نجيبة خاني جليزاده... من ريادة تعليم الفتيات إلى توثيق الذاكرة الكردية

كرست نجيبة خاني جليزاده حياتها للعلم والعمل النسوي وتوثيق التاريخ الكردي، فكانت رائدةً فتحت أبواب التعليم أمام الفتيات، وسعت من خلال كتاباتها وأبحاثها إلى حفظ ذاكرة شعبها ونقل إرثه إلى الأجيال القادمة، مؤكدةً دور المرأة في صناعة التاريخ وصونه.

مركز الأخبار ـ لم تكن نجيبة خاني جليزاده مجرد امرأة فتحت لنفسها طريقاً إلى التعليم، بل كانت أيضاً ناشطةً وكاتبةً وباحثةً أدركت أن الحفاظ على تاريخ الشعوب يبدأ بتوثيق تجاربها وأصواتها.

وُلدت نجيبة خاني جليزاده في 8 أيلول/سبتمبر عام 1917، في مدينة كويه التي عُرفت بغناها الثقافي وإرثها المعرفي. ونشأت في كنف أسرة تُولي العلم والتعليم مكانةً بارزة، فوالدها الملا محمد حاجي عبد الله، كان عالماً وشاعراً اجتماعياً، وقد أسهمت بيئتها الأسرية في تشكيل وعيها المبكر بأهمية المعرفة ودورها في حياة المجتمع.

وفي عام 1924، أرسلها والدها وهي في السابعة من عمرها، إلى مدرسة يرتادها الفتيان، في وقت لم يكن فيه تعليم الفتيات أمراً مألوفاً، بل كانت فرص الدراسة محدودة حتى أمام كثير من الصبيان. وشكل هذا القرار تحدياً واضحاً للأعراف الاجتماعية السائدة آنذاك.

أثبتت نجيبة خاني جليزاده تفوقها الدراسي، وتمكنت من الوصول إلى الصف الخامس، لتصبح تجربتها مثالاً مؤثراً في محيطها الاجتماعي. ولم يقتصر أثر تعليمها على مسيرتها الشخصية، بل أسهم أيضاً في تعزيز وعي عائلات أخرى بأهمية تعليم الأبناء، وشجعها على إرسال أطفالها إلى المدارس.

 

من التعليم إلى العمل من أجل المرأة

لم تتوقف نجيبة خاني جليزاده عند حدود التعليم، بل انتقلت إلى العمل الاجتماعي والنضال من أجل حقوق المرأة. ففي مطلع أربعينيات القرن الماضي، دعمت حزب هيوا، وعملت على توعية نساء كويه بإقليم جنوب كردستان وتشجيعهن على المطالبة بحقوقهن. كما انخرطت لاحقاً في الحركة الديمقراطية الكردستانية.

وفي عام 1953، مع تأسيس اتحاد النساء الكرديات، أدت نجيبة دوراً مهماً في تنظيم النساء. وانتُخبت سراً رئيسةً لاتحاد النساء الكرديات في كويه. وفي السنوات اللاحقة، شاركت في الاجتماعات والفعاليات العامة، وتحدثت عن دور المرأة في النضال من أجل الحرية، مؤكدةً أهمية حضورها الفاعل في الحياة السياسية والاجتماعية.

 

الثورة والمنفى والعودة إلى كويه

شاركت نجيبة خاني جليزاده أيضاً في ثورة أيلول/سبتمبر عام 1961. وبعد انهيار الثورة، اضطرت عام 1975 إلى اللجوء لإيران، حيث عاشت في المنفى بين عامي 1975 و1977، وواجهت ظروفاً قاسية وصعوبات عديدة.

وبعد عودتها، استأنفت نشاطها الاجتماعي في كويه، وظلت حاضرة في الحياة العامة. وفي السنوات الأخيرة من حياتها، انتقلت إلى هولير، حيث توفيت ليلة 11 حزيران/يونيو عام 1999، عن عمر ناهز 82 عاماً.

 

المرأة التي كتبت التاريخ

تطرح سيرة نجيبة جليزاده أسئلة جوهرية تتعلق بمكانة المرأة في التاريخ: من يكتب تاريخ النساء؟ وكيف يمكن الحفاظ على تجاربهن من النسيان؟ ولماذا ينبغي للنساء ألا يكتفين بحجز مكان لهن في صفحات التاريخ، بل أن يمتلكن أيضاً صوتاً فاعلاً في كتابته وتوثيقه؟

تركت نجيبة خاني جليزاده وراءها عدداً من المخطوطات والأعمال المهمة التي تعكس اهتمامها بالتاريخ والثقافة والذاكرة الجماعية، ومن أبرزها:

- تاريخ كويه: يتناول ماضي المدينة وذاكرتها التاريخية

- تاريخ عائلة جليزاده: يوثق تاريخ عائلتها وإرثها

- كتابات حول أحداث كردستان خلال ثورة أيلول عام 1961: تسجّل أحداثاً تاريخية وتعرض رؤيتها لها.

- الفولكلور الكردي: يجمع جوانب من التراث الثقافي والفلكلور والذاكرة الشعبية للمجتمع الكردي.

كما سلّطت دراسة أكاديمية أُجريت في جامعة السليمانية عام 2023 الضوء على أهمية كتابات نجيبة خاني جليزاده وإسهاماتها الفكرية والتاريخية. فقد تناولت في مؤلفاتها الأحداث التاريخية من منظورها الخاص، وأبرزت أهمية القراءة والكتابة، ودعت النساء إلى تجاوز حدود المنزل والانخراط بفاعلية في الحياة الاجتماعية.