جزائرية تحمل لقب "صانعة الأبطال" بعد عقود من التشكيك بقدراتها
من الحلبة إلى منصة التدريب والتحكيم، قطعت فوزية نحاوة أكثر من ثلاثة عقود في الرياضات القتالية، لتتحول من لاعبة واجهت التشكيك إلى مدربة حملت لقب "صانعة الأبطال".
رابعة خريص
الجزائر ـ لم يكن دخول الجزائرية فوزية نحاوة عالم الملاكمة والكيك بوكسينغ مجرد اختيار رياضي، بل كان تحدياً مجتمعياً ورسالةً تؤمن بأن المرأة قادرة على امتلاك القوة والانضباط والقدرة على المنافسة، من دون أن تتخلى عن أنوثتها أو قيمتها.
منذ أن وطأت قدماها عالم الرياضات القتالية سنة 1994، شقت فوزية نحاوة طريقاً لم يكن معبداً بالسهولة، قبل أن تتحول مع مرور السنوات من رياضية إلى حكمة وطنية، ومدربة رياضية، ونائبة رئيس رابطة سطيف للفول كونتاكت والموي تاي والرياضات المشابهة، فضلاً عن ترأسها لجنة التحكيم بها.
حين تتحول النظرة التقليدية إلى وقود للنجاح
في مدينة سطيف، مسقط رأسها ومهد تجربتها الرياضية، لم يكن الطريق سهلاً. فقد اصطدمت فوزية نحاوة في بداياتها بنظرة تقليدية ترى الرياضات القتالية مجالاً بعيداً عن المرأة، وبأصوات تشكك في قدرتها على الاستمرار. وتقول "لم أتعامل مع ذلك كعائق، بل جعلته دافعاً أكبر، فقد آمنت أن أفضل رد على أي تشكيك هو العمل والاستمرارية".
لم تكن الفنون القتالية بالنسبة إلى فوزية نحاوة مجرد تقنيات وضربات ومنافسات، بل مدرسة متكاملة أعادت من خلالها اكتشاف ذاتها وبناء فلسفتها في الحياة "الفنون القتالية علمتني أن القوة الحقيقية ليست في الضربة، وإنما في القدرة على التحكم في النفس. تعلمت منها الصبر، الانضباط، احترام الآخر واتخاذ القرار في الوقت المناسب".
وتضيف "تعلمت أن الفوز لا يعني دائماً أن تكون الأول، وأن الخسارة ليست نهاية الطريق، بل فرصة لمعرفة نقاط ضعفك والعمل على تطويرها".
ومن هذا المنطلق، تسعى اليوم إلى نقل هذه القيم إلى بناتها وإلى الجيل الجديد من الرياضيات، مؤكدة أن الهدف الحقيقي من الرياضة لا ينبغي أن يقاس بعدد الميداليات فقط، وإنما بما تتركه من أثر في شخصية الرياضي.
ومنذ عام 2022، ارتبط اسم فوزية نحاوة بلقب "صانعة الأبطال" وهو لقب لم يأت من فراغ، وإنما ثمرة سنوات من التدريب والعمل.
وأشارت إلى أنها تبحث "عن نقاط القوة لدى كل رياضي وأعمل على تعزيزها وتطويرها خطوة بخطوة. أؤمن تماماً أن لكل لاعب سرعته الخاصة في التطور، ومهمتي الأساسية كمدربة هي أن أكتشف الإمكانيات الكامنة بداخله، وأساعده على الوصول إليها".
عائلة بأكملها على خطى الأم
امتد تأثير فوزية نحاوة إلى محيطها العائلي أيضاً، حيث تحولت الرياضة إلى جزء أساسي من حياة أسرتها وتقول بفخر "أنا اليوم أم لثلاثة أولاد وبنات؛ أكبرهم ابني إسحاق الذي يسير على خطاي كمدربٍ رياضي في الكيك بوكسينغ، كما تنشط بناتي حالياً في المجال نفسه، وهن حاصلات على الحزام الأزرق".
وتكشف هذه التجربة عن جانب آخر من مسيرتها، يتمثل في قدرتها على تحويل الرياضة من مجرد نشاط إلى ثقافة عائلية تقوم على الانضباط والثقة بالنفس والعمل المستمر.
إذا كانت فوزية نحاوة قد نجحت في كسر الصورة النمطية داخل الحلبة، فإن معركتها مع عالم التحكيم كانت أكثر صعوبة، حيث تؤكد أن الرياضة النسوية القتالية في الجزائر قطعت أشواطاً مهمة، وأصبح حضور الفتيات في المنافسات أكثر قوة وثقة وطموحاً غير أن الطريق "لم يكن مفروشاً بالورود".
وتضيف "في مدينتي كنت المرأة الوحيدة التي تمارس هذه الرياضة، مما جعل البعض في المجتمع يوجه لي نظرة استهجان وتشكيك، كما واجهت صعوبات بالغة وعراقيل جمة لكي أتحصل على شهادة حكم ولائي".
وتستعيد تلك المرحلة قائلة "لم أتلق الدعم محلياً، بل واجهت شتى أشكال الردع والصد، لكنني لم أستسلم. قررت الانتقال ودراسة التحكيم في ولاية سكيكدة لمدة تفوق العام، حيث نجحت في نيل الشهادة الولائية"، لكنها لم تعتبر ذلك نهاية الرحلة، بل بداية مرحلة جديدة، واصلت خلالها التدريب والعمل الميداني إلى أن حصلت على شهادة حكم وطني.
الدفاع عن النفس قوة لحماية المرأة لا لصناعة العنف
من بين أكثر الملفات التي تحظى باهتمام فوزية نحاوة، تعليم الفتيات مهارات الدفاع عن النفس، انطلاقاً من قناعة بأن تمكين المرأة لا يقتصر على التعليم والعمل، وإنما يشمل أيضاً منحها القدرة على حماية نفسها، وتوضح "لم تكن الفكرة بالنسبة لي مرتبطة بحادثة واحدة فقط، وإنما بما كنت أراه وأسمعه من مخاوف النساء والفتيات من المواقف التي قد يتعرضن لها".
وأكدت على أن تعليم الدفاع عن النفس لا يعني دفع المرأة إلى العنف، بل العكس تماماً، يمنحها الثقة، الوعي، القدرة على التصرف تحت الضغط وإدراك الموقف.
ولعل أحد أبرز التحولات التي لمستها فوزية نحاوة خلال سنوات عملها، التغيير الذي طرأ على نظرة العائلات الجزائرية إلى ممارسة بناتهن للفنون القتالية.
وفي ختام حديثها، تقول إن الكثير من الأولياء باتوا اليوم أكثر تقبلاً للفكرة مقارنة بالماضي، وترجع ذلك، من جهة، إلى النتائج التي حققتها الرياضيات، ومن جهة أخرى إلى وعي الأسر بأن الفنون القتالية لا تعني بالضرورة العنف أو الخشونة "أصبح الكثير من الآباء والأمهات يرون الجانب الآخر والمشرق لهذه الرياضة، وخاصة دورها في إبعاد الأبناء عن السلوكيات السلبية".