الكرد في إيران… من ذاكرة القمع إلى صياغة معنى جديد للحرية
كلمة "الكرد" في إيران ليست مجرد هوية قومية؛ بل رواية عن المقاومة والقمع وصراع تاريخي ممتد، يبدأ من مقاطعة الاستفتاء على الجمهورية الإسلامية وصولاً إلى انتفاضة "jin jiyan azadî"، ولا يزال في قلب الصراعات السياسية والاجتماعية في إيران.
كيميا ناظري
روانسر ـ في جزء من تاريخ النضال الإنساني، ربما كانت العبارة الشهيرة "التاريخ يكتبه المنتصرون" حقيقة لا يمكن إنكارها؛ لكن في القرن الأخير، ومع تطور أدوات الكتابة والسرد، بات بإمكان كل شخص يملك قلماً أن يقدم نسخة جديدة من الواقع، ومع ذلك، تبقى الشواهد الملموسة والتجارب المعيشة هي التي تمنح الشرعية أو تنزعها عن روايات مختلف الأطراف.
لفهم سبب وقوفنا اليوم عند هذه النقطة من التاريخ، لا بد من البحث في الجذور؛ جذور نمت من بذرة زُرعت في سنوات بعيدة، ولهذا لا ينبغي التقليل من قوة الكلمات في تشكيل الذاكرة الجمعية وكتابة التاريخ. اليوم، في العالم عموماً وفي إيران خصوصاً، تتشكل حول كلمة "الكرد" حالة من الحساسية والشك والقلق، بل وحتى من الدسائس السياسية، وكأن هذه الكلمة، حين تقترن بمفاهيم أخرى، تغيّر المعاني وتكتسب وزناً سياسياً واجتماعياً جديداً.
لكن السؤال الأساسي هو: من أين تأتي هذه الحساسية؟ ولماذا كلما ذُكر "الشعب الكردي" تتصاعد ردود الفعل وتشتد النظرات؟
للإجابة، لا بد من البدء من أقرب وأوضح محطات التاريخ المعاصر؛ من الأحداث التي شهدناها جميعاً خلال السنوات الأخيرة، فقد جاء أحد أبرز مظاهر اهتزاز سلطة الجمهورية الإسلامية، وأحد أقوى الضربات التي أصابت بنيتها، من داخل الكلمات التي انطلقت من الشعب الكردي Jin Jiyan Azadî هذه الكلمات الثلاث لم تكن مجرد شعار سياسي، بل كانت خلاصة رؤية للعالم وتجربة تاريخية ومطلب تحرري.
ومع الانتفاضة التي حملت شعار Jin Jiyan Azadî والتي سرعان ما تحولت إلى حركة واسعة في عموم إيران، تشكلت أكبر موجة تضامن بين الشعوب المقموعة في البلاد، وقد أظهرت هذه الحركة أن النشطاء الكرد لطالما فكروا في قضية حرية شعوب إيران بعمق واتساع ورؤية مستقبلية أكبر من كثير من التيارات الأخرى، وقدّموا أفقاً شاملاً يمكنه تمثيل تطلعات واحتياجات مختلف القوميات والشعوب في مواجهة بنية القمع.
ولهذا، فإن كلمة "الكرد" في هذا السياق التاريخي ليست مجرد اسم؛ بل هي حاملة لتجربة من المقاومة والنضال من أجل الحرية وإعادة تعريف مفهومها، وربما هذه المعاني الجديدة تحديداً هي ما يثير الحساسية ويكشف قوة الكلمة.
بداية سياسة إقصاء الكرد
لكن قبل كل شيء، لا بد من العودة إلى سؤال أساسي: هل هذا الوعي السياسي لدى الشعب الكردي ظاهرة جديدة، أم أنه يستند إلى عقود طويلة من التجربة والنضال والذاكرة التاريخية؟
ولفهم أعمق للرؤية الواقعية والمستقبلية لدى الكرد، ينبغي الرجوع إلى الأيام الأولى لتشكّل الجمهورية الإسلامية؛ أيام كانت تحمل في طياتها الكثير من ملامح الحاضر. قبل أكثر من أربعة عقود، وفي الوقت الذي كان فيه جزء كبير من النخب والمثقفين وقوى الحرية في مدن مثل طهران وأصفهان وتبريز وغيرها يرفعون راية الجمهورية الإسلامية بوصفها "طريق الخلاص" ويطوون صفحة النظام الملكي، اختار الكرد مقاطعة الاستفتاء على الجمهورية الإسلامية وعدم المشاركة في صناديق الاقتراع.
جاءت هذه المقاطعة الواسعة في وقت كان فيه كثير من سكان المناطق الأخرى يرون مستقبل الحرية في وجوه رجال يرتدون العباءة، ويُنظر إليهم كبديل للنظام السابق، لكن موقف الكرد من الأنظمة الاستبدادية لم يكن مقتصراً على الجمهورية الإسلامية؛ ففي عهد الشاه أيضاً، لم يكن الكرد داعمين للنظام الملكي، إذ أثبتت تجربتهم أن هذا النظام بدوره لم يكن قادراً على ضمان الحرية والمساواة والحقوق الثقافية.
