"تحت نجم قاسٍ"... ثلاث تجارب تاريخية مفصلية في حياة امرأة
مذكّرات هيدا كوفالي في كتاب "تحت نجم قاسٍ" ليست مجرّد استعادة لمعاناة الحرب العالمية الثانية، بل محاولة لفهم سؤال جوهري: كيف يمكن للخوف، حتى في قلب المشاريع التي تدّعي التحرّر، أن يتحوّل إلى أداة لإعادة إنتاج القمع؟
شيلا قاسم خاني
مركز الأخبار ـ يشكّل كتاب Under a Cruel Star "تحت نجم قاسٍ" للكاتبة هيدا مارغوليوس كوفالي شهادةً موثّقة على حياة امرأة عبرت ثلاث تجارب تاريخية مفصلية: الاحتلال النازي، والحرب العالمية الثانية، ثم قيام النظام الشيوعي في تشيكوسلوفاكيا، ولا يقتصر هذا العمل على سرد المعاناة الفردية، بل يمثّل محاولة واعية لمقاومة النسيان واستعادة الحقيقة من قبضة الروايات الرسمية للسلطة.
هيدا مارغوليوس كوفالي (1919 ـ 2010) كاتبة ومترجمة تشيكية تنحدر من أصول يهودية، كانت قد نُفيت خلال الحرب العالمية الثانية إلى معسكرات الموت النازية، ومنها أوشفيتز، حيث فقدت معظم أفراد عائلتها، وبعد الحرب، عادت إلى الحياة في عالم بدا منهاراً، ليس فقط في واقعه الخارجي، بل أيضاً في بنيتها النفسية الداخلية.
هذه التجربة تمنح سردها خصوصية نادرة؛ فهو لا ينزلق إلى المبالغة العاطفية، ولا يستسلم للبرود، بل يقوم على دقّة أخلاقية في تسجيل الوقائع.
في هذا الكتاب، لا تظهر المرأة بوصفها ضحية فحسب، بل باعتبارها ذاتاً راوية ومراقِبة؛ ذاتاً تجد نفسها، وسط العنف والجوع والفقدان، مضطرة إلى إعادة ترميم نفسها كل يوم. تكتب هيدا كوفالي عن نساء يقتربن من الانهيار النفسي، لكنهنّ، في قلب هذا التآكل، يصنعن شكلاً من أشكال الصمود الصامت والمستمر؛ صموداً لا يقوم على الشعارات، بل على مواصلة الحياة ذاتها.
ومن أبرز ما يميّز الكتاب ابتعاده عن الرؤى الأيديولوجية الصرفة، فعلى خلاف كثير من أبناء جيلها الذين فكّروا ضمن أطر النظريات والوعود السياسية في مرحلة ما بعد الحرب، تصل هيدا كوفالي، عبر التركيز على التجربة اليومية والملاحظة الدقيقة للبشر، إلى فهم مختلف: فالفساد ليس مجرّد نتيجة لتركّز السلطة، بل هو أيضاً ثمرة الخوف الذي يعمل بالتوازي معها، ويتجذّر في العلاقات الإنسانية، وفي الصمت، وفي أشكال التكيّف التدريجي.
ومن هذا المنطلق، يلتقي الكتاب مع بعض الأفكار المركزية في تقاليد فكرية تحرّرية متعدّدة، رغم اختلافها، إذ تؤكّد جميعها أنّ التحرّر لا يتحقّق بمجرد انتقال السلطة من يد إلى أخرى، بل يتطلّب كسر الحلقة التي يعيد فيها الخوف والسلطة إنتاج بعضهما البعض، وتُظهر تجربتها أنّ المشاريع التحرّرية نفسها قد تنتهي إلى إعادة إنتاج آليات القمع ذاتها، ما لم تواجه الخوف مواجهة صادقة.
وفي النهاية، يتجاوز كتاب "تحت نجم قاسٍ" حدود المذكّرات الشخصية ليصبح نصّاً للتأمّل في العلاقة بين السلطة والخوف والمسؤولية الفردية، فمن خلال إصرارها على التذكّر، تقف الكاتبة في مواجهة الفكرة القائلة إن النسيان شرط للاستمرار في الحياة. وتكتب "لم أقتنع بكلام أولئك الذين كانوا يقولون إن الطريق الوحيد للعودة إلى الحياة هو النسيان. كنت أريد أن أتذكّر كل شيء، وألا أغطّي على شيء، وألا أزيّف شيئاً، وأن أحتفظ بالأحداث كما وقعت تماماً. كنت أريد أن أعيش لأنني كنت حيّة، لا لأنني نجوت بالمصادفة".
بهذا المعنى، لا تصبح الرواية عند هيدا كوفالي مجرّد استعادة للماضي، بل فعلاً أخلاقياً وسياسياً؛ محاولة للحفاظ على الحقيقة في مواجهة تآكل الزمن، وفي مواجهة الأنظمة التي تطلب البقاء مقابل النسيان، ويكشف الكتاب كيف يمكن للإنسان، انطلاقاً من تجربة الألم، ألا يصنع أسطورة ولا يستسلم، بل يفتح طريقاً للرؤية والقول والاستمرار.