المضاربة على الموت... الوجه المالي للحروب الحديثة

في حروب اليوم، تلاشت الحدود بين السياسة والسوق، وأصبحت الصراعات تؤثر مباشرة في أسعار النفط، والتأمين، والأسواق المالية؛ إلى درجة أن الحرب نفسها تحوّلت إلى جزء من آلية الربح والتقلّب داخل الاقتصاد العالمي.

شيلان سقزي

مركز الأخبار ـ لم تعد الحرب اليوم ساحة نارٍ وتراب فحسب، بل غدت ساحة أسعار. فمنذ اندلاع المواجهة في الثامن والعشرين من شباط/فبراير الماضي، بين إيران والتحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي، أخذت القرارات العسكرية والدبلوماسية تُترجم فوراً إلى لغة الأسواق، قفزت أسعار النفط، واهتزت المؤشرات، وارتفعت كلفة التأمين البحري، حتى ضاق الفاصل بين "الخبر" و"التداول" إلى حدٍّ صار فيه الخبر ذاته أداة للمضاربة.

في السياق نفسه، شدد صندوق النقد الدولي على أنّ الطاقة وسلاسل الإمداد والأسواق المالية هي القنوات الأساسية التي تنتقل عبرها آثار الحرب. أما البنك الدولي فتحدّث عن "صدمة تاريخية" في أسواق السلع، وعن ارتفاعٍ حادّ في علاوة المخاطر قصيرة الأجل للنفط. وفي الوقت ذاته، حذّرت وكالة الطاقة الدولية من أنّ الحرب ستؤدي إلى تراجع الطلب وتكريس حالة التقلّب المزمن في سوق الطاقة العالمي. وهذا يعني أنّ الحرب لا تعمل خارج منطق السوق، بل من داخله تماماً.

وهنا تكمن فاجعة القرن الحادي والعشرين؛ فالحرب لم تعد مجرد "كلفة" تدفع، بل أصبحت بالنسبة لبعض الفاعلين أصلاً اقتصادياً بحدّ ذاتها. فالقيمة المضافة لا تتحقق فقط عبر بيع الأسلحة أو الاستيلاء على الأراضي، بل من خلال صناعة التقلّب، ورفع أقساط التأمين، وخلق النقص المصطنع، وفتح مساحات واسعة للأربيتراج في أسواق النفط ومشتقاته والنقل والمشتقات المالية. ويشرح البنك الدولي في تحليله الأخير أن صدمة نفطية بنسبة 10% ناتجة عن توتر جيوسياسي قد ترفع أسعار الغاز الطبيعي بنحو 7%، وأسعار الأسمدة بأكثر من 5%، وهذه الآثار تعود عادةً متأخرة عبر الضغط على الغذاء والفقر. وبعبارة أخرى، الحرب على المستوى الكلي هي آلة لإعادة توزيع المخاطر، والمخاطر في الرأسمالية المتأخرة هي الموقع الذي يُصنع فيه الربح.

وفي هذا السياق، لم يعد ترامب مجرد فاعل سياسي، بل أصبح "مرجعاً صانعاً للأسعار". فخلال الأسابيع الماضية، دفع السوق مراراً في اتجاهات مختلفة عبر تصريحات متناقضة: يوماً يهدد، ويوماً يلين، ويوماً يصعّد، ويوماً يتحدث عن الحوار. ففي 17 نيسان/أبريل قال إنه من المحتمل عقد جولة جديدة من مفاوضات السلام في نهاية الأسبوع نفسه؛ وفي 5 أيار/مايو تحدّث عن "تقدم كبير" نحو اتفاق، وعلّق مؤقتاً عمليات مرافقة السفن في مضيق هرمز؛ وفي 6 أيار/مايو قال إن "محادثات جيدة جداً" جرت مع إيران خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية. وكانت هذه السلسلة من الرسائل كافية ليدفع النفط إلى الهبوط وترفع أسواق الأسهم. ورغم أنه لا يمكن الجزم بأن هذا النمط "خطة متعمدة"، فإنه يوضح بجلاء أن إيقاع الإشارات السياسية أصبح أحد المدخلات الأساسية في نماذج تسعير السوق.

