زويا كوسموديميانكايا… حضور تاريخي يجسد صموداً ضد النازيين

تحولت زويا كوسموديميانكايا إلى رمز بارز في الذاكرة السوفيتية، بعدما خاضت عمليات مقاومة سرية ضد الاحتلال النازي ورفضت الكشف عن رفاقها تحت التعذيب، قبل إعدامها وهي في الثامنة عشرة، لتصبح إحدى أبرز صور الصمود خلال الحرب العالمية الثانية.

مركز الأخبار ـ واجهت زويا كوسموديميانكايا أقسى أساليب التعذيب خلال استجواب القوات النازية، بعدما رفضت الكشف عن رفاقها أو تقديم أي معلومات، لتتحول شهادات ما جرى معها إلى دليل بارز على صمود المقاتلين السوفييت قبل إعدامها عام 1941.

وُلدت زويا كوسموديميانكايا في أيلول/سبتمبر 1923 في غافريلوفسكي جنوب روسيا، وهي مقاتلة سوفيتية أصبحت أول امرأة تُمنح لقب بطل الاتحاد السوفيتي خلال الحرب العالمية الثانية، كان والدها أمين مكتبة ووالدتها معلمة، وانتقلت مع اسرتها إلى سيبيريا وهي في السادسة، ثم عادت إلى موسكو عام 1930، فقدت والدها في سن العاشرة.

اهتمت زويا كوسموديميانكايا بالأدب والموسيقى منذ صغرها، فقرأت أعمال تولستوي، ديكنز، شكسبير، غوته، بوشكين؛ واستمعت إلى موسيقى تشايكوفسكي وبيتهوفن، تشكلت نظرتها للعالم في سن مبكرة، وفي عام 1938 انضمت إلى الكومسومول، وهي منظمة الشباب التابعة للحزب الشيوعي السوفيتي.

 

مناصرةً تحت اسم "تانيا"

في تشرين الأول/أكتوبر 1941، وبينما كانت لا تزال طالبة في المدرسة الثانوية، تطوعت زويا كوسموديميانكايا التي حملت الاسم الحركي "تانيا"، للانضمام إلى وحدة خاصة من قوات المقاومة السوفيتية، وبعد تدريب قصير، أُرسلت إلى منطقة فولكولامسك قرب موسكو، حيث شاركت في عدة عمليات مقاومة.

عارضت زويا كوسموديميانكايا الفصل بين مهام الرجال والنساء داخل صفوف المقاتلين، وتمسكت بمبدأ تقاسم المشاق بالتساوي، فطالبت بأداء الواجبات نفسها التي يقوم بها الرجال، وفي 27 تشرين الثاني/نوفمبر 1941، نُقلت إلى قرية بيتريشيفو الخاضعة للاحتلال النازي، حيث شاركت في استهداف مواقع الجنود الألمان، وبعد فترة انفصلت عن مجموعتها وعادت منفردة لمواصلة نشاطها، قبل أن يُلقي الجنود النازيون القبض عليها إثر بلاغ قدّمه أحد المتعاونين، ليتم اقتيادها إلى مبنى يُستخدم مقراً عسكرياً.

لم تكشف زويا كوسموديميانكايا عن اسمها الحقيقي أثناء الاستجواب، وعرّفت نفسها باسم "تانيا"، ولم تجب على أسئلة الجنود الألمان حول من أرسلها ومن عملت معه وما فعلته، وبحسب شهادات الشهود، تعرضت زويا كوسموديميانكايا لتعذيب شديد طوال الليل، فقد ضُربت وأُصيبت، وأُجبرت على المشي حافية القدمين على الثلج في طقس شديد البرودة. ورغم ذلك لم تُدلِ بأي معلومات عن رفاقها، قام الصحفي السوفيتي بيوتر ليدوف بتجميع الشهادات المتعلقة باستجواب زويا كوسموديميانكايا ونشرها في صحيفة برافدا في 27 كانون الثاني/يناير 1942.

 

"أنا سعيد بالموت من أجل شعبي"

بعد عجزهم عن الحصول على أي معلومات من زويا كوسموديميانكايا، حكم الجنود النازيون على المقاتلة الشابة بالإعدام، وبينما كانت تُقتاد إلى الإعدام، خاطبت أهل القرية قائلة "أنا لا أخشى الموت، بل أنا سعيدة بالموت من أجل شعبي!".

ثم التفت إلى الجنود النازيين وقالت "أنتم تشنقونني الآن، لكنني لست وحدي، نحن مئتا مليون شخص، لا يمكنكم شنقنا جميعاً، استسلموا قبل فوات الأوان، النصر سيكون حليفنا"، تم إعدام كوسموديميانكايا وهي في الثامنة عشر من عمرها في بيتريشيفو صباح التاسع والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 1941 لتصبح رمزاً للمقاومة.

بقي جثمان زويا كوسموديميانكايا معلقاً لمدة شهرين تقريباً، وفي وقت لاحق دُفن رفاتها في القرية، وبعد أن استعاد الثوار السوفييت المنطقة، نُقلت إلى مقبرة نوفوديفيتشي في موسكو، حُوكِمَ المتعاون الذي خان زويا كوسموديميانكايا وعوقب في محكمة سوفيتية بعد الحرب، أما زويا كوسموديميانكايا، فقد مُنِحَت لقب بطلة الاتحاد السوفيتي بعد وفاتها.

كانت زويا كوسموديميانكايا، التي أصبح اسمها فيما بعد رمزاً للمقاومة ضد الاحتلال النازي، موضوعاً للعديد من الأغاني والقصائد، ومن بينها قصيدة ناظم حكمت بعنوان "تانيا"، لا تزال زويا كوسموديميانكايا، تُذكر كواحدة من رموز المقاومة التي رفضت الاستسلام في مواجهة الاحتلال.