المرأة العراقية بين المكاسب الدستورية وتحديات التأثير في صنع القرار

رغم المكاسب التي حققتها المرأة العراقية بعد عام 2003، لا يزال حضورها في مواقع القرار يواجه تحديات تحد من انتقالها من التمثيل العددي إلى التأثير السياسي الفعلي، وسط مطالبات بتمكينها اقتصادياً وسياسياً وتوفير بيئة داعمة لوصولها إلى مواقع القيادة.

تمني السروي

بغداد ـ منذ التغيير السياسي الذي شهده العراق عام 2003، شهدت المرأة العراقية تطورات مهمة على المستوى الدستوري والتشريعي، كان أبرزها إقرار دستور عام 2005 الذي ضمن تمثيل النساء في مجلس النواب بنسبة لا تقل عن 25% من خلال نظام الكوتا، في خطوة اعتُبرت شكلاً من أشكال التمييز الإيجابي لتعزيز حضور المرأة في الحياة السياسية.

 

الإنجازات الدستورية بعد عام 2003

في هذا الإطار، أكدت النائبة السابقة في البرلمان العراقي ندى الجبوري أن المرأة العراقية حققت مكاسب مهمة بعد عام 2003، وفي مقدمتها إقرار دستور عام 2005 الذي ضمن مشاركتها في المجالس التشريعية بنسبة لا تقل عن 25% من خلال نظام الكوتا، معتبرةً أن هذا النظام يمثل أحد أشكال التمييز الإيجابي الذي عزز حضور المرأة في المؤسسات التشريعية.

وأضافت أن تحقيق نسبة التمثيل الدستورية لا يعني بالضرورة وصول المرأة إلى مستوى التأثير الحقيقي، مشيرة إلى أن المعيار الأهم يتمثل في حجم مشاركتها الفعلية في صناعة القرار السياسي.

 

تراجع التأثير في صناعة القرار

وأوضحت ندى الجبوري أن المرأة العراقية كانت تؤدي دوراً أكثر فاعلية في السنوات الأولى التي أعقبت عام 2003، إلا أن هذا الدور شهد تراجعاً خلال العقد الأخير، مبينة أن مشاركة المرأة في ملفات الأمن والسلام وصنع القرار، وفق قرار مجلس الأمن الخاص بالمرأة والأمن والسلام، ما تزال تعتمد إلى حد كبير على الكفاءات الفردية، والخبرات العلمية والمهنية التي تمتلكها النساء، أكثر من اعتمادها على دعم المؤسسات.

ولفتت إلى أن المرأة العراقية تمتلك الكفاءة والخبرة اللازمتين لتولي المناصب العليا، لكنها أشارت إلى أن الواقع ما يزال يعكس ضعفاً واضحاً في تمثيل النساء في مواقع صنع القرار، سواء في إدارة المؤسسات الصحية، أو السلك الدبلوماسي، أو رئاسة الهيئات، أو قيادة الأحزاب السياسية.

وأضافت أن معظم الاجتماعات التي تعقدها القيادات السياسية والائتلافات الحزبية يغلب عليها الحضور الرجالي، رغم وجود نساء يمتلكن القدرة على الإسهام في رسم السياسات واتخاذ القرارات.

 

استقلالية المرأة في اتخاذ القرار

كما انتقدت ندى الجبوري تعامل بعض الأحزاب مع مشاركة المرأة، مؤكدة أن وجودها استُغل في بعض الأحيان لتحقيق مكاسب سياسية، وليس انطلاقاً من إيمان حقيقي بدورها القيادي، مشيرة إلى أن بعض النساء اللواتي يشغلن مناصب وزارية أو تنفيذية لا يتمتعن بالاستقلالية الكاملة في اتخاذ القرار، إذ تبقى قراراتهن خاضعة لتوجهات الأحزاب والكتل السياسية، الأمر الذي يحد من تأثيرهن في إدارة المؤسسات.

وبينت أن التركيز على عدد النساء داخل البرلمان لا يعكس الواقع الحقيقي للمرأة العراقية، موضحة أن العراق يضم أكثر من عشرين مليون امرأة وفتاة ما زلن يواجهن تحديات كبيرة في مجالات التعليم والصحة والعمل والحماية الاجتماعية.

وأكدت أن بناء قيادات نسائية قادرة على الوصول إلى مواقع صنع القرار يبدأ من تحسين أوضاع النساء في المجتمع، وتوفير بيئة داعمة لتمكينهن علمياً ومهنياً واجتماعياً.

 

الثقافة المجتمعية وبناء القدرات

وأوضحت ندى الجبوري أن الثقافة المجتمعية ما تزال تشكل عائقاً أمام مشاركة المرأة، مبينة أن الرجل يحظى بمساحة أوسع للحركة والتواصل وبناء العلاقات، في حين تواجه المرأة قيوداً تحد من فرصها.

وأضافت أنها اعتمدت طوال مسيرتها على العلم والدراسة المستمرة وتطوير الذات، مؤكدة أن العمل السياسي يتطلب المعرفة والخبرة، وأن غياب ثقافة القراءة وتطوير القدرات لدى بعض العاملين في الشأن العام ينعكس سلباً على جودة الأداء.

وأكدت أن عدداً من اللجان البرلمانية يضم أعضاء لا يمتلكون الاختصاص المطلوب، فضلاً عن أن شراء الأصوات خلال الانتخابات أسهم في إبعاد الكثير من الكفاءات، سواء من النساء أو الرجال، عن الوصول إلى البرلمان.

وشددت على ضرورة الاستعانة بالخبراء والمتخصصين داخل المؤسسات التشريعية والكتل السياسية، وإجراء جلسات استماع مع الجهات المعنية قبل تشريع القوانين، بما يضمن إصدار تشريعات أكثر كفاءة وفاعلية.

 

التمكين الاقتصادي بوابة المشاركة السياسية

وأكدت ندى الجبوري أن التمكين الاقتصادي يمثل أحد أهم ركائز تمكين المرأة، موضحة أن تنمية القطاع الخاص وتوفير فرص العمل وبناء القدرات للشابات يسهم في تعزيز استقلالية المرأة، ويمنحها قدرة أكبر على المشاركة في الحياة العامة وصنع القرار.

واختتمت بالتأكيد على أن هدفها ليس أن تتفوق المرأة على الرجل، بل أن تكون شريكاً مساوياً له في الحقوق والفرص والمسؤوليات، مشددة على أن المرأة العراقية تمتلك الإمكانات التي تؤهلها للإسهام بفاعلية في بناء الدولة متى ما توفرت لها البيئة المناسبة والفرص العادلة.

ورغم ما تحقق من مكاسب دستورية وتشريعية خلال العقدين الماضيين، فإن التحدي الأكبر يبقى في تحويل التمثيل السياسي للمرأة من حضور عددي إلى مشاركة مؤثرة في صنع القرار. ويؤكد مختصون أن تحقيق ذلك يتطلب إصلاحات سياسية ومؤسساتية، إلى جانب الاستثمار في بناء قدرات النساء وتمكينهن اقتصادياً واجتماعياً، بما يضمن شراكة حقيقية ومتوازنة في قيادة الدولة وصياغة مستقبلها.