هنا يمكن وضع تمييز مهم؛ فترامب لا يحرّك السوق بالضرورة في كل لحظة "بدافع منفعة شخصية مباشرة"، لكن نمط سلوكه ينسجم مع منطق صناعة التقلّب. السوق يستخلص منه "عدم قابلية للتنبؤ محسوبة"، أي إن المستثمر يدرك أن تصريحاته قادرة على تحريك أسعار النفط، وأسهم الصناعات الدفاعية، والدولار، والذهب، وقطاع النقل. وفي مثل هذا الوضع، لم يعد المتعامل الكبير، أو مدير صندوق التحوّط، أو حتى شركة التأمين، يقرأ فقط الوضع الميداني للحرب، بل يعالج أيضاً "لغة ترامب" بوصفها بيانات مالية. وهنا تحديداً تتحول السياسة إلى إشارة، والإشارة إلى مال.

وفي سوق النفط يظهر هذا التحوّل بوضوح. ففي أواخر نيسان/أبريل تجاوز سعر خام برنت 126 دولاراً، ثم بدأ بالانخفاض مع كل إشارة إلى وقف إطلاق النار أو اتفاق محدود. وفي 6 أيار/مايو، أُفيد بأن برنت هبط إلى نحو 100 دولار، وأن خام WTI وصل إلى نحو 94.81 دولار، بعد تقارير عن تقدم في المفاوضات واحتمال استئناف عمليات مرافقة السفن في مضيق هرمز. وفي الفترة نفسها، قالت جهات الطاقة الرسمية إن أسعار النفط ارتفعت بنحو 50% بسبب الحرب، وإن العودة إلى الوضع السابق ستستغرق أشهراً. هذا ليس مجرد تقلب طبيعي للسوق؛ إنه "علاوة الحرب"، أي الكلفة التي يضيفها السوق على كل برميل بسبب الخوف من الاضطراب.

لماذا يكون هذا التقلّب مربحاً إلى هذا الحد؟ لأن أسواق المشتقات لا تحقق الربح فقط من اتجاه السعر، بل من عامل الزمن أيضاً. وما يوضحه البنك الدولي صراحة هو هذا الفاصل الزمني: فالصدمات الجيوسياسية ترفع أولاً كلفة التسليم القريب للنفط، ثم تزيد تدريجياً الطلب على التخزين والاحتياطيات. أي إن من يتخذ الموقع الصحيح قبل صدور الخبر يمكنه أن يربح من اهتزاز السوق نفسه. وعندما تتحدث التقارير عن "نحو 7 مليارات دولار من الرهانات على انخفاض أسعار النفط والديزل والبنزين" قبل بعض الإعلانات السياسية، فالمسألة ليست مجرد خبر؛ بل إن الحرب، عبر سلسلة مترابطة من الأحداث، تجعل الوصول إلى المعلومات المميزة وسرعة التنفيذ امتيازاً مالياً استثنائياً.

ومن هذه الزاوية، تختلف الحرب الجديدة عن الحرب الكلاسيكية. ففي الحرب التقليدية، كانت الأسعار عادةً تتفاعل بعد اندلاع القتال؛ أما في الحرب الجديدة، فإن مجرد توقّع اندلاع المواجهة، بل وحتى احتمال عودة السلام، يكتب مباشرة داخل الأسعار. ولهذا تتحدث المؤسسات التحليلية العالمية عن "سوق استشرافي"، أي سوق لا يقيّم فقط العرض والطلب القائمين، بل يدمج أيضاً توقعات تدمير البنية التحتية، وإغلاق مضيق هرمز، وتآكل المخزونات، واضطراب النقل. وتذكّر وكالة الطاقة الدولية بأن مضيق هرمز، الذي مرّ عبره في 2025 ما معدله 20 مليون برميل يومياً، وبحصة تقارب 25% من تجارة النفط البحرية عالمياً، يمثل عنق زجاجة حيوياً؛ فأي اضطراب فيه ينقل الأسعار سريعاً من منطق السوق المادي إلى منطق الخوف السياسي.

