"مأساة الجسد"… كشفٌ جريء لألم صامت يطال النساء

يقدم كتاب "مأساة الجسد" لفاطمة کریمي دراسة جريئة تكشف العنف الصامت المتمثل في "ختان الإناث". يستند العمل إلى بحث ميداني ليكشف جذور هذه الممارسة في البنى الثقافية والاجتماعية وعلاقات القوة.

مركز الأخبار - يشكّل كتاب "مأساة الجسد" للكاتبة فاطمة کریمي عملاً بحثياً عميقاً، وإنسانياً في جوهره، يتناول واحداً من أكثر أشكال العنف ضد النساء خفاءً وقسوة ألا وهو "ختان الإناث".

تجمع الكاتبة بين التحليل الاجتماعي الدقيق ورواية التجارب الحياتية للضحايا، لتفتح نافذة على تقليد متجذر خلف جراحاً لا تُمحى في أجساد النساء ونفوسهن، جراحاً امتد أثرها عبر الأجيال رغم قلة الحديث عنها.

صدر هذا الكتاب عام 2010 عن دار روشانكاران ودراسات المرأة، وهو أول مؤلفات الكاتبة. ويركز على ظاهرة ختان الإناث في شرق كردستان، ولا سيما في مقاطعة باوه، مستنداً إلى مقابلات ميدانية مع 40 امرأة، ليكشف عن طبقات العنف البنيوي والجسدي الذي تتعرض له النساء في تلك المنطقة.

وفي عام 2011، حاز الكتاب جائزة "تمثال صدیقة دولت ‌آبادي" بوصفه "كتاب العام الجدير بالتقدير" في مجال دراسات المرأة، تقديراً لجرأته وأهميته البحثية.

يعالج الكتاب الظاهرة من منظور متعدد الأبعاد. ففي فصوله الأولى، تتناول الكاتبة تاريخ ختان الإناث وجذوره الثقافية والاجتماعية، وتفسر أسباب استمراره، مؤكدة أنه ليس مجرد عادة، بل جزء من بنية اجتماعية غير متكافئة تكرس السيطرة على جسد المرأة.

كما تستعرض الجهود الدولية المبذولة لمكافحة هذه الممارسة، وتناقش حضورها في الأديان والمجتمعات المختلفة.

وفي أحد أبرز أقسام الكتاب، تستند الكاتبة إلى أفكار "لاكان" و"كريستيفا" و"فوکو" لتقديم تحليل نفسي ـ اجتماعي معمق، يكشف الأبعاد الرمزية والسلطوية الكامنة خلف هذه الممارسة. كما يضم الكتاب نتائج البحوث الميدانية وتحليل البيانات، إلى جانب مقترحات عملية لمواجهة الظاهرة.

ومن أبرز سمات "مأساة الجسد" أنّ الكاتبة لم تكتفي بالأرقام والبيانات الجافة، بل تتجه نحو التجارب الحياتية للنساء. فالمقابلات المباشرة مع النساء المتضررات، وسرد تفاصيل حياتهن، وآلامهن، ومخاوفهن، والآثار الجسدية والنفسية التي خلّفتها هذه الممارسة، تمنح الكتاب بُعداً إنسانياً عميقاً ومؤثراً. محولةً إياه من دراسة أكاديمية إلى شهادة حية على معاناة صامتة.

وفي النهاية، يبرهن الكتاب أن ختان الإناث ليس مسألة فردية أو عائلية فحسب، بل ظاهرة اجتماعية وهيكلية تتجذّر في الثقافة والدين وعلاقات القوة، وتخلّف آثاراً عميقة وطويلة الأمد على حياة