عدلة خانم... المرأة التي تركت بصمتها في تاريخ كردستان

عدلة خانم قائدة بارزة في تاريخ كردستان؛ حولت حلبجة إلى مركز تجاري مؤثر بسياساتها الحكيمة، ورسخت حضورها بمهارات دبلوماسية ورؤية إدارية جعلت منها نموذجاً نسائياً مؤثراً ترك بصمة واضحة في الحياة السياسية والاجتماعية للمنطقة.

مركز الأخبار ـ تعد عدلة خانم من الشخصيات النسائية النادرة التي برزت في تاريخ كردستان الحديث، إذ تمكنت من قيادة قبيلتها والتأثير في مسار المنطقة رغم هيمنة الرجال على المشهد السياسي والاجتماعي آنذاك.

ولدت عدلة خانم عادلة عام 1847 في مدينة سنه بشرق كردستان، لأسرة أرستقراطية معروفة تدعى صاحب قيران، تميزت بنشأتها في بيئة تُقدر العلم، ما أتاح لها تعلّم الأدب والسياسة والدبلوماسية في سن مبكرة، وهو أمر غير مألوف للنساء في تلك الحقبة، انتقلت إلى حلبجة بعد زواجها من عثمان باشا جزيري، زعيم قبيلة كاف والحاكم العثماني لشارزور، وهناك بدأت رحلتها في لعب دور محوري في إدارة شؤون المنطقة، ورغم أن المصادر البريطانية تشير إليها باسم "السيدة أديلا"، فإن حضورها في السرديات الكردية لا يزال أقل مما تستحقه هذه المرأة الذكية والموهوبة.

نظراً لغياب عثمان باشا المتكرر عن المدينة بسبب شؤون الدولة، لعبت عدلة خانم دوراً فعالاً في إدارة المنطقة، حيث تولت مسؤولية الإدارة في المجالين القضائي والإداري، بعد وفاة زوجها عام 1909، تولت المسؤولية الكاملة على الإدارة الإقليمية وبقيت زعيمة إقليمية لسنوات عديدة.

بفضل ذكائها الحاد، حوّلت عدلة خانم حلبجة من قرية صغيرة إلى مركز تجاري وثقافي هام، أنشأت مؤسسة قضائية وترأست المحاكم بنفسها لضمان سيادة القانون والنظام في المنطقة، شيدت سجناً للحفاظ على الأمن ومنعت المجرمين من التجول بحرية في المنطقة، كما أنشأت سوقاً جديداً، وشجعت التجارة، وسمحت للتجار من المناطق المجاورة بزيارة حلبجة، اكتسبت عدلة خانم نفوذاً كبيراً ولم تعد مجرد زعيمة سياسية، بل حاكمة عملت على ضمان أمن شعبها ورفاهيته.

 

"أميرة الشجعان"

يرتبط اسم عدلة خانم ارتباطاً وثيقاً بتطور حلبجة، فبحسب المصادر المعاصرة، اتخذت خطواتٍ هامة لإحياء التجارة وضمان الأمن، وإنشاء الأسواق وتعزيز النظام القضائي في المنطقة، كما شاركت في القتال خلال الحرب العالمية الأولى وأنقذت أرواحاً كثيرة، ولهذا السبب أُطلق عليها البريطانيون لقب "أميرة الشجعان" وأشادوا بقيادتها.

على الرغم من ذكر اسم عدلة خانم في الأعمال التي تؤرخ لتاريخ الكرد، إلا أنها لا تحظى بشهرة كافية لدى العامة، ومع ذلك تُعد حياتها شهادة قوية على قدرة المرأة على لعب أدوار حاسمة ليس فقط في الأسرة، بل أيضاً في السياسة والدبلوماسية وبناء الحياة الاجتماعية، تُظهر قصة عدلة خانم مرة أخرى أن النساء اللواتي ظللن في طي النسيان يستحقن أن يُخلّد ذكرهن.

تحدث العديد من المثقفين والدبلوماسيين والرحالة الغربيين الذين زاروا كردستان خلال تلك الفترة عن تأثير عدلة خانم، كتبت الكاتبة والسياسية البريطانية جيرترود بيل عنها في رسائلها عام ١٩٢١، مشيدةً بأزيائها الكردية الرائعة ومهاراتها السياسية، ووصفها الكاتب البريطاني إي. بي. سوان، الذي زارها مرتدياً الزي الكردي، في كتابه بأنها امرأة فريدة من نوعها تمتعت بنفوذ كبير في مجتمع مسلم، بقيت عدلة خانم في حلبجة حتى وفاتها عام 1924، حيث دُفنت، ولا تزال تُذكر حتى اليوم في تاريخ الشعب الكردي كرمز للمرأة القوية الإرادة، والقائدة، والرائدة.