وهنا يظهر المستوى الثاني من الربحية، أي قطاع التأمين والشحن البحري. فوفق التقارير الأخيرة، ارتفعت كلفة التأمين الحربي على السفن بشكل حاد، وأُلغيت تغطيات المخاطر أو أُعيد تسعيرها، وتحول النقل البحري إلى ساحة ربح جديدة للوسطاء. ومع ارتفاع مخاطر المرور عبر مضيق هرمز، تقفز أقساط التأمين، وهذه الأقساط تعني نقل كلفة الحرب مباشرة إلى جسد الاقتصاد العالمي. وتشير البيانات الحديثة إلى أن النفط المكرر، ونقل الوقود، ومسارات الشحن في آسيا وأوروبا تتعرض لضغط كبير؛ فقد تراجعت صادرات المنتجات المكررة في آسيا، وارتفعت أسعار الوقود الخفيف والثقيل. بهذا المعنى، الحرب ليست مجرد تدمير، بل تدمير لسلسلة القيمة وتحويلها إلى آلة لاستخراج الريع.

لكن لفهم هذه الحرب بالكامل، يجب تجاوز اقتصاد النفط والنظر إلى "اقتصاد التوقعات" نفسه. فصندوق النقد الدولي يوضح أن الطاقة وسلاسل الإمداد والأسواق المالية هي القنوات الثلاث الأساسية التي تنتقل عبرها آثار الحرب. كما يشير مركز الأبحاث ODI إلى أن الأسواق المالية تعيد باستمرار تسعير آثار الحرب الاقتصادية، وأن هناك حلقة تغذية راجعة دائمة بين اضطرابات الطاقة، وتوقعات التضخم، ومخاطر النمو العالمي. وهذا يعني أن الحرب، إلى جانب الدمار القائم، تحتجز المستقبل أيضاً: فأسعار الفائدة، وكلفة رأس المال، وميزان المدفوعات، وحتى السياسة النقدية للدول، كلها تُغذّى من منطق الخوف. وفي مثل هذا الوضع، لا تكون الحرب "ثغرة" في السوق، بل "مرحلة" من مراحله.

وهنا ينبغي استخدام مصطلح "مالنا الحرب" أو "التحوّل المالي للحرب". فمالنا الحرب تعني انتقال آلية الربح من إنتاج السلع إلى إنتاج التقلّب، ومن التقلّب إلى إنتاج التوقعات. فعندما يُسعَّر النفط ليس فقط عبر الأنابيب والموانئ، بل أيضاً عبر العقود الآجلة، وخيارات الشراء، ومؤشرات التقلّب، وسوق التأمين، يصبح كل خبر عن الحرب "حدثًا مالياً" بحد ذاته. وتشير الأبحاث الأكاديمية إلى أن سوق النفط يزيد حساسية الأسعار للصدمات القصيرة والأحداث الكبرى، وتُجزّئ سلوك السعر عبر آفاق زمنية مختلفة. والنتيجة أن الحرب الجديدة، بدل أن تكتفي بتدمير الموارد، يمكن أن تولّد عوائد استثنائية للفاعلين الذين يمتلكون وصولاً معلوماتياً وبنيةً تحتية متقدمة للتداول.

