السياسي والحقوقي من وضع الخطط المساهمة في إحلال السلام، وحول نظرة النساء لعملية السلام السارية في اليمن ومطالبهن وآمالهن التقت وكالتنا بعدد من القيادات النسوية.


جهود سلام منقوصة
قالت الباحثة السياسية، والمديرة التنفيذية لمركز سوث ٢٤ للأخبار والدراسات فريدة أحمد "لم تعد جهود السلام الدولية مؤثرة كما كانت في السنوات الأولى من بدء الصراع في اليمن، بل إنّ الجهود الإقليمية فاقتها بمراحل، خاصة بعد التقارب السعودي الإيراني بالرعاية الصينية، إذ ساهم الاتفاق على تهدئة الأوضاع وتثبيت الهدنة لوقت أطول، إذ يبدو أنّه كان جيداً إلى حدٍ ما من الناحية الإنسانية على الأقل، فقد ساهم بتخفيف حدة المعارك القتالية على الأرض وتوقف الضربات الجوية، وأحدث فارق ملموس بالنسبة للمواطنين، من خلال شعورهم بنوع من الهدوء وربما حرية الحركة وتوقف نسبي للنزوح، غير إنّ الوضع الاقتصادي والمعيشي والخدمي ظل في انحدار مستمر، ومازال الناس يعانون في الحصول على أبسط حقوقهم الأساسية في مناطق سيطرة الحوثيين وكذلك في مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً".
وأضافت "جهود السلام بهيئتها الحالية ستبقى منقوصة، لأن المجتمع الإقليمي والدولي بات يتعاطى مع الملف اليمني وفقاً للمكاسب الجيوسياسية التي حققتها كلاً من السعودية وإيران في المنطقة، كما إن الموقف السعودي الذي بات يلعب دور الوسيط، ويحصر محادثاته مع طرف أُحادي ممثل بالحوثيين، ويستثني بقية الأطراف السياسية المناهضة على الجانب الآخر، يُضعف من موقف الحكومة الشرعية، إذ تضغط الرياض ومسقط ومعها المجتمع الدولي على الحكومة الشرعية لتحقيق اشتراطات الحوثيين للخروج من معادلة الحرب بأي ثمن، بغض النظر عن النتائج التي يمكن أن تحدث بعد ذلك، وهذا خطأ استراتيجي كبير، لأنّه يقوّي طرف غير شرعي مقابل إضعاف طرف شرعي". 
وعن عدم إشراك النساء في عملية السلام اليمنية قالت "بالنسبة لنا كنساء، فما حدث بالتأكيد انتكاسة كبيرة على كافة المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية وغيرها، ومما زاد الأوضاع سوءاً، هو التقاسم بين المجموعات العسكرية والسياسية المنتفعة على الجانبين (الشرعية والحوثيين)، وتأجيل ضم المرأة للهيئات التنفيذية المهمة ودوائر صنع القرار، لأسباب تعتقد أطراف الصراع بأنّ المرأة لو تقلّدت مواقع سياسية مهمة ستُضعفهم في السباق على السيطرة أمام بقية الفرقاء، وأسباب أخرى متعلقة بالكفاءة ومعاييرها يتخذونها كذريعة لاستبعادها، رغم أنّ بعضهم لا يمتلكون الكفاءة الملائمة لإدارة مواقعهم".