وإذا وُضع نظاما الشاه والجمهورية الإسلامية في إطار واحد، فإن التشابه البنيوي بينهما يظهر بوضوح، من المركزية الشديدة إلى القمع السياسي العلني، وهذا ما عزّز القناعة التاريخية لدى الكرد بأن الحكم في إيران، من الماضي إلى الحاضر، يقوم على نمط واحد من الاستبداد.
وفي سنواته الأولى، أظهر النظام الجديد سريعاً طبيعته عبر موجات القمع الواسعة وإعدامات ثمانينيات القرن الماضي والإقصاء المنهجي للمعارضين، وهو ما أكد لدى الكرد الأسباب التي دفعتهم منذ البداية إلى رفضه.
ومنذ تلك اللحظة، أدركت السلطة أن الكرد من بين أكثر المكونات قدرة على المقاومة، فشهدت مناطق كردستان أولى عمليات القمع الواسعة، من حملات عسكرية إلى تهجير قسري، ما أدى إلى مقتل ونزوح وتهجير آلاف الأشخاص.
لكن القمع لم يقتصر على الجانب العسكري فقط، بل سعت الجمهورية الإسلامية أيضاً إلى التحكم في السردية التاريخية، عبر إعادة صياغة المفاهيم وترويج توصيفات سياسية مثل "الانفصاليين" و"المجموعات الإرهابية الكردية"، بهدف تحويل كلمة "الكرد" في الوعي العام إلى مفهوم تهديدي.
وفي المقابل، عملت السلطة على إنتاج مفاهيم بديلة إضافة إلى خلق رموز وصور غير واقعية، مثل تماثيل بزي كردي تحمل علم الجمهورية الإسلامية، في محاولة لخلق انقسام داخل المجتمع الكردي، بين فئات مندمجة في الرواية الرسمية وأخرى تُصوَّر كـ "آخر" مرفوض ومهدِّد.
لم يكن بناء الرموز وصناعة المصطلحات مجرد خطوة دعائية؛ بل كان محاولة منظمة لهندسة الهوية وإعادة صياغة تاريخ ونضال الشعب الكردي ضمن قالب يتناسب مع رؤية السلطة، ومن خلال هذه الآلية، سعت الدولة إلى إعادة إنتاج شرعيتها في كردستان، وفي الوقت نفسه دفع أي شكل من أشكال المقاومة التاريخية إلى الهامش أو نزع المصداقية عنه.
لكن خلف هذا المسار كله كان هناك هدف واضح: تهيئة الرأي العام لتبرير أي شكل من أشكال العنف والقمع والإقصاء. فقد قبل كثير من الناس في المناطق الأخرى هذه التصنيفات دون تمحيص أو تحليل، الأمر الذي منح السلطة مساحة لتبرير سياساتها القمعية تحت شعارات مثل "الحفاظ على وحدة الأراضي الوطنية"، وقد انعكس هذا السرد أيضاً على جزء من الإعلام العالمي، ما ساهم في إخفاء واقع القمع والسجن والإعدام والتهجير القسري بحق الكرد تحت غطاء "الأمن القومي".
وخلال سنوات حكم الجمهورية الإسلامية، تعرض آلاف الكرد للعنف بأشكاله المختلفة، بما في ذلك الإعدام والسجن أو إجبارهم على مغادرة منازلهم وأراضيهم، وذلك بذريعة ما تم تصنيعه من مفاهيم مثل "الانفصالية"، ويُظهر ذلك أن التلاعب بالمصطلحات كان أداة أساسية لتبرير العنف البنيوي.
التهجير القسري والسجن والإعدام
في السنوات الأولى التي تلت ثورة 1979، اضطر آلاف من أتباع الديانة الكاكائية "اليارسان" في مناطق مختلفة من كرماشان إلى مغادرة منازلهم وأراضيهم، مع بدء سياسات الإقصاء والقمع والتوحيد الثقافي التي انتهجتها الجمهورية الإسلامية.
ولم يكن هذا النزوح خياراً، بل كان إجباراً فرضته ظروف الخوف والتهديد ومحاولات محو الهوية، وقد لجأت العديد من هذه العائلات إلى دول مختلفة، ولا تزال حتى اليوم تعيش في منفى قسري بعد أكثر من أربعة عقود.
لكن هذه الحالة لم تقتصر على هذه المنطقة فقط، إذ واجهت أجزاء أخرى من شرق كردستان مصيراً مشابهاً، حيث اضطر عدد كبير من السكان إلى الهجرة القسرية حفاظاً على حياتهم وهويتهم ومعتقداتهم.
لكن ماذا عن أولئك الذين لم تتوفر لهم إمكانية المغادرة؟ إذا ما تمت مراجعة الأخبار اليومية المتعلقة بحالات الاعتقال والأحكام القاسية وقرارات الإعدام، يكاد اسم كردي أن يظهر في كثير منها، في ظل اتهامات تُوصف بأنها مفبركة وملفات أمنية جرى إعدادها لهذا الغرض من قبل الجمهورية الإسلامية.