وفي هذا المنطق تحديداً تكتسب تصريحات ترامب أهميتها. ففي تاريخ هذه الحرب، هزّ السوق مراراً بجمل قصيرة ومتضاربة بدل الصمت الدبلوماسي: مرةً يتحدث عن "محادثات ممتازة"، ومرة عن تعليق عمليات المرافقة، ومرة عن احتمال اتفاق سريع. السوق لم يتعامل مع هذه الجمل كزينة خطابية، بل كبيانات صانعة للأسعار. ففي 5 و6 أيار/مايو، ومع انتشار أخبار الاتفاق المحدود وبداية المفاوضات المرحلية، تراجع النفط وتنفسّت الأسواق العالمية الصعداء؛ لكن هذا السلام القصير نفسه جزء من دورة التقلّب، لا نهايتها. فـ "السلام" في هذا النظام ليس بالضرورة نقيض الحرب؛ أحياناً يكون مجرد تغيير في طور الربحية.

ومن زاوية سياسية، يمكن القول إن ترامب يمثّل نمطاً من "سياسة السوق الحربية"، أي سياسة تُمحى فيها الحدود بين القرار الاستراتيجي، والرسالة الإعلامية، وصناعة الموقع المالي. وهذه السياسة لا تعني بالضرورة "مؤامرة شخصية" في كل لحظة؛ بل تعني أن شكل الحوكمة نفسه أصبح منسجماً مع منطق اقتناص التقلّب. فعندما يستطيع التهديد بالهجوم أو الوعد بالسلام أن يؤثر في اليوم نفسه على أسعار النفط، ومؤشرات الأسهم، وعلاوات التأمين، يصبح السياسي عاملاً من عوامل السوق. وفي مثل هذا العالم، الحرب لا تتقدم بالرصاص فقط، بل بالجملة أيضاً.

وعلى الجانب الآخر من هذه المعادلة، يقف الناس العاديون؛ هناك تحديداً تتحول كلفة التقلّب إلى عبءٍ جسدي ومعيشي. فارتفاع أسعار النفط يترجم سريعاً إلى تضخم مستورد، وغلاء في النقل، وزيادة في أسعار الغذاء، وضغط على ميزانيات الأسر. وقد حذّرت التقارير الرسمية من أن مثل هذه الصدمات يمكن أن تؤثر، بشكل متأخر، على أسعار الغاز الطبيعي، والأسمدة، والأمن الغذائي، والفقر. لذلك، فالحرب بالنسبة للناس ليست مجرد انفجار في مكان بعيد، بل تحوّل الحياة اليومية نفسها إلى ساحة أسعار مضطربة.

والآن يمكن قول الجملة الأساسية بلا التباس؛ في الحروب الجديدة، أصبحت الحرب نفسها خاضعة لمنطق السوق وصناعة التقلّب. وهذا يعني أن الحرب لم تعد مجرد وسيلة لتحقيق أهداف جيوسياسية؛ بل أصبحت أحياناً فئة من فئات الأصول. أصلاً يمكن المراهنة عليه، والمراجحة عبره، وبيع التأمين عليه، وتغيير مسارات السفن بسببه، وتحريك ملايين الدولارات بمجرد إعلان رسمي واحد. ولهذا السبب، في هذه الحرب، الصاروخ مهم، والجملة مهمة؛ المصفاة مهمة، والتغريدة مهمة؛ مضيق هرمز مهم، ونافذة توقيت نشر الخبر مهمة. فالسوق يسعّر الحرب، والحرب تعيد تشكيل السوق. وهذه الحلقة المغلقة هي أكثر صور القرن الحادي والعشرين رعباً.

وفي رأسمالية قائمة على الأزمات، لا ينفصل التقلّب عن الحرب؛ فالتقلّب هو الحرب نفسها. وكلما ازدادت البنية المالية تعقيداً وازدادت المعلومات ندرة، تدفقت الأرباح الناتجة عن الصدمات الجيوسياسية نحو اللاعبين الأقرب إلى السلطة، والمعلومات، والسيولة. وفي هذا المنطق، لا يُراق الدم فقط؛ بل تُصنع الأسعار أيضاً. وهذا ما يميز القرن الحادي والعشرين عن الحروب الكلاسيكية: ليس فقط ساحة المعركة، بل ساحة المضاربة على الموت.