عملية تتسم بإقصاء الجهات الفاعلة
من جانبها ترى بهية السقاف وهي رئيسة مؤسسة باس، أنه بعد مرور تسع سنوات على اندلاع شرارة النزاع في اليمن لايزال مسار السلام الرسمي محصوراً إلى حد كبير بين الحكومة المعترف بها دولياً وسلطات الحوثيين.
وأضافت "تتسم العملية الرامية إلى إيجاد تسوية بإقصاء العناصر الفاعلة الحيوية الأخرى داخل اليمن، وأبرزها النساء حتى اليوم، لم يكن للمرأة اليمنية تمثيل يُذكر في أهم مفاوضات السلام الخاصة باليمن، وهو توجّه يتناقض بشكل صارخ مع أجندة الأمم المتحدة للمرأة والسلام والأمن، وتحديداً قرار مجلس الأمن رقم 1325 الذي يحث جميع الأطراف على إشراك المرأة في عمليات بناء السلام".
وعن أثر الجهد التي تبذله النساء قالت "النساء اليمنيات كُنّ في طليعة الجهود الساعية للتخفيف من تداعيات الحرب عبر دورهن في إرساء السلام على الأرض، وحماية الفئات الضعيفة، وتخفيف المعاناة داخل مجتمعاتهن المحلية، حيث لعبت المجموعات النسوية المحلية وناشطات السلام دوراً حاسماً في نزع فتيل توترات الصراع من خلال حشد أبناء مجتمعاتهن، والتعاون مع القادة المجتمعيين، والتفاوض مع مختلف الفصائل المتحاربة لإنهاء العنف من خلال انخراط العديد من النساء في لجان الوساطات المجتمعية وبناء السلام، ورغم هذا ما تزال أصوات النساء مهمشة في المسارات الرسمية لبناء السلام، رغم كل الدعوات والضغط المحلي والدولي المنادي بأهمية إشراك النساء ضمن هياكل الحكومة".
ولفتت إلى أنه "بالرغم من الاستجابة الضعيفة التي تمت مؤخراً وتمثلت بتعيين نساء في السلك القضائي وبعض الدوائر السياسية العليا إلا أن حتى هؤلاء النساء تواجهن عقبات هيكلية وفوارق جنسانية فرضتها عليهن العادات والتقاليد المتأصلة في المجتمع اليمني الأمر الذي أظهر تحديات اجتماعية إضافية أمام النساء المنخرطات في العمل في مسارات السلام المختلفة وحدت من أدوراهن وتأثيرهن، فالنساء في مناطق سيطرة الحوثيين على سبيل المثال تعانين من عقبات كبيرة وسياسات ممنهجة تهدف إلى الحد من دورهن بل إن العديد منهن تعرضن للتهديد المباشر بذريعة أنهن تخدمن أجندات غربية، ولا تقتصر الانتهاكات والتهميش للنساء في تلك المناطق فقط بل إن كل أطراف الصراع اليمني يختلفوا في كل الأجندات ويتفقوا في الانتهاكات التي يمارسونها جميعهم ضد النساء".


آمال السلام 
وترى ليزا البدوي عضو شبكة التضامن النسوي وممثلة مبادرة مسار السلام في جنيف أن "السلام لن يتحقق إلا عندما يتم إشراك النساء في جميع المشاورات والمفاوضات في جميع المراحل، لتحقيق سلام مستدام، إن مساواة المرأة بالرجل حق لها وفقاً للقوانين والاتفاقيات الدولية، كما لابد من العمل على تمكين النساء في مراكز صنع القرار والأجهزة والمؤسسات، سواء كانت أجهزة القضاء أو الشرطة أو القطاعات المدنية".

 


فيما تعتقد الأكاديمية والناشطة السياسية أروى الشميري أن "عملية السلام أصبحت ضرورية وحتمية لكن يجب أن تكون مستدامة وأي عملية سلام وقتية هي وقود للحرب وليست عملية سلام، والذي ينقص عملية السلام الشراكة الفعلية للنساء والمضي على مبدأ جبر الضرر وتطبيق العدالة المجتمعية والمصالحة لتعزيز النسيج المجتمعي الذي مزقته الحرب قبل البدء بأي عملية سلام، كيلا تكون حقوق الضحايا اليمنيين واليمنيات مثل الجمر تحت الرماد وتشتعل في أي وقت وينتهي السلام لكونه مؤقت لم يقم على أسس صحيحة، والآمال كثيرة وأولها وأهمها الأمل الاقتصادي لأن الحرب الاقتصادية أشد فتكاً بالمواطن".
وتستمر الحرب وتستمر معها عملية السلام التي يحلم اليمنيين واليمنيات بنجاحها يوماً ما لإنهاء الحرب وإرساء اليمن للنهج الديمقراطي، فيما تتشبث اليمنيات بحقوقهن وتبذلن جهد كبير للمشاركة في صناعة السلام وفق المسارات المتاحة لهن مثل إعداد المسودات حول عملية السلام في اليمن والإسهام في وضع الرؤى والتصورات المتعلقة بالسلام.