هذا التكرار المؤلم ليس مصادفة، بل يعكس نمطاً تاريخياً من القمع بدأ منذ السنوات الأولى للثورة ولا يزال مستمراً حتى اليوم، فالقمع المنهجي والتمييز البنيوي والنظرة الأمنية تجاه الكرد لم يؤدِّ فقط إلى إبعادهم عن أرضهم، بل وضع من بقوا داخلها في دائرة مستمرة من الضغط والتهديد والإقصاء، وهذه الحقيقة القاسية تُعد جزءاً من التاريخ المعاصر لإيران، والذي لا يمكن فهم أبعاده الراهنة دون العودة إليه.
في السنوات الأخيرة، شهد شرق كردستان اعتقال عدد كبير من المواطنين بتهم وُصفت بأنها غير مستندة إلى أدلة قانونية، حيث حُكم على بعضهم بالسجن الطويل أو الإعدام، ويُظهر تتبع قضايا الإعدام أن أقدم سجينة سياسية في إيران هي الكردية زينب جلاليان، التي لا تزال محتجزة منذ سنوات طويلة دون إجازات وبظروف قاسية.
كما أن نسبة ملحوظة من حالات الإعدام في السنوات الأخيرة كانت من الكرد إضافة إلى ذلك، تواجه ناشطات مثل وريشة مرادي وبخشان عزیزي خطر تنفيذ أحكام الإعدام بحقهن، وكلتاهما تنتميان إلى المجتمع الكردي الذي يعيش تحت ضغط أمني مستمر.
وتشير هذه الوقائع إلى نمط أوسع، حيث يتم التعامل مع الأنشطة المدنية والثقافية وحتى التعليمية في شرق كردستان عبر عدسة أمنية، ما يهدد حياة وحريات المواطنين الكرد، وتكشف هذه السلسلة من الأحداث أن الجمهورية الإسلامية مارست خلال سنوات حكمها أشكالاً متعددة من القمع والضغط الممنهج على الشعب الكردي، بحيث تصبح أي فرصة للتنفس الاجتماعي أو السياسي مؤقتة، سرعان ما تُقابل بإعادة إنتاج أدوات الإقصاء والهيمنة.
وهذا النمط المتكرر يعكس أن الكرد لطالما كانوا ضمن الدوائر المستهدفة بشكل ثابت ضمن السياسات الأمنية ومنظومات الإقصاء في بنية السلطة.
النساء الكرديات وإرث المقاومة
في مواجهة كل ما تعرّض له المجتمع الكردي من تهديدات وتعذيب وسجن وإعدامات على يد الجمهورية الإسلامية، يبقى السؤال الجوهري: أين يقف الشعب الكردي اليوم؟
ورغم ثِقل هذا الضغط الممتد عبر عقود، لم يتراجع المجتمع الكردي، بل ظل أحد أكثر القوى ثباتاً وفاعلية في مواجهة سياسات الدولة الإيرانية، وقد أثبت هذا المجتمع أن القمع لا يؤدي إلى الإخضاع، ولا ينجح في إقصائه من ساحة الفعل السياسي والاجتماعي.
وفي قلب هذا المشهد، برز دور النساء الكرديات بوصفه دوراً محورياً وحاسماً، فقد التحقت العديد منهنّ بصفوف الحركة النضالية، وقدّمن نموذجاً في التنظيم والمقاومة والاستمرارية، وأسهمن في إيقاظ روح التمرد لدى آلاف النساء، ومع مرور الوقت، أصبحت تجربتهن مرجعاً ملهماً لنساء كثيرات تعانين من العنف والتمييز والهيمنة الذكورية، ليس فقط داخل المنطقة بل خارجها أيضاً، حيث وجدت نساء في تجاربهن نموذجاً يمكن استلهامه في مسارات التحرر.
ومع تصاعد هذا الحضور، تحوّل نضال النساء الكرديات إلى نموذج يتجاوز الجغرافيا، وبدأت تأثيراته تظهر في سياقات مختلفة، ففي مناطق أخرى من الشرق الأوسط، برزت شخصيات نسائية مسلحة أو سياسية استلهمت هذا الخطاب أو تأثرت به، كما أصبح شعار Jin Jiyan Azadî رمزاً يتردد في احتجاجات متعددة حول العالم، متجاوزاً حدوده الأصلية ليصبح لغة مشتركة للحركات النسوية والمناهضة للقمع.
هذا الشعار، الذي ارتبط بتجربة الحركة الكردية الحديثة، بات يُستخدم اليوم كلغة رمزية للمطالبة بالحرية في أماكن مختلفة، وهو ما يعكس قوة الفكرة التي انطلقت من سياق محلي لتتحول إلى خطاب عالمي، بغضّ النظر عن الجدل السياسي المحيط بها.